عقدت بالامس القمة العربية ال 25 ... وحقيقة ان هذه القمة تعقد في ظروف استثنائية جداً تمر بها الامة العربية ... حيث غياب الاستقرار السياسي في اغلب الدول العربية _ من جهة _ ودخول العرب بمحاور وانقسامات داخلية فيما بينهم من جهة اخرى ، ولذلك اختير اسم (( التضامن والمستقبل )) لهذه القمة ، لان الظروف الراهنة تحدد مسارات المستقبل بالنسبة لاغلب الدول العربية.

ونحن في العراق لطالما نظرنا لدورنا في مرحلة البناء الديمقراطي الجديد , كمركز لتلاقي الارادات الاقليمية لاتقاطعها، واعتبرنا ان السياسة الخارجية العراقية يجب ان تبنى على اساس حسن الجوار والمصالح المتبادلة، والعلاقات الحسنة مع الجميع.

ان احداث الشرق الاوسط ومتغيراتها كانت كبيرة خلال الاعوام الماضية، والعراق لم يكن بمعزل عن التأثر بارتدادات الكثير من تلك المتغيرات، ودفعنا اثماناً باهضة من الارواح الغالية، وتعطيل فرص النهوض الاقتصادي والخدمي، وتصدع التوافق السياسي الداخلي، بسبب تلك التأثيرات.

ان منهجنا قائم على اساس بناء العلاقات الطيبة وتضييق مساحات الخلاف مع العالم الخارجي ولا سيما الدول العربية والاسلامية في المحيط العراقي.

ونعتقد ان الفرص لم تهدر تماماً لانتاج توافق اقليمي شامل يأخذ في الحسبان مايواجهه العراق من تحديات امنية، وما يخوضه من حرب يومية مع قوى ارهابية عابرة للحدود.

وعلى هذا الاساس ننظر الى اي ملتقى ومؤتمر عربي او اقليمي او دولي ، على انه مناسبة لبناء وحماية المصالح المشتركة بين العراق وهذه البلدان .

نحن نأمل ان يتفهم اخوتنا العرب، فداحة التحديات التي يواجهها العراق، ونتمنى ان يكونوا عامل دعم لمسيرة العراق، وان توجه سياساتهم العليا نحو التعامل مع العراق كشريك اساسي في هدف مشترك هو مواجهة الارهاب واطفاء حرائق المنطقة.

ويتحتم علينا تجسيد هذه الرؤية عبر الحوار مع دول الجوار من الاشقاء والاصدقاء ، وتدعيم اواصر الاخوة وازالة ماعلق من خلافات وانطباعات خاطئة حول التوجهات العراقية ، وتكريس دور العراق كمركز ثقل ونقطة تلاق وتعاون اقليمي ودولي، لا عنصر تهديد لمصالح احد .

كما نأمل ان يكون لمكان انعقاد القمة دور كبير في ان يتمخّض عنها خطوات فعلية وعملية وان لا تقتصر  اعمالها على القاء الخطابات ... وانعقادها في دولة الكويت ، يمنحها دفعا كبيرا في التوصل الى تفاهمات مشتركة ، حيث ان دولة الكويت تنتهج سياسة معتدلة ومتوازنة مع الجميع وفي مختلف الاتجاهات ... كما ان القيادة الكويتية تتميز بالتعامل الهادئ مع الملفات الساخنة ...

ان العرب بحاجة  ماسة الى التضامن ليواجهوا معاً التحديات المصيرية التي يعيشونها ، ويعملوا على تأمين مستقبل آمن لشعوبهم ...

لقد تغيرت البيئة السياسية للدول العربية بشكل كبير ، وتخلصت الكثير منها من الانظمة الديكتاتورية التي كانت تحكمها ، ولكنها ولحد الآن لم تصل الى الاستقرار الذي تنشده ، ومازالت المجتمعات العربية في مرحلة مخاض عسير لولادة طال انتظارها ....

نتمنى ان تكون القمة الحالية قمة تضامن ومستقبل قولا وفعلا ، ونتمنى ان تستطيع الكويت بسياستها الحكيمة ان تحتوي الجميع وتشجعهم على الخروج بحصيلة واضحة وواقعية من اعمال هذه القمة.

في محور محلي ... فاني اود ان اتناول قضية استشهاد الصحفي والاكاديمي الدكتور محمد البديوي رحمه الله .... حقيقة ان الحادث كان مؤلماً باتجاهين ؛

الاتجاه الاول : ان الموت اصبح يرافق ابناء هذا الوطن في كل مكان وزمان ، واصبح الوصول للموت اسهل من الوصول للحياة ... وكانه لايكفي ان يموت العراقيون على ايدي الارهاب ليأتيهم الموت على ايدي بعض رجال الاجهزة الامنية ، والتي من المفروض ان يكونوا لحماية الناس .... وهذا هو المفهوم الخاطأ الذي نحذر منه دائما ... وهو مفهوم (( دولة المسؤول لا دولة المواطن ))!!!.... فالحراسات للمسؤول .. والاخطار للمواطن !... والاحترام للمسؤول .... والاهانات للمواطن !..... والحمايات للمسؤول .... والموت للمواطن !!... هذا المفهوم  الخاطئ هو الذي سيعمق الفجوة بين المواطن والمسؤول .

