ينعقد في بغداد المؤتمر الدولي لمكافحة الارهاب ، وهو خطوة مهمة في الطريق الصحيح ، حيث ان ظاهرة الارهاب لم تعد محددة بجغرافيا معينة او بيئة سياسية خاصة ، انما الارهاب تحول الى سمة العصر وهو يتمدد وينتشر وينمو مع البيئة الامنية لكل بلد .... فالارهاب موجود في العالم كله ويتركز خصوصا في منطقتنا .. في الشرق الاوسط .... ولكنه يظهر كلما وجد ضعفاً او ثغرة امنية .....كما انه يبرز عندما تكون البيئة السياسية مشدودة ومتقاطعة ، لان الارهاب ومروجيه دائما ما يختبئون خلف واجهات ويافطات تحمل معاني سياسية او عقائدية معينة ....

اذا الارهاب موجود وفي كل مكان ... ولكننا نحن من يحدد قوته ومدى تمدده !!.... لأنه يتعامل مع الاستراتيجية الامنية التي نتبعها .... فكلما كانت استراتيجيتنا الامنية كاملة وشاملة كلما كان الارهاب محدوداً ومحدداً ومحاصراً ....وكلما كانت الاستراتيجية الامنية مجزئة ومبتورة وارتجالية كلما كانت الثغرات كبيرة وكان تمدد الارهاب اكبر ...

ان العراقيين يقفون في الجبهة الاولى عالمياً لمحاربة الارهاب منذ سنوات، وسوف يستمرون في هذه الحرب رغم اختلافاتهم السياسية، ولهذا نتمنى ان يفهم الجميع ان الاختلاف السياسي ليس معياراً لمواقف العراقيين من الحرب على الارهاب.

الخلافات السياسية والاجتماعية، تخلق نقاط ضعف ومنافذ يتسلل منها الارهاب، لكن ذلك لايعني ان يتبادل الشركاء السياسيين الاتهامات بدعم الارهاب او التواطئ معه.

نحن نعتقد ان المساحة الاوسع من العراقيين يقفون ضد الارهاب، وان الارهاب لايمثل خطراً على فئة او مذهب او دين او قومية او حزب او فرد، بل هو خطر داهم يهدد الجميع، ولكن هناك اختلافات وتباينات حول اولويات الحرب على الارهاب والبعض يجتهد في تلك الاولويات وقد يكون مصيباً او مخطئاً، وهذه التباينات ليست مبرراً ابداً لتحويل الاختلاف الى نظرية "من ليس معي فهو مع داعش" ، فليس عراقياً من يقف مع داعش والقاعدة وغيرهما، فهذه التنظيمات ليست معنية بالوطن، وتحاول مد حدودها في اصقاع الارض وهي تجبر من ينتمي اليها على التخلي عن الهوية الوطنية.

ان انضمام اي دولة قريبة جغرافياً من العراق او بعيدة عنه، الى صف محاربي الارهاب ومجرّمي رموزه وافكاره وداعميه، هي خطوة يجب ان تنال اهتماماً وتعاوناً عراقياً.

نحن في الحقيقة نحتاج الى تعاون دولي جاد ودعم في كل المجالات لتحقيق الانتصار الناجز في معركتنا ضد الارهاب، لكن العراق يمتلك ايضاً خبرات كبيرة في هذا المجال، فعشر سنوات من الحرب المباشرة مع الارهاب اكسبت العراق خبرات ومعلومات وخططاً مجربة، والدول التي تجتمع معنا على هذا الهدف تحتاج الى الخبرات العراقية مثلما يحتاج العراق الى خبراتها ومعلوماتها.

العلاقات مع الدول لاتبنى على اساس التمنيات والمعتقدات بل على اساس المشتركات والمصالح المتبادلة، وعندما نجد اي دولة تفتح مساحة للمصالح المشتركة يجب استثمارها وتنميتها.

