بسم الله الرحمن الرحيم

السادة والسيدات الكرام

احييكم اجمل تحية ويشرفني ان أكون معكم اليوم في مؤتمركم هذا حيث تصان الحريات وترسخ الثقافة الإعلامية الواعية والمنتجة .. ان الأوطان في زمن التحديات تكون أشد حاجةً للكلمة ... فالرجال تضحي بأرواحها على شرف الكلمة والصحافي يضحي بنفسه من اجل إيصال كلمة ... والاوطان تنتصر او تنكسر بهذه الكلمة ..

عندما نقاتل الإرهاب فأننا نقاتل من اجل الحرية ، حرية الدين والمعتقد والرأي .. لان الارهاب يجد الارض الخصبة للنمو في اجواء مصادرة الراي وتكميم الافواه .. والاستبداد الفكري هو من أهم مناشئ الإرهاب ..

فلا كرامة بدون حرية ، ولا حرية بدون راي ، ولا رأي بدون وعي ، ولا وعي بدون اعلام حر ملتزم ....

انه التسلسل المنطقي للمصطلحات والمفاهيم والمعاني ....

اننا نؤمن ان الاعلام هو اصدق انعكاس للمجتمع ... فاذا وجدنا اعلاما مشوشا فهذا يعني ان المجتمع مشوشا واذا وجدنا اعلاما بعيداً عن الانصاف فهو أيضا يدل على سلوك مجتمعي غير منصف لانه يقبل بالظلم والتشويش  ، وهكذا الاعلام غير المنضبط هو انعكاس لمجتمعه ..

ان الدفاع عن حرية الراي والتعبير هو دفاع عن واحدة من أهم قواعد الحياة الإنسانية ... فقد منح الله الانسان ميزة الاختيار وبهذا جعله مميزاً عن سائر المخلوقات .... ومتى ما صودرت هذه الميزة فان الإنسانية تنحدر ويفقد الانسان تفوقه وارادته ..

أيها الاخوة والاخوات المحترمون ...

ان دوركم في الحياة السياسية ليس اقل اهمية من دور السياسي نفسه ، فالسياسة هي عالم صناعة الراي وكسب المساحات في المجتمع لتنفيذ المشاريع والبرامج الكفيلة ببناء الدولة وتنمية المجتمع وبعض السياسيين همهم الوحيد هو توسيع نفوذهم في مساحة معينة ليستمر حضورهم في الواجهة السياسية ويقدموا ذلك على تركيزهم على الهموم والمصالح العامة  ... لكنكم كصحفيين واعلاميين وكتاب رأي فانكم في الغالب صناع راي جماهيري من اجل المجتمع وليس من اجل النفوذ والسيطرة ... ولهذا فان الساسة قد يتغيرون بين الحين والأخر ولكنكم مستمرون بفاعلية ومتفاعلون مع مجتمعكم ...

هذا الدور المهم يتطلب وعياً استثنائياً وثقافة وطنية نقية .. وان لا يكون الصحافي والإعلامي أداة بيد الاخرين لانه سيكون أداة مضرة جدا على مجتمعه ونفسه ...

فالبحث عن الحقيقة ونشر الحقيقية والدفاع عن الحقيقة وزيادة الوعي عند الناس هي مهمتكم المقدسة وهي العمل الذي يساهم في بناء مجتمع يعرف ماذا يريد؟ ...  ويقوّم عمل الدولة والمؤسسات ، ويحمي الوطن من الظلم الاستبداد والانتهاكات ..

فحرية الفكر والصحافة هي مدخل الحريات ومتى ما صودرت هذه الحرية فاننا نكون قد فتحنا بابا كبيرة على الإرهاب الفكري وهو من اسوء أنواع الإرهاب واخطره ... فلا حرية ولا تفاعلاً فكرياً ولا تنضيجاً للآراء بدون الحريات الفكرية والصحافية ... فالحرية تبدا من حرية الفكرة والتعبير عنها والنقاش حولها ، ولكن امام هذا الحق هناك واجب مهم جدا وهو واجب الالتزام والمسؤولية الأخلاقية والوطنية والمجتمعية ... فالصحافة والاعلام هي بوابة الناس الى المعلومة وعندما نسمح لبعض المندسين ان يربكوا الوضع المجتمعي من خلال اغراقه بسيل من الاكاذيب وخلط الحق بالباطل والصدق بالكذب والفكر الاصيل بالدخيل والقيم والمثل بالتحلل والتفسخ الفكري والاخلاقي ،عندها تتحول الى سلاح لتدمير المجتمع لا بنائه ...

