بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبا القاسم المصطفى محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين.

سادتي الأفاضل، إخوتي الأكارم، الأخوات الفاضلات، بدايةً أرحب بكم أجمل ترحيب وأبارك لكم هذا اليوم الشريف ونحن نعيش في رحاب عيد الغدير الأغر، عيد الله الأكبر.

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم، اليوم يأس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشوني، اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا. الحمد لله على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب بالإسلام ديناً بولاية أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب صلوات الله وسلام عليه.

حدث الغدير ذكره المؤخرون بتواتر

أيها الأحبة، كلما حل هذا اليوم الشريف، كلما استذكرنا حدثاً عظيماً ذكره المؤرخون بشكلٍ متواتر، وقوع الحدث وما قيل في هذا الحدث ليس مورد خلاف أي من الطوائف الإسلامية، وإنما اختلفوا في تفسيره، في تحليله، في مدلوله، في مفاده وليس في وقوعه، لأن حديث الغدير من الأحاديث المتواترة بين الفريقين ولدى المسلمين جميعاً.

ماذا جرى في حجة الوداع؟ بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الجهد والجهاد الذي مارسه رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعه أهل بيته وأصحابه في الانتصار للإسلام، في نشر رسالة الإسلام، كانت الزيارة الأخيرة لحج بيت الله الحرام في السنة العاشرة للهجرة، سُميت حجة الوداع لأن الجميع كان يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وآله يحج هذه الحجة الأخيرة، وكان المسلمون بحكم أنها حجة الوداع يُلاصقون رسول الله ويحومون حوله طوال فترة الحج، ليأخذوا منه ويتزودوا منه في صلاته، في طوافه، في مسعاه، في وقوفه، في المواقف الكريمة، في منى، في عرفات، في مشعر، يلتفتون إلى ما يقول، يصغون إلى أدعيته ومناجاته وكلماته لأنهم يعرفون أنهم سيفارقونه قريباً.

مئة وعشرين الف حاج شهدوا حادثة الغدير

انتهى موسم الحج، وكان الناس يخرجون جميعاً من طريقٍ واحد حتى يصلوا إلى منطقة الجحفة، وهي اليوم ميقات من المواقيت، والكثير من حجاج بيت الله الحرام يذهبون إلى الجحفة ويُحلمون، وبعضهم ممن يأتي من المدينة يذهب إلى مسجد الشجرة، لكن من يأتي من جدة اليوم يذهب إلى الجحفة، وثم من الجحفة كانوا يتفرقون كل بطريقٍ واتجاهٍ محدد.

انتهى الحج، وخرج المسلمون، وكان يُقدر عددهم بأكثر من مئة وعشرين ألف حاج، في حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى وصلوا إلى منطقة الجحفة، هم ليسوا قافلة واحدة، هم مئات من القوافل إن لم نقل آلاف، فلا يوجد تنسيق فيما بينهم أن يخرجوا دفعة واحدة، بعضهم يخرج في الصباح الباكر، وبعضهم بعد ساعتين، وبعضهم بعد ثلاثة ساعات، ولكن يُشكلون زخماً وسيلاً بشرياً هائلاً باتجاه الخروج من مكة.

حينما وصل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى منطقة قريبة من الجحفة تبعد عنها أربعة أو خمسة كيلو مترات، هي منطقة خم، فيها غدير، فيها بركة من الماء منخفض يجتمع فيه الماء، في منطقة غدير خم حيث هذا الغدير وهذه البركة من الماء، هناك جاء الأمر الإلهي: يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك، الآن يوجد أمر عليك أن تبلغه إلى الناس، فرسول الله نادى بالمسلمين: هناك أمر من السماء علي إبلاغه، قفوا واجتمعوا، وانتظروا المتأخر حتى يلحق، واخبروا السابق حتى يعود، وانتظروا في تلك الصحراء القاحلة، وفي ذلك الحر اللاهب، انتظروا ساعات حتى يجتمع الناس ليعود من تقدم، ويلتحق من تأخر، ويلتئم المئة وعشرين ألف حاج، والكل يتسائل: قضينا موسماً كاملاً لحج بيت الله الحرام ونحن في ركاب رسول الله صلى الله عليه وآله، لم يقل لنا! ولم الآن يُريد أن يقول؟ والجواب أن الأمر من السماء نزل في هذه اللحظة.

