بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد (ص) وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين ...

اصحاب الفخامة والدولة والسيادة والمعالي والسعادة

اصحاب السماحة والفضيلة والنيافة

السيدات والسادة .... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ....

الشهادة هي ربيع القادة والتضحية هي رحلتهم في هذه الحياة .. وفي يوم الشهيد العراقي نستذكر جميع شهدائنا الابرار وننحني اجلالاً لتضحياتهم كما نلتقي بذكرى عزيزة على قلوب العراقيين ممن عرفوا شهيد المحراب اوتعاملوا معه وهي ايضاً ذكرى كبيرة في ذاكرة ابنائه وبناته ومريديه ..

ان لقائدنا شهيد المحراب اية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم  (قد) علاقة روحية ووجدانية مع هذا الوطن ومع شعبه ... فقد سجل في حياته عنوان المقاومة ضد الظلم والاستبداد مثلما شكل في استشهاده عنوان انطلاق المعركة ضد الارهاب ... حيث أيقن الارهابيون ان هدفهم الاول لأعلانهم الحرب على وطننا هو تغييب الشهيد الحكيم وهم بذلك كرموه من حيث ارادوا تغييبه حيث كانت الطريقة التي استشهد بها هي نفسها الطريقة التي استشهد بها آلاف العراقيين بعده ....

لقد وفق الله قائدنا شهيد المحراب في انه كان مقاوما للظلم والاستبداد والانحراف في حياته وفي استشهاده .. وهذا هو قدر القادة الكبار الذين يحولون حياتهم الى جسر تعبر عليه شعوبهم نحو الحرية والعزة والكرامة ...

ان القادة عندما يشاركون شعوبهم المصير ويكونوا في مقدمة قافلة المضحين فانهم يبرهنون على استحقاقهم للقيادة والريادة ...

ايها الاخوة والاخوات المحترمون ،

لقد كانت رحلتنا نحو الحرية في هذا الوطن طويلة وقاسية ومليئة بالتحديات والمنعطفات المصيرية وقد وقف القادة الشجعان في كل منعطف وتحدي وكانوا كباراً بسعة مساحة هذا الوطن وهمومه وتنوعه وقدره التاريخي ... وكان قادتنا اوسع من الجغرافيا والحسابات الضيقة، كانوا رجال مشروع ورؤية ومسؤولية ..

لقد كان شهيدنا يؤمن بالعراق المتنوع دينيا ومذهبيا وقوميا، وكان يدرك ان قوة العراق وتميزه بالحفاظ على هذا التنوع وصياغة اطار لوطن مميز في منطقة تمثل قلب العالم  ..

كان أبو صادق انسانا بكل ما للإنسانية من معنى وكان صدره واسعا يتحمل كل الهموم ولا يضيق بوجه أحد لأنه كان يرى نفسه وقفاً للعراق والعقيدة ...وكان شهيد المحراب عقلا يعمل برؤية وحركيا يعمل بانفتاح على الانسان من مفهوم إسلامي ... وكانت وطنيته انتماء وذوباناً، وأننا لنفتقده كثيرا في هذه المرحلة الحساسة والمصيرية من حياة وطننا ونشعر بالفراغ الهائل الذي تركه....

ان أعظم صفة لشهيد المحراب انه خرج من المحدودية الى العمومية في التفكير والمنهج والسلوك، وكان قوياً في الدفاع عن أبناء هذا الوطن بدون تمييز او حساسيات سياسية وتجاوز شخصنة الاختلاف والاتفاق وكان يعي تماما الأطر العامة للتقاطعات الإقليمية والدولية.

لقد كان بحق أباً للجميع، وحلم دائما بالعراق الواحد المتصالح مع نفسه والذي يحنو على أبنائه من زاخو الى الفاو ...

أيها السادة والسيدات الكرام  ...

ان شعبنا العراقي مثال رائع للتضحية والشرف ورغم كل الالام والاحباطات الا انه كان دائما ينهض من بين الرماد متجددا ومفعما بالكرامة والامل ... ان شعبنا لا يعرف اليأس وانتم في هذه المرحلة الحساسة والمصيرية عليكم ان لا تعترفوا باليأس .. فيكفي ان تشاهدوا شباب هذا الوطن الذي يقاتل وينتصر ويضحي كي تتأكدوا انكم امام شعب يستطيع ان يجتاز كل التحديات واصعب المنعطفات متى ما توفر لديه الحد الأدنى من الاتفاق على الرؤية والعمل بروحية القيادة الجماعية ..

اليوم نحن نقف على عتبة الانتصار الكبير، وقد خضنا معركة شهد العالم اجمع انها من اشرس معارك الشعوب ، وقد تفوقنا على عدو شرس ومتسلح بعقيدة شيطانية منحرفة ولكنه استطاع ان يزرعها في عقول وقلوب اتباعه ... عدو يرى في الموت وسيلة لتحقيق أهدافه الشيطانية ، ولكننا انتصرنا عليه بروحية وعقيدة شبابنا ورجالنا الاشاوس ... لم تكن معركة قيادات وإمكانيات وانما معركة همم وارادات وقد انتصرنا في هذه المعركة الشرسة بأذن الله تعالى، ولكن حذار من اعلان الانتصار المبكر لان الحرب على شعبنا ووطننا لم تنتهي بعد ..ولن تنتهي هذه الحرب الا اذا انهينا نحن مشاكلنا السياسية الداخلية البنيوية.. فعدونا يعتاش على النمو في مساحة التقاطعات في مواقفنا وقضايانا الخلافية ويتمدد في كل ازمة تواجهنا ولا نتعامل معها بحكمة وروية ....

