ما أجمله من لقاء كان لديوان الوقف السني ومعالي الدكتور الشيخ عبد اللطيف الهميم الفضل في هذه الجمعة العراقية الأصيلة ، ما أطيب أن نجتمع على اختلاف تلاويننا ، قبائل العراق وعشائر هذا البلد العريق تمثل عنصر الارتكاز والضمانة الحقيقية لوحدة هذا البلد جاءت الأنظمة وذهبت وجاء الحكام وذهبوا أينما كانوا وكيفما كانوا جاؤوا ورحلوا وبقي العراق وبقيت هذه العشائر والقبائل رموزا وأسماء لامعة في سماء هذا الوطن وفي تاريخه المجيد .

أيها الأعزاء

من مكامن قوة مجتمعنا انه مجتمع بنسيج عشائري، والعشيرة فيها تقاليد وأعراف تنسجم في الأعم الأغلب مع الموقف الشرعي ، ولذلك الالتزام بهذا النسيج وتوقيته إنما يمثل الحصانة الحقيقية التي تحفظ المجتمع وتوحد أبنائه ، العشيرة لا تتقاطع مع المدنية ، العشيرة  ليست تخلفا كما يسعى البعض ان يقرأ يرى وإنما هذا الواقع العشائري إذا ما اهتممنا به ودعمناه وساندناه سيكون أفضل راع وأفضل دعامة لوحدتنا وتماسكنا وقتنا كما كان في تاريخ طويل فعلينا أن نتهم بهذا الواقع العشائري, ولاسيما أن الأعم الأغلب من عشائرنا ليست من لون واحد فيها وفيها وهذا يعني أن العشيرة بحد ذاتها هي عنصر وحدة أساسية, وشيخ العشيرة وأميرها إذا ما أراد أن ينحاز إلى طائفة فسيفقد نصف عشيرته أول ما يفقد وسيخاطر بمشيخته وبدوره الاجتماعي, هذه ضمانة كبيرة قد لا يلتفت إليها الكثيرون, قد يتفاجأ العالم حينما يطلع على تقارير لوزارة التخطيط العراقية تتحدث بأننا في العقد المنصرم والذي شهد العراق مشاكل كبيرة أخذت لبوساً طائفية أن نسبة الزيجات المختلطة في العراق بلغت 30% هذا رقم مهول في ذروة فتنة ومشاكل ذات أبعاد طائفية, كيف يمكن أن نجمع بين هذا الصورة وبين هذا الواقع ، الجمع هو بالعشيرة ، العشيرة تجمع هناك ملاين من النازحين لعل ثلاث ملاين من النازحين نزحوا بالفترة الأخيرة في السنوات الأخيرة مليون منهم توجهوا نحو محافظات الجنوب وأهليهم وعشائرهم وعاشوا وتعايشوا واندمجوا فأبنائهم يدرسون في المدارس وهم يعيشون في مضايف عشائرهم في ظاهرة مميزة في التلاحم الوطني كيف حدث ذلك؟ ولم نسمع اعتداءاً على خلفية طائفية ولم نسمع ضغوطاً على خلفية طائفية ولم نسمع مشاكل وهم ليسوا عدد قليل مليون نازح في المحافظات الجنوبية ولكنهم اندمجوا وتعايشوا ونجد اليوم في أكثر المدن قدسية وتحفظاً في الجنوب في النجف الأشرف وكربلاء ما أكثر أبناء الفلوجة والأنبار ونينوى وغيرهم يعيشون ويتعايشون ويمارسون أعمالهم دون حاجز, هذه حقائق علينا أن نظهرها للعالم وأن نفخر بها ونعتز بها لأنها تمثل محور وحدتنا وتماسكنا, خمسمائة عام والعراق مركزاً للخلافة وجاءت المناهج والمدارس والطرق المتعددة والمشارف المتعددة وتعايشت مع بعضها ومثلت محور الالتقاء والتكامل فيما بينها, فقد ألف العراقيون طويلاً الانفتاح التعايش فيما بينهم, وما أحوجنا اليوم لنستذكر ذلك التاريخ ونستحضر الواقع الديموغرافي والواقع الذي نعيشه ونبني عليه.