من كنت مولاه فهذا علي مولاه

فاجتمع الناس وهم يترقبون ماذا يُريد أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله؟ حتى اجتمع الناس وصعد رسول الله إلى منبرٍ، مجموعة من سرج الخيول وما شابه ذلك وضعوها شيئاً على شيء حتى صارت تلاً صعد رسول الله حتى يراه الناس، وخطب خطبةً، وقال فيما قال فيها: ألست أولى بكم من أنفسكم، أليس قراركم بيدي وأنا رسولٌ من رب العالمين، في إشارة إلى الآية الشريفة: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى يا رسول الله، أنت أولى بنا من أنفسنا، قال: فمن كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه، اللهم والي من والاه، وعادي من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، فكانت واقعة الغدير، وفيها تنصيب عليٌ عليه السلام إماماً للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بناءً على هذه الواقعة وهذه الآيات الشريفة التي نزلت في هذه المناسبة.

للغدير مداليل منها المدلول العقائدي


ماذا يعني هذا الحدث؟ ما هي المداليل؟ هناك مدلول عقائدي للغدير، إننا نعرف أن أنبياء أُولي العزم الذين حملوا رسالات إلهية، والرسالة هي المشروع الكامل للتغيير الشامل وللتغيير الجذري للبشرية، أنبياء أولي العزم هم خمسة أو ستة على اختلاف الروايات، ولكن لدينا مئة وأربعة وعشرين ألف نبي، ماذا يعني ذلك؟ أن يأتي نبي من أنبياء أولي العزم يحمل معه رسالة ولكن بما أن هذه الرسالة أمدها تغيير جذري وشامل في البشرية كلها، فلا يستطيع هذا النبي في عمره المحدود، خمسين عاماً، مئة عاماً، مئتين عام، أي كان لا يستطيع أن يحقق الأهداف المطلوبة لرسالته، فيُعضد بآلاف الأنبياء من بعده، ليوضح ويشرح وينشر تلك الرسالة بين الناس حتى تأخذ بُعدها العالمي، هكذا كانت في موسى عليه السلام، وهكذا كانت في عيسى عليه السلام، وسائر أنبياء أولي العزم.

ولكن رسولنا الكريم هو الخاتم للأنبياء، فليس من أنبياء يأتون من بعده كما كان لأنبياء الله من أولي العزم السابقين، فكان يتحتم أن يُقيض أئمة بإشارة وتنصيبٍ من السماء ليزاول ويمارس تلك المهام إلا الوحي الذي هو شأن يخص الأنبياء.

رسول الله ص اكد في اكثر من مناسبة ان علي سيكمل المشوار بعده

المقولة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، هارون كان نبياً من بعد موسى، أنت مني بمنزلة هارون، أنت تُكمل المشوار، أنت تستمر في إبلاغ الرسالة، أنت تتحمل المسؤولية في البلاغ، أنت تستمر في إيضاح تعاليم السماء بحسب هذه الرسالة الإسلامية، ولكنك لست نبي إلا أنه لا نبي بعدي.فكل ما هو مسؤوليات وتبعات للمهمة الرسالية تُنقل إلى الإمام إلا الوحي الذي ينحصر بالنبي.

هذا بالحقيقة هو الدور والبعد العقائدي للغدير -أي تنصيب علي عليه السلام ليكون حامل المشوار والمشروع الرسالي- يؤصل فيه ويستمر فيه ويُكمل هذه المسيرة، ولذلك في المقولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أنا أقاتل على التنزيل وتُقاتل على التأويل، لأن الوحي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن هذه الوحي يحتاج إلى شرح، إلى إيضاح، إلى تفيهم للناس، وأنزلنا عليك الذكر لتُبين للناس ما نُزل إليهم.

الغدير له بعد سياسي تمثل باهتمام الاسلام بالحكم

هذه المهمة تحملها علي عليه السلام والأئمة من بعده بحسب ما نعتقد وبحسب هذه النصوص الواضحة، ولكن هناك أيضاً بعد سياسي لواقعة الغدير، وهو أن الإسلام اهتم اهتماماً كبيراً ووافراً بموضوع الحكم، بموضوع الولاية، وإلى جانبه اهتم اهتماماً كبيراً بالشخص الذي يُشغل موقع الحكم -أي الحاكم الولي- وهما أمران وليس أمراً واحداً: هناك الولاية والحكم وهناك الولي والحاكم.