ولا بد من القول انه "ليس الصحافيون فاسدين ولكن بعض الفاسدين والمنحرفين تنكروا بقناع الصحافيين ولبسوا عباءة الصحافة" ...

لا يوجد صحافي محترف ومؤثر وصادق مع نفسه ويحمل قيماً وطنية ومجتمعية ويكون فاسدا او قلماً للإيجار !!، ولا توجد وسيلة إعلامية تحترم اسمها ومصداقيتها وتقبل ان تكون وسيلة للتشويش وترويج الأكاذيب والتنكر للقيم والمُثل ...

أيها الاخوة والاخوات الافاضل ...

ان العراق يستحق منا كلمة صادقة في واقع معقّد وملبد بغيوم الفتن ... وعلينا جميعا ان نكون درعاً واحداً نحمي هذا الوطن الحبيب ... فلنختلف بشرف ولنتفق بشرف ولنكن على قدر العراق وقيمته التاريخية ومكانته الاستراتيجية على هذه الأرض كوطن يحمل شعلة الحضارة منذ آلاف السنين ...

في هذه المرحلة علينا ان نحارب الإرهاب والفساد اللذين اصبحا سرطاناً يفتك بنا وبوطننا ويهدد وجودنا ، وعلينا ايضا ان نحارب الكلمة الفاسدة التي تهز ثقة المجتمع بنفسه ... ومثلما ندافع عن حرية الفكر والكلمة والرأي بشراسة علينا ان نحارب الفساد الفكري والإعلامي بشراسة .... كي نحمي الوسط الإعلامي من التفكك الداخلي ونبقيه اداة فعالة لبناء الدولة وتقويم الحكومة والدفاع عن الوطن ...

أيها الاخوة والاخوات الاكارم ..

ان الدفاع عن الشعب يتم عبر توعيته بحقوقه لا بتثبيطه بسيل من السلبيات التي يختلط فيها الصدق بالكذب والحق بالباطل ، وان الدفاع عن الشعب يتم عبر توجيهه لا تحريضه ، فكم من الجرائم ترتكب بحق الشعب ولكن بغطاء الدفاع عنه .. اننا شعب يعاني بشدة منذ 35 سنة وجربنا أنواع المعاناة الإنسانية ومازلنا نقدم الشهداء وندفع ضريبة الدم التي لا تنتهي .. وعلينا ان نداوي جراح بعضنا البعض لا ان نتلاعب بجراحاتنا ...

وشخصيا املي كبير جدا بجيل عراقي واعٍ وشجاع من الصحافيين والكتاب وأصحاب الرأي المعتبرين ، الذين لا يحملون العقد ولا يجترون أزمات الماضي واراهم الامل بتحقيق قفزة في الوعي المجتمعي الذي نحتاجه وان يكونوا في الوقت نفسه هم الرقيب الصارم والحاسم امام إرهابيي الفساد والمتلاعبين بمصائر الناس والذين يغرقون الدولة ومؤسساتها بالفساد والمحسوبية والفشل ...

انه الواجب الكبير المطلوب من فرسان الصحافة والرأي بان يقاتلوا على جبهتين في ذات الوقت وذات المكان حيث عليهم ان يبعدوا الفاسدين والمنحرفين الذين يختبئون تحت اقنعة الصحافة والاعلام وفي الوقت نفسه يستغلون حرية الفكر والتعبير لإفساد الفكر وخنق التعبير كما هو الإرهاب الذي يسوق لعملياته الاجرامية بكل الوسائل الإعلامية ولكنه يحرم الناس المتواجدين تحت سيطرته من أي حرية في التعبير والرأي بل وحتى الاطلاع على المعلومة ..

من هذا المكان وبهذه المناسبة أؤكد على ان لا حرية بدون حرية الرأي والتعبير ، ولا كرامة بدون حرية، ولا وعي من دون اعلام فاعل ومتفاعل ، وان بُنات المجتمعات الأوائل هو انتم أيها الجنود المتسلحين بالفكرة والمعلومة ولا يتقدم عليكم سوى الجنود الذين يحملون السلاح للدفاع عنكم وعن المجتمع من هجمات الإرهاب التكفيري المقيت ، واعداء الله والإنسانية والحرية ...