إن التطرف والتكفير والانغلاق مثلت دائماً ثقافات دخيلة على مجتمعنا العراقي, الأساس والأصل هو ثقافة التعايش والبناء والانفتاح والقبول بالآخر والقبول بهذا التنوع والتعدد الكبير ولكن حتى هذه الثقافات الدخيلة أصبحت سبباً لتوحيدنا أرادوها سبباً لفرقتنا لإثارة بغضاء وشحناء والكراهية في ما بيننا, جاءوا ليدعوا إنهم يدافعون عنه هذه الطائفة أو تلك ولكن الذي حصل أننا اليوم متوحدون جميعاً على عدو واحد هو الإرهاب, أصبح الشعب العراقي متوحد على هذا الأمر " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ  " فتحول هذا الشر إلى خير حينما توحدنا في مواجهته أصبح يرى فينا جميعاً بكل تلاويننا بكل تنوعنا وتعددنا بكل قوميتنا ومذاهبنا وديانتنا بكل عشائرنا وقبائلنا يرى فينا العدو ويرى فينا التهديد لوجوده الإرهاب وأصبحنا نحن نرى فيه تدميراً للوطن وتهديداً للعقيدة فتماسكنا وتوحدنا في مواجهته, نحن إذ كنا في الجراح كثرت الجراح وكبرت هذه الجراحات ولكنها لم تكن قاتلة لأن العراق يرفض أن يموت لأن الوطن يرفض أن يموت ولأن شعبنا متمسك بحقه في الحياة بعزته وكرامته بشموخه وحضارته بتاريخه معتز بهذا الواقع ولذلك هذه الجراح وهذه الطعنات ما أطاحتنا ستكون سبباً في قوتنا وبدأت ملامح هذه القوة تظهر للعيان, وأقولها لكم بصراحة أيها الأحبة إن العراق سيخرج من هذه المحنة بفضل الله تعالى وبفضل هذا التنوع وبفضل تلك الحضارة والجذور التاريخية وبفضل الموقع الجغرافي الإستراتيجي الذي يتمتع به هذا البلد العظيم وهو في قلب الشرق الأوسط, لقد انهارت الطائفية على صخرة وحدة العراقيين ولقد انهار الإرهاب والتكفير والتطرف وعجز تفكيك مجتمعنا من خلال هذا التعدد والتنوع والاعتدال, ولقد انهارت التدخلات الإقليمية أمام الهوية الوطنية العراقية وتمسك العراقيين بالعراق السيد الحر المستقل.

أيها الأحبة إن المواطنة هي المقياس لعراقيتنا والدولة العصرية العادلة التي تخدم كل مواطنيها وتعدل فيهم وتوفر حقوقهم وتضعهم أمام التزامات واحدة هي وجهتنا وهي ما نعمل عليه ونظام اللامركزي الذي أقره الدستور ووضع ملامحه هو الإطار الإداري للبلد الذي نعمل عليه, هذه هي الأسس وهذا هو الإطار العام في المشروع السياسي الوطني الذي نتبناه جميعاً اليوم ولابد لنا أن ندعمه بقوة وأن نوحد العراق حوله وأنتم مفتاح العراق ومدخله وتتحملون مسؤولية كبيرة في هذا الإطار, إننا نتملك وطنناً عظيماً له هذا التاريخ وله هذه الحضارة وله هذا التأثير والدور الكبر في تاريخه الطويل, وعلينا أن نتوحد جميعاً لبنائه وإعماره بناء النفوس وبناء المدن التي خربها الإرهاب والوقوف بوجه كل من يعتاش على الضغينة والكراهية والتفرقة, إن من حاول أن يستغل الإرهاب للضغط على العراقيين ولتمرير أجندة سياسية قد عرف اليوم بالفعل أن العقرب شأنه أن يلدغ ولا يميز بين أحد وآخر هو يلدغ حتى من يحسن إليه والإرهاب بمثابة العقرب لا يميز بين أحد وآخر, قد تكون هناك أولويات قد يصور لنفسه أعداءً ثم يعود لمن ترعرع في أحضانهم ليلدغهم أيضاً ويسيء إليهم وهذه سنة الله ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله, لذلك الرهان على الإرهاب في أنه يمكن أن يمثل ورقة ضغط على العراقيين لثنيهم لإخضاعهم إن هذا المراهنات باطلة وبدأت تظهر ملامح هذا البطلان وعلى الجميع أن يعي خطورة الإرهاب.