 ونحن في العراق نعرف جيدا من هو عدونا في معركتنا مع الارهاب ..... ونعرف جيدا الوسائل التي يتبعها لخلق الحاضنات الشعبية له .... ونفهم جيدا اليافطات السياسية والعقائدية التي يختبئ خلفها .... اذا الارهاب الذي يواجهنا مكشوف .... ولكن المشكلة هي اننا نفتقر للاستراتيجية في مواجهته ....

ومادام هناك ضعف في الاستراتيجية فاننا سنبقى نمنح الفرص للارهاب ان يتمدد وان يكون مؤذيا لشعبنا فيما اننا نمتلك الامكانيات التي تساعد على التضييق عليه ومحاصرته وتحقيق انتصارات نوعية في معركتنا معه وبأقل الخسائر البشرية والمادية .

ان الارهاب الذي نواجهه هو ارهاب ناتج عن فكر تكفيري يسعى الى قتل اكبر عدد من الناس واثارة الرعب دون تمييز , ودون تركيز على اهداف محددة من العمليات الاجرامية التي يقوم بها .... وعلى اجهزتنا الامنية ان تضع الاستراتيجية بناءً على هذا الفهم ...

شهدنا جميعاً تداعيات تفجير بابل الارهابي، وما يحز في النفس ان هذا التفجير الاجرامي، يثبت ان تحذيراتنا المستمرة من ضرورة تحصين مناطق محيط بغداد، والتحذير من مخططات خبيثة يتبناها تنظيم "داعش" الارهابي بقطع اوصال البلاد بمناطق هشة امنياً، لم يتم التعامل معها كما يجب.

ماحدث في سيطرة بابل كشف عن مخططات التنظيمات الارهابية لاضعاف الجهد الامني في المناطق الممتدة من شمال كربلاء وواسط وغرب ديالى وجنوب صلاح الدين وكركوك بالتزامن مع تطور الاحداث في الانبار، وانشغال جزء كبير من قواتنا العسكرية والامنية بالمعارك هناك.

ان المؤشرات تدلل على أن التنظيم ليس اكبر حجماً من التوقعات الامنية، لكنه اكثر مكراً في التعامل مع المتغيرات، وانه لايزج بكل قوته في الانبار كما هو التصور السائد وانما يستخدم احداث الانبار، لاشغال القوات العراقية واستنزافها في مواجهات تكتيكية على يد عدد من المسلحين. بينما يحول قوته الاساسية الى مناطق محيط بغداد وجبال حمرين والموصل وشمال بابل وديالى.

ولذلك يجب ان نكون حذرين، وان نحاول الاعداد لكل الاحتمالات الممكنة، ولا نختبيء خلف الاراء الشخصية والاجتهادات الفردية، فالحرب على الارهاب حربنا جميعاً، حرب كل العراقيين من اجل الحياة والمستقبل، والانتصار على الارهاب هو انتصار لكل العراقيين وانتصار من اجل العراق.

كما ان الحادث الاجرامي الاخير في مدينة الحلة وعلى نقطة التفتيش في مدخل المدينة يثبت ان الارهاب الاسود يبحث عن اكبر تجمع بشري وليس عن هدف محدد .... ان نقاط التفتيش وضعت في الاساس لأكتشاف الارهاب ومكافحته الا ان طريقة عمل هذه النقاط جعلت منها هدفاً للارهاب والارهابيين لانها توفر له البيئة التي يحتاجها كي يمارس ظلاميته واشباع غريزته المتعطشة لدماء ابناء شعبنا الصامد والصابر .... فهل هذا يعني ان تلغى نقاط التفتيش ؟، الجواب بالتاكيد لا ولكن ان لا يكون عملها بطريقة روتينية وتقليدية مكررة وان تسبب الازدحام لتوفر اهدافاً سهلة للارهابيين ...

وبمناسبة المؤتمر الدولي لمكافحة الارهاب فأننا نشيد بالجهود الكبيرة التي تبذلها المؤسسة الامنية والعسكرية في مواجهة الارهاب والتضحيات الجسيمة التي تقدمها حفاظاً على امن الوطن والمواطن وندعوها الى اعتماد استراتيجية حقيقية وفعالة في مواجهة الارهاب وان تكون صاحبة المبادرة وان تعيد النظر بالممارسات التقليدية التي تتبعها حاليا .... كما ان الاستراتيجية يجب ان تكون شاملة اي لا تقتصر على الجانب الامني وانما ان يرافقها جوانب سياسية وثقافية واجتماعية وجوانب اقتصادية وتنموية ....