اننا نؤمن ان العراق سيبقى دائما في صدارة الاحداث لأنه مهد للحضارة وهو المحطة الأهم على طريق تواصل الحضارات وتقاطعها أيضا، وستبقى المؤثرات الدولية والإقليمية فعالة ومؤثرة ... ولكن المسؤولية الحقيقية تقع على عاتقنا نحن الذين ندعي اننا قادة ومتصدرون في هذا الوطن وعلينا ان نكون على قدر العناوين التي ندعيها ونتحمل مسؤوليتها ..

لدينا وضع سياسي وصل الى مرحلة عالية من الاختناق ويجب ان يخرج من عنق الزجاجة، ولدينا مرحلة معقدة امنيا وخدميا بعد اكمال تحرير المدن والقرى وإعادة اكثر من مليون نازح الى ديارهم ، ولدينا وضع اقتصادي يحتاج الى معالجة جدية وقرارات شجاعة بعيداً عن المزايدات والتصيد الانتخابي والسياسي ، ولدينا واقع خدمي متردي وهياكل حكومية متصدعة وعقليات ادارية متكلسة وبيروقراطية فاسدة ومعطلة..

وفوق  كل هذه التحديات الداخلية فأننا في منطقة إقليمية ملتهبة ومفتوحة الجبهات وقد وصل فيها التنافس والتقاطع الإقليمي والدولي الى مراحل حرجة وخطيرة ... والعراق هو في قلب هذه المنطقة ومدارات النفوذ والتنافس تمر به وتتداخل على ارضه ...

ايها السادة والسيدات الافاضل  ...

اننا امام فرصة كبيرة كي ننطلق من جديد في مسيرتنا الصعبة في بناء العراق الذي حلمنا به جميعا ... ولهذا فأننا نحتاج الى عقد سياسي واجتماعي جديد في اطار الدستور العراقي للمرحلة القادمة من اجل ان نتجاوز مرحلة المخاضات الخطرة التي تمر بها المنطقة واستكمال بناء الشخصية العراقية الجديدة التي تعتمد المواطنة الصادقة كمقياس اساس وحاسم في التعامل بين العراقيين وتشذيب العلاقات البينية بين المركز والاقليم والمحافظات وتأمين وصول هادئ للقيادات السياسية الجديدة والتي سيقع على عاتقها مسؤولية تضميد جراح المرحلة السابقة واعادة الثقة بين الشعب وقواه السياسية وبين العراقيين من مختلف المكونات ..

 ايها السادة والسيدات الأعزاء ....

لقد قدمنا مبادرة التسوية الوطنية باتفاق قوى التحالف الوطني ونؤكد قناعتنا من جديد بأن طريق البناء السياسي والتنموي لا يمكن السير فيه بدون خارطة طريق ، ومبادرة التسوية الوطنية تمثل احد ركائزها .. وهي ليست مثالية أوغير قابلة للنقاش بل هي مشروع قدمه الشريك الاكبر وعلى الاطراف الاخرى ان تقدم تصوراتها وان تكون في حدود الوطن والواقعية السياسية والتعامل مع النقاط الخلافية بروحية الحل والبناء الوطني والحفاظ على وحدة العراق ...

والى المؤتمرين خارج اسوار الوطن اقول :

ان المؤتمرات والمشاريع الوطنية يجب ان تكون تحت سقف الوطن وضمن حدوده ... واوكد لهم ان ابواب العراق أوسع من ان تغلق بوجه ابنائه ، وابواب بغداد مفتوحة لكل الوطنيين المخلصين ... ومن هنا ادعو المؤسسة القضائية الى النظر في جميع الملفات المطروحة امامها بحيادية كاملة وبعيداً عن الضغوط السياسية وحسمها وفتح المجال لعودة بعض الشخصيات التي لم تقترف جريمة او تجاوزاً على القانون وهي متوجسة من الملاحقة القضائية بدون تهمة ..

ان الحل الذي نتفق عليه لمشاكلنا والتحديات التي تواجهنا هو المسار الوحيد الذي يبعدنا جميعا عن منطق الضغوطات الاقليمية والدولية وان تمسكنا جميعا بهذا المسار سيكون اشارة قوية للجميع على ان العراق وقياداته يعون خطورة المرحلة واستحقاقات المستقبل .. وبعكسه فأننا امام مرحلة من التشظي سنخسر بها جميعا وسنقبل في النهاية منفردين بذات الحلول التي لم نقبل بها مجتمعين فنكون قد خسرنا وحدتنا وضاعفنا من آلام شعبنا وتحملنا حكم التاريخ والاجيال القادمة علينا ..

المجد والخلود لقادتنا وجميع شهدائنا الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل عقيدتهم ووطنهم .. والنصر لشعبنا وقواته المسلحة وابنائه الغيارى من الجيش والشرطة والحشد الشعبي والبيشمركة وابناء العشائر ... وسيبقى العراق حرا قويا صامدا مفتخرا بأبنائه وشهدائه والمخلصين المدافعين عنه دائما ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..