إننا على مشارف الانتصار الكبيرة وإعلان العراق خالياً من داعش قريباً بإذن الله تعالى ولكن هذا الانتصار سيف ذو حدين أما أن يكون منطلقاً والعياذ بالله لفرقة وانشغال بعضنا ببعض وإما أن يكون محط أساسياً لنتوحد ونتماسك ونشخص الأهداف ونحدد المشروع ونحدد البوصلة ونمضي معاً لتحقيق ما فيه عز هذا البلد وكرامة العراقيين جميعاً, فلنفكر بعقلية الوطن ولنفكر بمصلحة الأجيال القادمة ونتخذ القرارات الصحيحة ولنمضي بما يخدم وحدتنا وعزتنا وكرامتنا, إن ذلك يحتاج إلى استحضار المشروع ويحتاج إلى بعد النظر ويحتاج إلى سعة الصدر بين كنا نمتلك هذه المقومات أمكننا أن نبني وطناً نفتخر به ويفتخر العالم كله إن علينا أن ننتصر لشعبنا ووطنا وتاريخنا إنها مسؤولية عالية القوم أنتم الأمراء والشيوخ تمثلون تلك الرموز المجتمعية المهمة التي تحظى بكل الاحترام والتقدير وتحظى بالتأثير في مضايفكم العامرة تناقش هموم البلد ويثقف الرأي العام, فالمسؤولية عليكم عظيمة في ظل هذه التطورات والمتغيرات الكبيرة الوطنية والإقليمية والدولية إن أمامنا الملايين من النازحين ومئات الآلاف من البيوت المهدمة والآلاف من الأرامل والأيتام وكل هؤلاء بحاجة إلى الرعاية وبحاجة إلى نهضة ونخوة وطنية عراقية.

 إننا بحاجة إلى عمل وطني ينبع من القلب والضمير ويبتعد عن النظرة السياسية الضيقة والمشاريع والأجندة الدخيلة, كما أننا بحاجة إلى تحشيد كل الإمكانات الوطنية والدولية في إعادة الاستقرار لهذه المحافظات ومن ثم استكمال عملية إعمال والبناء ليكون العراق كله موطئاً موطناً للعراقيين يحقق فيه طموحاتهم والحقوق ويضمن فيه حقوقهم, إن واحدة من أسباب انتشار الإرهاب والفكر التكفيري الظلامي هو الشعور بالظلم والتمييز وعلينا أن نخطو خطوات مدروسة نشعر الجميع بالعدالة ولا يشعر فينا أحد أو منطقة أنه يتعرض للظلم أو التمييز كما يجب علينا حماية المناطق المحررة من أن تكون ضحيةً للإشاعات والبلاغات الكاذبة, وفي الوقت الذي نوليه اهتماماً كبيراً بالواقع الأمني وتأمين هذه المناطق إلا أن هذه العملية يجب أن تتم وتدقيق وتفحص يجب أن يتم في آليات شفافة ونزيهة تضمن تحقيق الأمن دون إيقاع مزيد من الخسائر والأضرار المعنوية بأبناء هذه المناطق المحررة.

إن مشروع التسوية الوطنية وأقول مشروع لأنه مشروع وليس قرار, والقرار يتراجع الإنسان عنه قد يتقرر ويتوقف ولكن المشروع من شأنه أن يمضي ولا يمكن أن يتوقف قد يتلكأ قد تشاع حوله الملابسات قد يكتنفه الغموض قد يتردد في دعمه البعض ولكنه مشروع وسيتقدم بإذن الله, أقول التسوية الوطنية لأن ما نحتاجه إلى مشروع شامل فيه بعد اجتماعي ومصالحة مجتمعية وفيه بعد سياسي ووضع قاعدة مطمئنة لإدارة البلاد تطمئن جميع الشركاء وجميع أبناء شعبنا وفيه بعد خدمي وتنموي يعيد تأهيل المناطق العراقية كلها وفيه بعد أمني يضمن آليات تحقق الأمن للعراقيين جميعاً, وأقول التسوية الوطنية لأنها تشمل جميع العراقيين دون استثناء, إن مشروع التسوية الوطنية ليس مشروعاً للتسوية بين الشيعة والسنة وحدهم وإنما هو مشروع للتسوية بين العراقيين على اختلاف مكوناتهم وانتماءاتهم وعلى جميع الأصعدة وما لم نمضي في مشروع التسوية فإن دوامة العنف وأزمة الثقة بين العراقيين ستستمر لتفسر ما تفسر ما نقول وليتهمنا بما يتهم ولكن الحقيقة هي هذه التي نقولها وعلينا أن نكون صريحين معكم وأنتم علية القوم ووجوه هذا البلد وعليكم أن تعرفوا الحقائق.

التسوية الوطنية تعني ملامح بناء دولة عادلة بالفعل كما ذكر دولة رئيس مجلس الوزراء مجلس النواب التسوية ليست إرضاءً لهذا وذاك ومطلبيات فقط, التسوية هي كيف نبني دولة تخدم رعاياها وكلنا من رعايا هذه الدولة على اختلاف انتماءاتنا.

