بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين  وأصحابه المنتجبين

أيها الأحبة..

اسمحوا لي التطرق لبعض الامور الهامة والمفصلية.. في ظل الظروف الراهنة البالغة التعقيد والحساسية:

لا للمحاصصة.. والاصطفاف الطائفي

شهدت الايام الأخيرة حراكا للقوى السياسية في تشكيل نواة الكتلة الأكبر لتحالف الأغلبية الوطنية، سيما بعد مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات.. ودعوة المرجعية العليا الى الإسراع في تشكيل الحكومة.

وهنا نود الإشارة الى جملة من النقاط:

١- ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة المقبلة من خلال دعوة فخامة رئيس الجمهورية الى عقد الجلسة الاولى لمجلس النواب وإعطاء الفرصة للكتلة الأكبر في تشكيل الحكومة المقبلة وفق ما نص عليه الدستور من شروط وأسقف زمنية.

فالتأخير يعني مزيدا من التعطيل.. وهو ما لا ينسجم مع ضرورات المرحلة التي نعيشها اليوم..

فهناك الكثير من القضايا التي تتطلب حضور الإرادة الشعبية المتمثلة في البرلمان الجديد.. واخذ دورها الحقيقي في حماية مصالح وامن هذا البلد ومواطنيه.

٢- ترك الشخصنة السياسية وابعادها عن أجواء تشكيل الحكومة.. فليس من الصحيح ان ننشغل بمواقف شخصية تجاه هذا او ذاك.. في ظل ظروف معقدة ومربكة قد تطيح بكل ما تم إنجازه خلال السنوات الماضية... وتعرض البلد الى مزيد من المخاطر والتحديات.

انها دعوة صادقة لجميع الاخوة من قادة الأحزاب والقوى السياسية والتيارات الكريمة والمحترمة.. ان نضع مصلحة العراق وأمن شعبنا ومصالحه فوق كل اعتبار.. وان نتخطى المواقف السابقة بقلوب واسعة.. كسعة العراق لأبنائه.

٣-  لا يمكن تجنيب العراق تبعات التحديات الاقليمية والأزمات الدولية التي تعصف بالمنطقة، الا من خلال سياسة وطنية جريئة تحمي الوطن من سياسة الصراع بالوكالة.. وهو ما لا يمكن ان يحصل من دون استقرار سياسي ووعي وطني ينظر للازمات من منظور المصالح الوطنية العليا لعراقنا الحبيب.

انَّ إعادة مسلسل الاصطفاف المذهبي والقومي.. وتحالفات المصالح الإقليمية والدولية المتقاطعة في الشأن العراقي.. سيعيد العراق الى المربع الاول الذي تسبب في سخط واستياء شعبنا اليوم.. كما سيساهم بشكل وبآخر في تفاقم الصراعات في المنطقة أيضا.

هذه المعادلة لن تنتج حكومة خدمة.. ولن تنتج حلا لما نعانيه من تخبط حاد في ترتيب الاولويات.. بل ستكون معادلة توافقية على حساب الشجاعة المطلوبة في القرارات الحاسمة والحازمة تجاه مكافحة الفساد وغياب الخدمات الضرورية للمواطنين.

لذا.. امامنا ثلاث خيارات :

الخيار الاول: خيار تحالف الأغلبية الوطنية.. التحالف الذي لا يغيب الجميع فيه عن المشاركة والمعارضة في آن واحد..

قوى وطنية تأخذ على عاتقها حكومة الخدمة ومكافحة الفساد..

وقوى وطنية أخرى تأخذ على عاتقها مراقبة أداء هذه الحكومة وتقويمها..

قوى تشارك.. وقوى تعارض.. ضمن فضاء المصلحة والمسؤولية الوطنية.. واعادة ثقة الشعب بالعملية السياسية . وبهذا نشكل المعادلة القوية التي ستنتج حكومة قوية وحازمة وشجاعة...

ان خيار الاغلبية الوطنية يمثل حلاً واقعياً بين الديمقراطية التوافقية التي عشناها خلال المرحلة السابقة والاغلبية السياسية العددية السائدة في الدول الديمقراطية.

ان الاغلبية الوطنية تعني كسر القواعد والمعادلة القديمة والسائدة المتمثلة "بشراكة الجميع ومعارضة الجميع" والتي لم تنتج دولة ولم تحقق التماسك والانسجام الداخلي ولم توفر الخدمات وساهمت في ترسيخ المحاصصة والفساد، وتعميق الفجوة بين الشعب والقوى السياسية.

ان الاغلبية الوطنية ستحقق الاندماج والاندكاك بين المكونات ضمن العراق الواحد ولا تعمل على تجاهل حقوق المكونات أو تغييب ادوارهم أو الالتفاف على مبدأ التوازن في تمثيل المكونات الاجتماعية في العملية السياسية والدولة.

بهذا المنهج نستطيع ان نبني دولة ونوجه الديمقراطية بالشكل الصحيح.. لا ان نبقى حائرين بمتاهات وتأويلات التسقيط والتهم الجاهزة".

وليكن من يكون في الحكومة او المعارضة.. فالمهم الابتعاد عن تحالفات الاصطفاف والتخندق المذهبي والقومي من جديد.

الخيار الثاني: تشكيل حكومة شراكة في الفضاء الوطني دون العودة إلى الفضائات المذهبية والقومية وهو يستلزم:

1 ــ كسر قواعد الاصطفاف القديمة.