ان الارهاب ناتج عن فكر دموي منحرف وعلينا ان نواجهه باستراتيجية شاملة تمنع من تمدده وانتشاره وتحاصره وتضيق عليه وصولا الى القضاء عليه نهائيا.

في محور الانتخابات ، فاننا كنا قد حذرنا سابقا من ان نقع ضحية الهستيريا الانتخابية !!... بحيث يصبح كل شيئ نقوم به او كل فكرة نفكر بها او كل وسيلة نمتلكها انتخابية !.. بغض النظر عن مدى اخلاقيتها او شرعيتها متناسين بذلك قواعد العمل السياسي والالتزامات الاخلاقية المتبادلة بين الشركاء , فالعمل السياسي هو التزام امام الله والضمائر الحية قبل ان يكون التزاماً اخلاقياً وقانونياً امام الدستور والقانون والشعب ..... وانه لمن البساطة ان يفكر البعض في الانتخابات دون التفكير لما بعد الانتخابات !!... ويتناسى ان الانتخابات انما هي وسيلة لانتاج برلمان جديد وحكومة جديدة ، فيركز على الوسيلة ويتناسى النتيجة !!.... ويغرق في استنزاف رصيده عن طريق الوسائل التي يتبعها لعبور الانتخابات ولا يفكر في تاثير هذه الوسائل على نتائج الانتخابات ، وهنا اعني بالتحديد التسقيط السياسي الرخيص ..... الذي يستخدم من اجل عبور مرحلة قصيرة جداً في الحياة السياسية ، حتى وان كانت مهمة ولكنها قصيرة جداً وهي فترة الدعاية الانتخابية .

فاستخدام اشاعة هنا او تحريك ملف ملفق هناك او محاولة تسقيط شخصية سياسية عن طريق ترويج مواقف مفتعلة واستفزازية ولاسيما عندما تكون لهذه الشخصية اعتبارات دينية ومكانة اجتماعية فالتجاوز هنا ليس تجاوزاً على فرد وانما استفزاز للجمهور الذي يمثله , ونحن نقول ؛ ماذا بعد استخدام هذه الوسائل غير الاخلاقية وغير الشرعية ؟... فبعد 50 يوماً ستنتهي الانتخابات ويبدأ التعامل مع نتائج هذه الانتخابات ، فكيف سيتم التعامل مع الجروح النفسية التي خلفتها مثل هذه الوسائل الرخيصة ؟؟.... واي نموذج نقدم لشعبنا ونحن نسقّط بعضنا البعض الان , ونبدأ بتقبيل بعضنا البعض بعد اسابيع ؟؟!!.... اي صورة نرسخها في اذهان هذا الجيل من الشباب الذي يراقب ويحاسب ....

وماذا يتوقع الطرف المعتدي ... الذي يلجأ الى التسقيط وافتعال ملفات كيدية ضد شخصيات سياسية ، فبالتأكيد سيكون هناك رد ، وسيكون رداً حاسماً وقوياً  وأوكد بأنه سيكون رداً مفاجئاً للجميع ....

من على هذا المنبر وبقلب اخوي ادعو الجميع ليكونوا اكبر من اللحظة الوقتية التي نعيشها ويحاولوا جاهدين لتشذيب اساليبهم الانتخابية ، لان باب التسقيط السياسي اذا فتح فلن يستطيع احد ان يغلقه ، وليس هناك احد عاجز عن الدفاع عن نفسه ، وليس هناك  احد يفتقر الى الوسائل.