التسوية الوطنية تتطلب مصارحة ومكاشفة, فبالمصارحة نكتشف الحلول لمشاكلنا, وبالمكاشفة نكتشف الضمانات المطلوبة لبعضنا.

أيضاً علينا أن ننطلق في هذه التسوية من حيث انتهينا نبني على ما حققنا من انتصارات وانجازات كتبنا دستوراً أجرينا انتخابات راكمنا العملية السياسية أقولها بصراحة لا عودة للوراء ولا نسف لما بنيناه ولا تراجع عن ما حققناه بل نبني عليه ونصحح ما أخطأنا فيه ونراكم الإيجابيات, نريد رؤيا للتسوية الوطنية تنطلق على القبول بالواقع الذي بنيناه معاً وتصحيح بعض المسارات الخاطئة التي حصلت فيه.

الدستور أساس لا نتراجع عنه, العملية السياسية أساس لا يمكن التراجع عنه, لا عودة للمربعات السابقة, هذه من الأصول في موضوعة التسوية ومن ينسف كل هذه البناءات ويقف ليبني واقعاً وهمياً يتصوره هو بعيداً عن كل الشركاء وكل الحقائق وكل التضحيات وكل الدماء, علينا نحن أن نشكلك باعتباره طرفاً في التسوية لأن التسوية يجب أن تنطلق من مبادئ فمن ينسف كل المبادئ التي بني عليها العراق الجديد كيف تسوي معه وكيف تتفهم معه وما هو القاسم المشترك ومن أعطاه الوصايا على العراقيين جميعاً ليفرض ما يريد إن مشروع التسوية الوطنية ماضيٍ بإذن الله ولكن يمضي مع العراقيين ومع من يريد أن يبني وطناً وليس أن يفكك وطناً بأكمله.

أيها الأحبة في بناء الدولة العراقية الحديثة عام 1921 جاء الاستعمار البريطاني وساهم في بناء هذه الدولة وبضماناته فكان الذي كان وتعرفون ما كان, وفي 2003 جاء الأمريكان واسقطوا نظام صدام وساهموا في بناء الواقع, وها نحن اليوم نجتمع لنطرح مشروع تسوية يعالج الأخطاء التي حصلت, إن هاتين التجربتين الأساسيتين اللتين نجدهما أمامنا تكشفان بشكل واضح أن الضمانات الخارجية لا يمكن أن تنفع العراقيين وأن من يبحث عن ضمانات دولية سيقع في مطب ثالث كما وقعنا في المطب الأول والثاني, إن الضمان الحقيقي لأي تسوية وطنية هم العراقيون أنفسهم نحن كعراقيين نجلس ونتفق ونمضي فما حك جلدك مثل ظفرك من يريد أن يدخله تحت طائلة الفصل السابع ويسحب منه السيادة ويضعه تحت الوصاية الدولية والوصاية الإسلامية والوصايا العربية وينتهك سيادة العراق تحت يافطة نريد ضمانات, إن هذا المنطق لا يمكن أن يقبل ولا يمكن أن يبني دولة ولا يمكن أن يعزز ثقة, نقولها بوضوح علينا هذه المرة أن نعتمد على أنفسنا وعلى شعبنا وعلى وجوهنا وعلى قادتنا وعلى سياسينا وعلى عشائرنا وعلى كل واقعنا المجتمعي.

أيها الأحبة البعض يستهدف التسوية لأن بضاعته الطائفية والكره والبغضاء والأحقاد وفي ظل التسوية يفقد البضاعة التي يسوق فيها نفسها أقول البعض ولا أعمم, والبعض يجهل تفاصيلها والبعض تعرض للتشويش الكبير من وسائل الإعلام, ولكن لا خيار لنا إلا أن نتفاهم مع بعضنا ونتوحد على أسس صحيحة ونمضي على بركة الله, سيتعافى العراق من محنته وسيكتب التاريخ عن أولئك الذين وقفوا ودافعوا عن هذا الوطن بشجاعة وبموضوعية ليمجدهم ويذكرهم بخير, وسيذكر أولئك الذين تخاذلوا وتلونوا واعتاشوا على الطائفية والفرقة ليذكرهم بما يستحقون, فلنكن جميعاً من أولئك الشجعان الذين يتسمون بمبادئهم ويحافظون على وطنهم وبلدهم ومشروعهم نسأل الله أن يجعلنا كذلك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.