حديث الغدير اهتم بالدرجة الأساس بموضوعة الحكم والولاية، واعتبار ذلك ركيزةً أساسية به يكتمل الإسلام، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا، كمال الدين وتمام النعمة والرضا بالإسلام ديناً بولاية علي -أي بتنصيب الحاكم-، بوضع الضمانات بالحكم والإدارة، وطبعاً الغدير يحمل في طياته رسالة واضحة في طبيعة الحاكم الذي نُصب من الله سبحانه وتعالى في هذه المناسبة وهو عليٌ عليه السلام وبالطريقة التي أشرت أليها وبينتها.

إذن الإسلام دين دولة، الفهم الإسلامي، الرسالة الإسلامية رسالة ذات مضامين أخلاقية واجتماعية مليئة بالقيم الاجتماعية، فيها شعائر، فيها طقوس، فيها عبادات، ولكن الجزء الأكبر من الإسلام هو القيم وبناء الدولة والمجتمع.

الاسلام دين دولة وبناء مجتمع

ولذلك حينما نلخص أبواب الفقه نقول الفقه فيه عبادات وهو الجانب الشخصي، وحتى هذه العبادات ليست كلها شخصية، في الصلاة عندنا صلاة الجماعة وصلاة الجمعة وصلاة العيد وما إلى ذلك الذي يؤتى بها بشكل جماعي، وفي الحج هي شعيرة جماعية لا يحق للإنسان أن يحج متى ما شاء في توقيت محدد مما يعني أن المسلمين سيجتمعون في ذلك الوقت.

البعد الجماعي في العبادة، ولكن العبادة جانب من الفقه، الجوانب الأخرى بعد العبادات المعاملات والعقود والإيقاعات، ثلاث جوانب منحصرة أو تكاد تكون شاملة بدرجة كبيرة للوضع الاجتماعي، وحقل واحد هو العبادات فيها ما هو فردي وفيها ما هو جماعي واجتماعي.

هذا يكشف أن الإسلام دين دولة، دين بناء مجتمع، دين ينفتح بشكل واسع ويؤطر وينظم العلاقات الإنسانية، إذا ننظر إلى الآيات القرآنية، إلى النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الكرام نجدها مليئة بتعليمات وقيم ونظم تخص الواقع الاجتماعي والسياسي والإدارة.

عهد أمير ألمؤمنين لمالك الأشتر حين ولاه مصر يُمثل واحدة من هذه الوثائق التاريخية التي أعطت صورة شاملة وواسعة لنظرية الحكم في الإسلام، إذن الإسلام دين دولة وليس دين شعائر وطقوس وممارسات عبادية فحسب.

ولذلك نجد هناك تركيز كبير على موضوعة الولاية والحكم في النصوص الإسلامية، بُني الإسلام على خمس: على الصلاة والصيام والحج والزكاة والولاية، ثم الرواية تقول: وما نودي بشيءٍ كما نودي بالولاية فهي مفتاحهن والطريق إليهن، إذا أردت الحفاظ على الصلاة والصوم والحج والزكاة تحتاج إلى الولاية والحكم.

بقرينة الآية الشريفة: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهواعن المنكر، من خلال الحكم بالإمكان الدفاع والتثقيف على هذه الشعائر والحفاظ على أركان الإسلام.

وهكذا نجد أن مبدأ التاريخ الإسلامي يلحظ هذه الخصيصة المهمة في الفهم الإسلامي للحكم وللولاية، لدى أهلنا وشركائنا المسيحيين تعرفون أن مبدأ تاريخهم يبدأ بميلاد السيد المسيح، ميلاد ولادة النبي هو المبدأ، ونحن كان لدينا ولادة لنبينا، وبعد أربعين عاماً كان لنا ولادة لرسالته البعثة النبوية، وبعدها بثلاثة عشر عام كان له هجرة حين أسس الدولة الإسلامية في المدينة.

