تمر علينا هذه الايام الذكرى ال 26 لاحياء مأساة حلبجة ... وبالتحديد في 16 اذار من عام 1988 قام الدكتاتور  بقصف حلبجة بالاسلحة الكيمياوية وكان الضحايا من الابرياء بالآلاف ...

انه لمن المهم ان نتسائل  لماذا هذا الاهتمام بمأساة حلبجة .. والدكتاتور قد ملأ ارض العراق بالمآسي ولم يبخل على اي جزء من هذا الوطن او اي مكون من الشعب بجرائمه ، ويكفي المقابر الجماعية شاهدا على اجرام ودموية الدكتاتور واجهزته القمعية ؟!...

ان الجواب هو كون حلبجة تمثل افضح فعل على قيام رئيس دولة بقتل ابناء شعبه باسلوب الابادة الجماعية!!... نعم ، فحلبجة قصفت باسلحة كيمياوية محرمة دوليا ولم تقصف باسلحة عسكرية اعتيادية .... ونحن نعرف ان  هذا السلاح قاتل وذاك السلاح قاتل .... ولكن الفرق ان الاسلحة الكيمياوية تقتل حتى البعيدين عن مواقع القصف والقتال ، فهي تقتل الاطفال النائمين في احضان امهاتهم وتقتل العوائل الراقدة في سكينة وامان في بيوتهم ويتسرب سمها ودخانها القاتل عبر الهواء فيقتل الانسان والحيوان على حد سواء ، ويقتل الطفل والشيخ والرجل والمرأة ، والمسلح والاعزل ..... انها ابادة جماعية بشرية يقوم بها رئيس دولة ضد شعبه!!!.... فأي وحشية وصل لها ذاك الرئيس وأي هستيريا اوصله الى هذا المستوى من الانحدار !!.... الدكتاتور قد يستطيع تبرير قتل معارضيه ويدعي انهم مسلحون ويقاومون حكمه ، وقد يستطيع انكار المقابر الجماعية ويدعي انها ليست من عمله او انها مبالغ فيها ..... ولكن كيف يستطيع ان يبرر ابادة مدينة بكاملها ويقصفها باسلحة كيمياوية ؟!!.... هذه البشاعة هي التي ميزت مأساة حلبجة عما سواها من مآسي الديكتاتور وستبقى جرائمه جروحاً نازفة في ذاكرة العراق والعراقيين ....

فالرحمة لشهداء  حلبجة وشهداء العراق .... والى مزبلة التاريخ كل الطغاة الظالمين .... وتبقى الشعوب حرة ويرحل الطغاة غير مأسوف عليهم تلاحقهم لعنة الله والتاريخ والشعوب.

في محور اخر ، اود الحديث اليوم عن القيمة المعنوية والثقافية للجامعات ودور الطلبة في انعاش الثقافة المجتمعية والنهوض بالوطن .... وقد وردتني احتجاجات من بعض الطلبة عن ممارسات في الجامعات تؤشر على تضييق الحريات الفكرية السياسية ..... ونحن في بلد من المفروض ان يكون ديمقراطياً , ومؤشر الحريات الديمقراطية هو الجامعات ..... فاذا ما تم التضييق على الجامعات فهو يعني ان علينا اطلاق جرس الانذار على الحريات السياسية ....

ان الشعوب الحرة والناهضة تعتمد في انطلاقها على ما تنتجه جامعاتها وعلى ما يتم تداوله في هذه الجامعات من افكار وابحاث وتجارب .... ولايمكن لاي بلد ان ينهض وجامعاته مكبلة ومقيدة بممنوعات شخصية ومزاجية وبعيدة عن الممارسات الديمقراطية .... وان يتم منع الطلبة في احدى كليات العلوم السياسية من تداول الابحاث السياسية فهو عملية مؤسفة يجب تصحيحها ....

ننبه الاساتذة والعمداء الذين يتخلون عن المعايير المهنية بأن الجامعات هي مستقبل هذا الوطن وهي الاداة الفاعلة والمؤثرة للتغيير نحو الافضل وان اي قمع للحريات الفكرية والسياسية للطلبة يمثل تجاوزا على القيم الدستورية التي تحكم هذا البلد والقيم الديمقراطية التي نقاتل على ترسيخها في مجتمعنا وعراقنا الجديد ويجب الالتزام بها تحت اي ظرف من الظروف.

وفي محور ثالث ، فاننا على نؤكد على اهمية القضاء العادل القوي المستقل في دولة ديمقراطية ... لان اساس الديمقراطية والحكم الديمقراطي العدل والمساواة بين المواطنين ... والوسيلة الاساسية لضمان العدل في الانظمة الديمقراطية وجود القضاء النزيه والعادل والمستقل .... فاذا كنا نقول "ان العدل اساس الملك" ..... فان القضاء هو المدخل لتحقيق العدل .... ومن هذه البديهية تعمل الشعوب الواعية على تثبيت انظمتها الدستورية على اساس الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء..

لقد عانى العراق كثيرا في تاريخه الطويل من تسييس القضاء ... وعانى القضاء نفسه من تدخل السياسة والسياسيين في اجراءاته وقراراته ... وعلينا جميعا مسؤولية تاريخية تتمثل بالحفاظ على القضاء العراقي بعيدا عن التدخلات والتاثيرات وبعيدا عن المعارك السياسية الجانبية ..... ان القضاء هو خط الدفاع الاخير لحماية الدولة ومؤسساتها وحماية الشعب ومنجزاته واذا ما تم اختراق هذا الخط فان جميع المفاصل الاخرى تكون عرضة للانهيار السريع وتصبح الدولة في مهب الريح... فندعو الله ان يجنب القضاء العراقي المنعطفات الخطيرة وان لا يخضعه لتجارب مصيرية كما ادعو الجهاز القضائي في العراق ليكون واثقا من نفسه مقدرا لواجباته وان يعرف اننا جميعا معه وندافع عنه مثلما يدافع عنا وعن حقوقنا المشروعة.