أيها الاخوة والاخوات الأعزاء ...

اسمحوا لي ان اغتنم هذه الفرصة النوعية كي اتطرق الى بعض المحاور المهمة في السياسة العامة والتحديات التي تواجه بلدنا والمنطقة ..

1.     في معركتنا المصيرية مع الإرهاب أننا نقاتل نيابة عن العالم ضد ابشع فكر انتجته القراءة المنحرفة للأسلام والتي شوهت الإسلام وحولته الى دين متهم في نظر ملايين البشر الذين يتلقون سيلاً من المعلومات المركبة والمتناقضة عن دين الإنسانية والرحمة .. وفي هذه المعركة اثبت العراقيون انهم يقاتلون بشراسة وإصرار دفاعا عن الوطن والحياة والحرية وعن الحق الإنساني في العيش بسلام .... لقد قدمنا آلاف الشهداء ومازالت المعركة مستمرة ولكن النصر المؤزر قادم مع العيد بأذن الله تعالى كي تكون فرحة العراقيين مضاعفة ... ولكن الإرهاب لن يغادر هذا الوطن بسهولة مادام يجد له بيئة حاضنة وواجبنا جميعا ان نكون عراقيين قبل أي عناوين أخرى وان نقضي على هذه البيئة التي تمكّن الإرهاب للنمو فيها ...

فمتى ما نجحنا سياسيا فأننا سنقضي على هذه البيئة ومتى ما شعر العراقيون جميعا بحقوق المواطنة بعيداً عن التمييز فإننا سنقضي على هذه البيئة ومتى ما قدمنا الخدمة للناس وقضينا على الفساد فإننا سنقضي على هذه البيئة ... ان الإرهاب يعتاش على تناقضاتنا وكلما استمرت هذه التناقضات كلما طال عمر الإرهاب ..

2.     الانتخابات القادمة ستكون مصيرية وحاسمة وستحدد مستقبل العراق لل 12 عام القادم وعليه فان التأكد من نزاهتها وخلوها من الشوائب والمخاوف تعتبر مهمة جدا للكثيرين وعلينا ان نخرج بقانون انتخابي عادل لمجالس المحافظات ومجلس النواب يعزز الاستقرار السياسي ويشجع على تماسك القوى السياسية وتقاربها مع بعضها و يمثل العراقيين ويحميهم قبل أي غرض أخر وأن نسرع في اختيار مجلس المفوضين الجديد لادارة الانتخابات القادمة ولا تمديد لهذه المفوضية واعضائها مع تقديرنا لجهودهم ...  

3.     المعركة الكبرى القادمة والتي علينا جميعاً الاستعداد لها هي الحرب ضد الفساد بضراوة وشدة وبدون اعلان هذه الحرب فاننا لن نتقدم الى ألامام ... ويجب محاربة الفساد بصورة فعالة وتقديم المسؤولين الفاسدين الى العدالة مهما كانت عناوينهم ومكانتهم السياسية والاجتماعية فعلاج الامراض الخبيثة يتم باستئصالها لا بالتعايش معها لأنها لن تتعايش ابدا وستقضي على جسد المجتمع عاجلا ام اجلا ...

4.     العراق جزء حيوي في منطقة إقليمية مهمة ونسمع ارتفاع نبرة التهديد والوعيد بين دول المنطقة ونقولها بصراحة مهما كانت الأسباب فان الحروب دمار للأوطان وليس فيها رابح مهما بدت الانتصارات عظيمة ، وفي الوقت الذي تتعاون دول العالم فيما بينها وتركز على التنمية والتجارة المفتوحة فان في منطقتنا تدق طبول الحرب وتنتشر رائحة البارود.. وانتهز هذه الفرصة لأجدد الدعوة لعقد مؤتمر إقليمي يجمع تركيا ومصر والسعودية وايران والعراق من اجل مناقشة كل القضايا الخلافية والوصول الى الحد الأدنى من التوافق وبعكسه فان الجميع سيكون خاسراً وقبلهم شعوب المنطقة التي تتطلع للامن والاستقرار والتنمية ..