اقتران التاريخ الاسلامي بالحكم الاسلامي

مبدأ تاريخنا الإسلامي ليس ميلاد النبي، وليس ميلاد الرسالة، وليس ميلاد البعثة النبوية، وإنما مبدأ تاريخنا التاريخ الهجري الهجرة النبوية التي تشكل فيها الحكم الإسلامي في مدينة رسول الله صلى الله علي وآله، هذا مؤشر آخر على أهمية الولاية والحكم في نظرية الرؤية الإسلامية خصوصاً إذا عرفنا أن أمير المؤمنين علي عليه السلام هو من أشار لاعتبار الهجرة مبدءً لتاريخ المسلمين.

وهكذا نجد في سلوك الخوارج، وهم الجماعة المتشددة التي كانت تفهم الإسلام فهماً معوجاً، رفعوا شعار لإحراج علياً عليه السلام قالوا: لا حكم إلا لله، قال الإمام: كلمة حقٍ يُراد بها باطل، الحكم لله ولكن أنتم لا تقصدون الحكم لله وإنما تقصدون الإمر لله، وهذا أمرٌ غير صحيح، الحكم لله والله حكم أن تكون الإمرة للمؤمنين، للنبي، للإمام، لمن يُنصب لإدارة الأمور، فبمقتضى أن الحكم لله الإمرة لرسول الله وللأئمة الأطهار سلام الله عليهم.

هذه كلمة حقٍ لكن يُراد بها باطل، هكذا يقول أمير المؤمنين في الخطبة أربعين في الاحتجاج عليهم حينما يقولون لا حكم إلا لله: كلمة حقٍ يُراد بها باطل، لأنهم قصدوا لا إمرة إلا لله، وانه لابد للناس من أمير برٌ أو فاجر، لأن البشرية والناس لا يستطيعون العيش بدون أمير، بدون ولي، بدون حاكم يُنظم أمورهم إن كان حاكماً صالحاً براً وإن كان فاجراً يعمل في إمرته المؤمنون.

المؤمن في رحاب الحاكم الصالح أو الحاكم الطالح، المؤمن يقوم بواجباته ومسؤولياته ويستمتع فيه الكافر، وحتى غير الملتزم، غير المؤمن أيضاً يحتاج إلى انتظام أمري في المجتمع، فيحتاج إلى الحاكم، ويحتاج إلى الولاية، إلى الحكومة، ويُبلغ الله فيها الأجل والناس تعيش حياتها وتموت في ظل نظامٍ وفي ظل حكمٍ، لذلك الولاية والحكم أساس ضروري للمجتمعات.

مهام الحاكم عند علي عليه السلام

ثم يستعرض أمير المؤمنين مهام الحاكم، ما هي المهام التي عليه أن يفي بها؟ يقول: يُجمع به الفيء، بالحاكم يُجمع الفيء، الفيء هو الخراج والضرائب والإيرادات المالية للدولة بوجود نظام وبوجود حاكم تُجبى الأموال والإيرادات التي تُدير شؤون الناس وتُحافظ على مصالحهم.

ثانياً: ويقاتل بها العدو، بهذه الولاية نصد العدوان الخارجي، بدون حكومة ونظام لا نستطيع أن نقف بوجه الأعداء.

ثالثاً: وتأمن بها السُبل، يُؤمن الطُرقات والأماكن العامة، ويتحقق الأمن الداخلي من خلال من يعبث بهذا الأمن ومن يخرج على القانون ومن يفرض سطوة السلاح على المدنيين وعلى الناس العُزل في المجتمعات، بوجود النظام والحكومة يُمكن أن يتحقق هذا النظام الداخلي.

رابعاً: ويؤخذ به للضعيف من القوي، القوي لا يأكل الضعيف، لا يفتك ويبطش بالضعيف، بوجود الحكومة والولاية والنظام بالإمكان الحفاظ على حقوق الناس ضعيفاً كان أم قوياً والكل يحصل على ما هو حقه بعيداً عن المحسوبيات والمنسوبيات والتدخلات وما إلى ذلك.

خامساً: حتى يستريح برٌ، حتى المواطن الصالح يشعر بالراحة والطمأنينة والأمان، يستطيع أن يمارس حياته بعيداً عن الضغوط، ويستحصل حقوقه بشكل طبيعي.