وهي فرصة لنعبر فيها عن شكرنا وتقديرنا لكل القضاة الشرفاء الذين ينتصرون للحقيقة ويدافعون عن الوطن والمواطن ويثابرون ويتحملون الاذى والتهديدات المختلفة.

في محور رابع ....اننا جميعا ندرك ان الظروف الداخلية والاقليمية هي ظروف اقل ما يقال عنها انها غير منطقية، وعندما تكون الظروف غير منطقية علينا ان نستعد باجراءات استثنائية ..... هذه هي القاعدة التي تحكم العلاقة بين الواقع والاستعداد لحدوث الطوارئ ....

فداخليا ، نحن نقترب من موعد انتخابات تكاد تكون مصيرية ، وهذه الانتخابات تاتي في ظروف داخلية غير مريحة  من خلال تشابك العديد من الازمات مع بعضها البعض وفقدان الثقة البينية في مفاصل العملية السياسية ودخول الارهاب على خط الازمة كعامل ضاغط على الملفات الاخرى .... ومن الناحية الاقليمية فان المنطقة تمر بمرحلة اعادة تشكيل مع وجود بوادر انفجار لازمات جديدة قريبة مثلما هو الحال في اوكرانيا وتاثيرها على الوضع في منطقتنا ....

اذا الواضح والمؤكد ان الظروف غير منطقية ، وعدم منطقيتها بسبب انها لا تخضع لحسابات العقل وانها خارج نطاق التفكير الصحيح والمبرمج ، وعليه فاننا ندعو الجميع لتكون استعداداتنا استثنائية ... ومن هذه الاستثنائية هو التعامل بدرجة عالية من ضبط النفس في التعاطي مع الحملات الانتخابية كي لا تتحول الانتخابات الديمقراطية الى محطة للتسقيط السياسي والاخلاقي وبالتالي نكون قد دخلنا في معركة كسر العظم التي لا ينفع معها اي علاج ....

ومن الاستعدادات الاستثنائية ترقب تصعيد الارهابيين لجرائمهم كي يعيقوا حدوث هذه الانتخابات لانهم يدركون ان كل انتخابات هي تاكيد جديد على شرعية الدولة والعملية السياسية وهم يعادون هذه الشرعية، فمن الطبيعي ان يكون استهدافهم للانتخابات كبير وان نتوقع ارتفاع درجات الارهاب والاجرام ...

وكذلك فاننا قد نرى انهيارا امنيا على مستوى المنطقة اذا ما حصلت تطورات في الوضع السوري او انعكاسات الوضع في روسيا والازمة الاوكرانية على الوضع السوري او الوضع الاقليمي ككل وعودة اجواء الحرب الباردة....

ان هناك الكثير من الاحداث المتوقعة ، ولكن الحدث الاهم والاكبر والمباشر هو الانتخابات البرلمانية والتي تاتي بعد عقد من التغيير الشامل ... ودائما ما تكون الانتخابات بعد عقد من التغيير الشامل مدعاة الى تغيير نحو الافضل ،يرسم ملامح المستقبل وخصوصا للاعوام العشر القادمة .

المحور الخامس ، هو مفهومنا للمشروع وللصعاب التي نتحملها في سبيل انجاح المشروع .... اننا ووسط هذا التدافع الكبير على التفاصيل نجد ان الكثيرين نسوا او تناسوا السبب الذي من اجله اصبحنا نعمل في الخدمة العامة من خلال الممارسة السياسية ونسوا او تناسوا مسؤوليتنا الشرعية والاخلاقية والانسانية في التعامل مع الاولويات المستحقة للوطن والمواطن ، والتزامنا تجاه الحاضر والمستقبل ، ومسؤولياتنا التاريخية...

اننا اصحاب مشروع ، ومشروعنا واضح وصريح ، وهو بناء دولة عصرية عادلة ومقتدرة وشعب حر وكريم وواعي ووطن يحتضن ابنائه بعزة وكرامة ... مشروع ينتصر للمظلوم ويحاسب الظالم ، مشروع بناء امة واعية من خلال بناء دولة مقتدرة وراشدة ، مشروع انساني كبير من خلال بناء انسان واثق من نفسه معتز بدينه ووطنه وقيمه وتاريخه .... هذا هو مشروعنا الذي ضحينا من اجله بالغالي والنفيس وقدمنا قوافل الشهداء واريقت في سبيله انهار من الدماء وفنيت اجساد خلف القضبان ... هذا هو المشروع ، فكيف نستغرق اليوم في التفاصيل الى الدرجة التي نتناسى بها المشروع وكيفية وصولنا الى ما وصلنا اليه ...

ومن جهة اخرى ؛ فان الذين يدافعون عن المشروع سيكونوا مستهدفين بكل تاكيد لان الرياح تعصف بقمم الجبال ، والذين يدافعون عن مشروع كبير كهذا لابد ان يكونوا كباراً بكبر مشروعهم وان يكونوا في القمة .... والصعاب هي ضريبة الايمان بالمشروع والدفاع عنه وحمايته ...

ونحن في تيار شهيد المحراب سنبقى متمسكين بمشروعنا لبناء الدولة وحماية الامة وخدمة الوطن والمواطن لاننا لا نرى لانفسنا موقعاً في اي معادلة لايكون فيها المشروع هو الاساس ولايكون فيها خدمة الشعب هو الهدف الاكبر و اولى الاولويات.