والاتجاه الثاني : هو الخسارة الكبيرة في العقول والامكانيات البشرية ، فكيف نفسر ان يكون الدم رخيصا لهذه الدرجة ، حين يقوم ضابط بقتل رجل اكاديمي وصحفي بهذه الطريقة المؤسفة مهما كانت الاسباب والتبريرات .... وهو يدل على تراجع فكري وانساني خطير عندما تنتهي المشاجرات باستخدام الرصاص ، كما يدل على سوء اختيار للضباط الذين يقومون بواجبات حساسة ، فهذا الضابط لو كان منضبطاً لما تصرف بهذا الاستهتار ... وعلى الجهات المعنية ان تراجع البنية الاخلاقية والتدريبية للقوات الامنية ، لان الثقة اذا فقدت بين المواطن ورجل الامن ، خسر الوطن الثقة بنفسه وبمستقبله وبكامل منظومة العمل الامني لديه . ولا بد ان ينال هذا الضابط جزائه العادل لنرسخ مفهوم الالتزام بالقانون دون تلاعب او تسويف ....

هذا ما يتعلق بالقضية المؤسفة ... ولكننا نستنكر وبشدة التداعيات التي تبعت الحادث ... ومحاولة حرف المسار وتصويره على انه صراع بين (( العرب والكرد ))...... فان قتل الدكتور البديوي مغدورا !!... فلا نسمح لهذه الجريمة ان تتسبب بقتل الاخوة العربية الكردية !!... ومتى كانت الاحداث الشخصية تنعكس على القوميات والطوائف !!... 

يجب ان تبقى القضية في اطارها الشخصي ، وفي حدودها القانونية ، دون افراط او تفريط ... وان لا يدفع بعض البسطاء لارتكاب اخطاء لا يدركون مدى تاثيرها وتبعاتها على هذا الوطن كما حصل في بعض الشعارات العنصرية غير المقبولة التي خطت على بعض الجدران ... اين العقلاء ؟.. اين الحكماء ؟... اين الاخلاق العربية الاصيلة ؟... اين الشيمة والغيرة الوطنية ؟.. واني ومن هذا المنبر اقدر عظيم التقدير الموقف الوطني والانساني والاخلاقي الذي وقفته عائلة الشهيد وعلى لسان بعض ذويه ، وهو يعبر عن رفضه تسييس قضية الشهيد لتبقى بحدودها الشخصية والقانونية ... وان هذا يدل على اصالة هذه العائلة وعلى سمو اخلاقها وعروبتها ووطنيتها ....

رحم الله الشهيد والهم ذويه وزملائه وطلابه والاسرة الصحافية الصبر والسلوان ، وانعم على العراق السكينة والامان .

وانها فرصة لنعبر فيها عن دعمنا للقرارات الاخيرة للقيادة العامة للقوات المسلحة ، في تصحيح بعض مكامن الخلل في نقاط التفتيش وتسهيل حركة المواطنين عبر السيطرات ، ونحن لانتعامل مع هذا الخلل باعتباره خللاً "متعمداً" من عموم الجنود والضباط لنحملهم مسؤوليته.. فرجل الامن لا يريد تعطيل الناس في نقاط التفتيش وارهاقهم بالانتظار ، او تعطيل مصالحهم ، وانما هو محكوم بالاوامر التي ترد اليه، وعندما وردت اليه الاوامر بفتح مسارات نقاط التفتيش وتوسيعها نفذ الاوامر... ونحن ندعو الى وضع ستراتيجية متكاملة تعيد دراسة واقع نقاط التفتيش في العراق على اسس علمية صحيحة، بالتوازي مع رفع الكفائة الاستخبارية واستخدام الاجهزة الحديثة التي من شأنها تقليص نقاط التفتيش الى اقل حد ممكن، فكلما كانت المعلومة الامنية دقيقة وواضحة وتتنقل في بيئة امنية منضبطة ومتكاملة، كلما تقلص الاعتماد على نقاط التفتيش وصولاً الى رفعها بشكل كامل.