سادساً: ويُستراح من فاجر، ومن يخرج عن الالتزام بالقانون والنظام يُضرب ويُستراح منه ويُقصى ويُسجن وتتُخذ بحقه الإجراءات القانونية المناسبة والملائمة.

الخطوط الحمراء امام الحاكم

ثم بعد ذلك أمير المؤمنين يطرح العديد من الخطوط الحمراء للحاكم، كما في الخطبة الخامسة من نهج البلاغة، يقول: أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، في البحر الأمواج العاتية يمكن أن تودي بالإنسان وتأخذه في أعماق البحار وتفنيه لولا أن يكون مستنداً إلى سفينة قوية تستطيع الوقوف بوجه هذه الأعاصير والأمواج.

هنا يعني أمير المؤمنين بالسفينة رسول الله وأهل بيته سلام الله عليهم وهم سفن النجاة، يقول: حينما تأتي التحديات والفتن تمسكوا بنا وخذوا بكلامنا والتزموا بما نقول وما ننهى حتى تستطيعوا من التغلب على هذه التحديات والنجاة بأنفسكم ومجتمعاتكم.

ثانياً: وعرجوا عن طريق المنافرة، ابتعدوا عن المناكفات، وعن الصراعات، وعن ضرب بعضكم ببعض، وحدوا كلمتكم فان طريق النجاة بوحدة الكلمة، وان تحقيق الانتصارات الكبيرة ومواجهة التحديات الخطيرة بوحدتكم وتماسككم.

ثالثاً: وضعوا تيجان المفاخرة، اتركوا النرجسيات والمزاجيات والرغبات والشهوات، ولا تمدوا أيديكم إلى المال العام، ولا تشعروا بحالة الفخر والنرجسية لوجودكم في مواقع المسؤولية والقرار، وكأن آفة التصدي للمسؤولية العامة آفتها وقوع الإنسان في هذه النرجسية والشعور بالأنا والغرق في الهوى وفي المزاجيات وما إلى ذلك من الأمور.

رابعاً: أفلح من نهض بجناح، هنيئاً لمن يتصدى ولمن يتحمل المسؤولية حينما تتوفر فرص النجاح له، فيتصدى لينجح ويحقق لشعبه خدمة حقيقية وينظم شؤون بلاده ووطنه كما هي مهمة الولاية والخلافة والحكم.

أو استسلم فأراح، ومن لا يجد فرصة للنجاح، إما الظروف غير مؤآتية، إما هو غير قادر أن يحقق نجاح، استراح.... عليه أن يُقدم استقالة ويسلم الراية لغيره لمن يستطيع أن يحقق النجاح، أن لا يكون متشبثاً بالكرسي في أي موقع من مواقع المسؤولية، إن كنت قادراً على تحقيق النجاح... فتصدى بقوة وتحمل المسؤولية وحقق النجاح لشعبك، وإن لم تكن قادراً فسلم الراية لغيرك وانسحب، هذا هو المنهج الذي يضعه أمير المؤمنين صلوات الله وسلام عليه.

يقول المشروع لا يُدار بالانفعالات، ولا بالأهواء والأمزجة الخاصة، ولكن يُحمى بالرؤيا العميقة وبالنظرة الثاقبة، ثم يتحدث أمير المؤمنين عن سمات الحكم ولكن الوقت بدأ يُداهم ولا نستطيع أن نستوفي كل هذه الموضوعات التي عددناها لهذا اليوم.

المهم أيها الأحبة أن رسالة الغدير رسالة وحدة وتعايش وانتظام للأمور وتماسك للمجتمعات ونبذ للطائفية والعنصرية والعرقية والمناطقية واجتماع الناس ببوتقة واحدة وفي إطارٍ واحد يُحقق من خلالها مزيداً من النظام لأنفسهم، والتعايش البناء لشعوبهم.

لذلك رسالة الغدير هي رسالة تواصل، رسالة انفتاح، وليست رسالة انطواء وانكفاء على الذات والانشغال بالصراعات وفي القضايا والخصوصيات التفصيلية.

نسأل الله أن يجعلنا ممن يلتزم برسالة الغدير وينطلق منها لبناء حالة التعايش والوئام.