ونحن في تيار شهيد المحراب لا نعتبر انفسنا في مواجهة مع اي طرف ولن ننجر الى مواجهة اي طرف واتمنى ان لا يجرب صبرنا اي طرف لاننا سنفاجئ من يتجرأ على عبور الخطوط الحمراء ، وكرامتنا فوق كل شيئ ، ولا قيمة لاي شيئ دون الكرامة ولن نسمح لكائن من كان ان يلمس كرامة وسمعة اي شخصية من شخصياتنا السياسية والمعنوية وتحت اي ظرف او ذريعة ... فنحن مع وحدة الصف ولكن من موقع القوة والاحترام المتبادل ولن نقبل بالتبريرات مهما كان مصدرها ومهما كان حجمها ... وادعو الله ان يبقي للحكمة متسعاً في عقولنا جميعاً وان لا يندفع البعض الى وسائل التسقيط السياسي ويعوّل عليها.

في جانب اخر فاننا نسمع اليوم مرجعيتنا الرشيدة وهي تنادي بمفهوم التغيير البنّاء .... وهو يعني التغيير نحو الافضل ، ولطالما ارتبط التغيير بحركة الانبياء والمصلحين , واليوم المرجعية العليا بما تمثله من امتداد لحركة الانبياء فانها تدعو الى التغيير نحو الافضل لكي يكون المواطن العراقي متواصلا مع التغيير السياسي الذي عاصره في عام 2003 وانتقاله من نظام دكتاتوري شمولي الى نظام ديمقراطي تعددي ، ومن بيئة منغلقة احادية  الفكر والمنهج الى بيئة متنوعة ومتشاركة .... وهنا يكسب التغيير معنى الاستمرارية في التجديد, والتواصل مع النهج الجديد للمجتمع العراقي ... فالتغيير يعني افكاراً جديدة وممارسات جديدة وفهماً جديداً للواقع وتصوراً جديداً للمستقبل يتم من خلاله معالجة الاخطاء وسدّ الثغرات وادارة البلاد ضمن رؤية واضحة وبرامج مدروسة وفريق منسجم ...

المواطن يريد .. ماذا يريد؟.. يريد الامن والخدمات والتنمية والمستقبل الزاهر ... يريد السلام والامان والعيش برفاهية.. وما يريده المواطن هو قيمة عليا يجب ان تترجم الى فعل على الارض.. لكن ذلك يرتبط بسعي المواطن نفسه الى تحقيق ارادته، عبر صناديق الاقتراع .

 ان التغيير ضرورة حياتية لا يمكن الاستغناء  عنها في اي مجال من مجالات الحياة ، وفي السياسة تكتسب زخما مضاعفا لانها تمثل جوهر الفكر الديمقراطي, فالتغيير  نحو الافضل وليس التغيير لمجرد التغيير ...

فالانسان بطبيعته يتحرك نحو الافضل ، واذا وجد صعوبات في طريقه فانه يتعامل معها ويواصل المسير متقدما الى الامام وساعياً الى الافضل ، هذه هي الطبيعة الانسانية التي فطر الله الناس عليها.

ونادرا ما نجد الانسان يستسلم للواقع ، وهو يحدث عندما يكون الواقع مفروضاً عليه وبقوة , ومع ذلك نجده ينتفض ويثور ويسعى الى التغيير ، فكيف الحال اذا كانت السبل متاحة والارضية جاهزة والحق مكفول للجميع في التحرك الى الامام وتحقيق التغيير نحو الافضل .

انّ التغيير يحتاج الى وسيلة وفي الحياة السياسية الحرة والديمقراطية تكون الانتخابات هي الوسيلة .... اذا نحن امام مسؤلية كبيرة وهذه المسؤولية اخلاقية وانسانية ومجتمعية وشرعية لاننا نملك الوسيلة ونملك الحق باستخدام الوسيلة ، فاذا لم نستخدمها ولم نغير ولم نسعَ للافضل فانّ علينا ان نلوم انفسنا حينذاك ولا نرمي اللوم على احد ولا نختلق الاعذار والمبررات....

من حقنا ان نحسن من واقعنا ومن حقنا ان نسعى للتغيير ومن حقنا ان يكون غدنا افضل من يومنا ، وان نختبر تجارباً جديدة وافكاراً جديدة ووسائل جديدة .... لان الشعوب تحيى بالتغيير ، والتغيير ضرورة حياتية.