ان الاحداث الاخيرة ، لابد ان تقود الى مراجعة شاملة وتشخيص الاسباب التي تجعل الوطن يخطو على "حافة الهاوية" .. ويتحول كل حدث فيه الى "ازمة" و"تحد" و"كسر عظم" .. فلايجوز ان نرهن مستقبل الوطن بخلافات سياسية وحوادث واحداث مهما كبر حجمها .... وعلينا ان نضع جميعا كشركاء قاعدة اساسية وصلبة نقف عليها كعراقيين لا كطوائف وقوميات .. ويجب ان نؤسس لخطوط حمراء وطنية لايجوز تجاوزها من احد ، حتى لا يتحول كل تصريح ، وكل حدث ، وكل موقف الى تهديد ، يضرب اسس التعايش الاجتماعي ، و يقوّض قواعد العدل والمساواة والمواطنة والقانون .

في محور الانتخابات والمفوضية .. فاننا قد تفاجئنا بقرار المفوضين بالاستقالة الجماعية !!... وهذه خطوة لها دلالات خطيرة وفي وقت حرج ؟!... لان مفوضية الانتخابات هي الجهة المسؤولة عن اجراء الانتخابات في العراق ... والانتخابات هي الوسيلة الشرعية الوحيدة للتعبير عن ارادة الشعب في اختيار ممثليه في مجلس النواب .... والبرلمان هو الجهة التشريعية التي تحدد شكل الحكومة السياسية التي ستحكم العراق للسنوات الاربع القادمة !!.... فماذا يعني استقالة مجلس المفوضين ، وماذا يحدث خلف الابواب المغلقة في المفوضية العليا للانتخابات !!.... وهل هناك فعلا تدخلات ؟ ومن اين ؟ ، وكيف ؟ ، والسؤال الاهم من يحمي المفوضية والمفوضين ؟؟....

عجيب ما يحدث هذه الايام في العراق فالاحداث تتوالد والازمات تنشطر افقيا وعموديا ... وقد حذرنا سابقا من ان الاحداث المتوقعة ستكون غير منطقية ، وعلينا ان نهيأ انفسنا لاجراءات استثنائية ...

واخر الاحداث غير المنطقية الآن هي ان يستقيل مجلس المفوضين ونحن على بعد 35 يوما من موعد اجراء الانتخابات !!...

نحن ندعو البرلمان الى رفض هذه الاستقالة وتوفير الحماية القانونية والتشريعة التي تحتاجها المفوضية لاداء عملها باستقلالية و دون ضغوط من اي طرف ... وان تتوقف التدخلات بعمل المفوضية و لا تكون ساحة للصراع بين الارادات السياسية او السلطات القضائية والتشريعية ، فالقضاء يأمر بشيئ والسلطة التشريعية تأمر بعكسه ، والمفوضية في المنتصف تتعرض للضغوط من هنا وهناك ...

المرحلة حساسة وخطيرة جداً ، والشعب العراقي يراقب ويستمع ويعي جيدا ما يحدث ، ولا بد ان تنتهي المنغصات ، وان تجري الانتخابات في موعدها مهما كانت الظروف فلا يراهن احد على تأجيلها تحت اي ذريعة ، فبدون انتخابات يعني لا شرعية لأحد ، وبدون الشرعية يصبح الجميع خارجين على القانون...

ان الشعوب تشارك في الانتخابات لا لتختار حكامها فحسب .. بل لتختار الوطن ، وتنمّيه ، وتشد اركانه ، وتكرس ارادتها بحياة حرة كريمة يؤطرها التعايش والتسامح.

من حق كل تيار او حزب سياسي ان يستعرض انجازاته وافكاره امام جمهور الناخبين، ويحثهم على التصويت لصالحه ، وتتسابق الاحزاب والقوى السياسية لعرض ماقدمته وما تستطيع ان تقدمه الى المواطن ليختار بكامل ارادته وقناعته من يجد فيهم المصداقية والانسجام مع طموحاته ويتحمل مسؤولية قراره ... هذا هو المشهد الطبيعي للانتخابات .. لكن ماهو غير طبيعي ان يتم تخويف المواطن او ابتزازه او اهانته بشراء صوته او تزويره، او تهديد امنه، وماهو غير طبيعي التلاعب بمستقبل البلاد وامنها ووحدتها وسلمها الاجتماعي للحصول على مكاسب انتخابية . فل"نتنافس بالبرامج لا بالتهديدات والتسقيط" ...

ورسالتنا لجميع الاطراف هي : ليس مسموحاً "لي ذراع الشعب" او التلاعب بمشاعره او مخاوفه ، فشعبنا ليس رهينة ، وانما هو صاحب الارادة الكاملة في ان يختار ويقرر ، وعلينا جميعاً الرضوخ لهذه الارادة.

في مبادرة "المواطن يريد" حاولنا ان نكون اكثر التصاقاً بمطالب الشعب ، وان نجمع ونصنف اكبر قدر من آراء المواطنين ، ولم تكن تلك المطالب غائبة عنا ، فمطالب المواطن العراقي بالامن والعدالة والخدمات والحياة الكريمة والرفاه الاجتماعي والتعايش الوطني ، ليس سراً ، والشعب العراقي يعبر عنها بشكل يومي بكل الوسائل .

انَّ الهدف من حملة "المواطن يريد" هو التأسيس لثقافة "العقد" بين الشعب ومرشحيه، بين الشعب وسياسييه، وان يتحول كل توقيع من مواطن عراقي ، الى التزام من قبل المرشح، وان يفهم المرشح قبل كل ذلك كيف يتعاطى مع مسؤوليته باعتباره ناقلاً ومترجماً لارادة الناس ومدافعاً عنها، فالمرشح ليس صاحب ارادة مستقلة عن ارادة ناخبيه، بل هو وسيلة لايصال الارادة الشعبية وتفعيلها وتحويلها الى برامج عمل واليات تنفيذ.

ادعو الاخوة والاخوات المرشحين في الانتخابات من كتلة المواطن ومن الكتل الاخرى، ان يحملوا مطالب وشكاوى واحتياجات الناس ديناً في اعناقهم، لاتبرأ ذمتهم منه حتى يسيرون في طريق سداده.

لانريد سياسيين يتحدثون قبل الانتخابات بلهجة مختلفة عن اللهجة بعدها، العراق لن يتحمل بعد اليوم لهجات مختلفة، واحدة للانتخابات وثانية للمناصرين، وثالثة للتفاهمات السياسية، ورابعة للحديث مع الخارج، ونقول لكم ، ان ماتقولونه وما تعدون به في فترة الدعاية الانتخابية هو التزام ديني ووطني واخلاقي لايقل ثقلاً عن الالتزام القانوني.

الحملة الدعائية ليست فرصة لخداع الناس وتضليلهم بالوعود الزائفة، انما هي مناسبة للاقتراب من الناس والوصول الى كل محافظة ومدينة وقرية وبيت ، وفهم احتياجاتهم والاتصال المباشر بالمواطن والالتزام امامه .

يشكو الناس من فجوة بين السياسيين والمواطن امتدت لأربع سنوات وهو شيء مؤسف ... ان خارطة الطريق للوطن لاتكتب خلف المكاتب وعبر المؤتمرات الصحافية وبعيداً عن الشارع بل في الميدان وبمشاركة المواطن نفسه .

في المحور الاقليمي .. فاننا دائما ما ننظر لمصر على انها الشقيقة العربية الاكبر ، ولطالما كان القانون المصري له مكانته وتاريخه ، وقد تفاجئنا  بالقرار الصادم باعدام هذا العدد الكبير من السياسيين دفعة واحدة وبمحاكمة قصيرة ... وهنا نؤكد موقفنا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، ولكن من حق الاخ على الاخ ان ينبه ويحذر ، فمهما كانت الدوافع ومهما كانت المسببات فان الحكم بهذه الكيفية قد يسبب تعميق الازمة السياسية في البلد ... نحن في العراق لدينا قتلة وارهابيون وقد ملئوا شوارع العراق بالدم ومع ذلك لم يصدر لحد الآن حكماً جماعياً بهذا العدد دفعة واحدة !!....

واحب تذكير الاخوة في مصر بقلقنا من ان مثل هذه القرارات قد تقوض الحقوق وتضيّعها ... فارجو مراجعة هذا القرار ...

يقام في بغداد المعرض الدولي للكتاب .... وما يؤسف له ان أمة أقرأ .... لا تقرأ ...!!!!!

فمن المسؤول عن هذا التراجع الثقافي ؟!.. اليوم في بغداد مئات الالاف من الطلاب الجامعيين , واكثر منهم من طلاب الاعدادية والمتوسطة ، هذا بالاضافة الى المثقفين والموظفين والاكاديميين ...والمفروض ان يكون هناك عشرات الاف الزوار للمعرض يومياً .... ولكن الحضور متواضع وبسيط !!.... فماذا يحدث !!ولماذا توقف العراقيون عن القراءة ؟؟

هل هي الظروف المعيشية ، ام هي الظروف الامنية ، ام هو المزاج العام الذي اصبح يميل الى اللامبالاة ؟؟؟

اين مصداق المقولة القديمة من ان .. مصر تؤلف ولبنان تطبع والعراق يقرأ  !!...

علينا ان لا نفقد الامل وان نواصل المسير فلا زاد افضل من زاد العلم ولا شخصية افضل من الثقافة ولا مستقبل بدون العلم والمطالعة ...

ارجو من الجميع ان يذهبوا وعوائلهم الى معرض بغداد للكتاب وان يعلموا اطفالهم على شراء الكتب مثلما يعلموهم على شراء الحلويات والهدايا ... فنحن أمة أقرأ .... ومن المعيب علينا ان لا نقرأ.