2 ـ ان يجري اختيار المواقع المتقدمة ضمن اطار المعادلة الوطنية فيشارك الجميع في اختيار الرئاسات الثلاث ويتحمل الجميع المسؤولية في هذا الاختيار وما يترتب عليه من انجازات أو اخفاقات ولا تحمَّل المكونات مسؤولية من ينتمي اليها من المسؤولين.

3 ـ ان يكون اختيار المسؤولين لكافة المواقع ضمن المعايير التي ذكرتها المرجعية العليا ويصر عليها الشعب.

الخيار الثالث: عدم المشاركة في الحكومة القادمة والانتقال إلى المعارضة البنائة في حال لم يتحقق الخياران الاول والثاني.

ولن نخجل ولا نبالي بأي خطوة أمام مصالح وثقة شعبنا وجماهيرنا.. مهما كلفنا ذلك .. فلا المشاركة في الحكم ولا المعارضة .. تعنينا بشيء أمام المسؤولية الشرعية والاخلاقية والوطنية المترتبة علينا اتجاه بلدنا وشعبنا الحبيب واينما استوجب ان نكون سنتخذ القرار ونعلن عنه دون تردد.

السياسة ليست ترفاً.. بل مسؤولية وتصدي:

كما نجدد دعوتنا للقوى المتصدرة للمشهد الانتخابي في ضرورة تقديم أسماء مرشحة لتولي رئاسة الحكومة.. وهو امر لا يؤثر على أجواء التحالفات الوطنية القائمة في كل الاحوال.. بل يزيدها جدية وتفاعلا حقيقيا.

كذلك نؤكد من جديد.. لو ان الحكمة كانت قد حصلت على المقاعد الكافية لترشيح رئيس الوزراء لما ترددنا في طرح مجموعة من القادة الشباب القادرين على تحمل المسؤولية وفق ما ينسجم وضرورات المرحلة التي نعيشها اليوم.

ان التصدي للعمل السياسي ليس ترفا.. بل هو مسؤولية وطنية سيحاسب عليها التاريخ والشعب.. ولكل منا مسؤوليته التي فرضتها نتائج الانتخابات الأخيرة.. فلن يبقَ عذرا امام تلك القوى ان لم تستجب لتلك المسؤولية بحجم الثقة التي مُنحت لها..  

الجيل المختلف ... النظرة والمتطلبات..

هناك من يقرأ  الاحتجاجات الشعبية الاخيرة بطريقة  سطحية معتمداً على الاعمار الشبابية المنخفضة لاغلب المحتجين والتي تتراوح بين (15_25) عاماً وعلى بعض المطلبيات التي ذكرت في شعاراتهم كفرص العمل والخدمات... ولكننا نختلف مع هذه القرائة فالمجتمع العراقي بغالبيته مجتمع شاب وليس هرم... بل وأغلب الاحتجاجات في العالم يقودها الشباب والعراق ليس استثناءاً..

اقولها بصراحة.. ان كانت مطالب هؤلاء الشباب بسيطة فنحن (جميعاً) السبب في تسطيح احلامهم فمن كان بحاجة اللقمة لا يفكر بالصعود إلى القمر، ومن يرتوي بالماء المالح لا يطمح بصناعة مسبار !!

علينا ان ندرك بأننا امام جيل شبابي مختلف في فكره وسلوكه وعلاقاته ونظرته للأمور جيل لا يهتم بتعقيدات الماضي ولا بتوازنات الحاضر وعينه شاخصة نحو المستقبل بقوة.

وقد حسمت خياري في ان اكون مع المختلفين لا المتخلفين، ومثلما فتحنا ابواب تيار الحكمة لهم سنعمل جاهدين على تمكينهم في مواقع الدولة بأذن الله تعالى ومن هذا المنبر ادعو السياسيين إلى فتح ابوابهم للشباب وتمكينهم سياسياً وحكومياً وإلا فما بعد الشيخوخة السياسية الا نهاية الكيان السياسي وليس شيئاً آخراً.

لن نساوم على مبادئنا.. ومصالح شعبنا ...

يتوهم من يعتقد بان المواقف الشجاعة تجاه القضايا العادلة للشعوب تتعارض مع المصالح الوطنية لبلد دون اخر.. نحن اليوم نعيش في عالم متقارب يتأثر بكل ما يجري حوله من احداث وتقلبات.

ومن الصعب تصور عدم تأثر العراق في حال تعرضت الجمهورية الاسلامية في ايران لمشاكل وتعقيدات الصراع مع الولايات المتحدة الامريكية..

وكذلك من الصعوبة للجمهورية الاسلامية ان تتصور عدم تأثرها في حال شهد العراق انهيارات اقتصادية او سياسية او امنية متلاحقة..

والامر نفسه في تركيا والسعودية.. ودول الجوار المحيطة بالعراق.

القدر الجغرافي والثقافي يجمع العراقيين والإيرانيين معا.. كما يجمع العراق بمحيطه العربي جغرافيا وتاريخيا وحضاريا.

على السياسة العراقية ان تعمل بشكل دؤوب وبكل السبل المتاحة على إيجاد أرضية مشتركة تجتمع عليها المصالح الإيرانية والامريكية  معا.. بعيدا عن سياسة العقوبات والتهديدات التي لن تجلب للمنطقة سوى مزيد من الحروب والدمار..

لا يمكن ان نبقى مكتوفي الايدي في حال تفاقمت العقوبات الاقتصادية تجاه الشعب الايراني.. فنحن العراقيون نعلم جيدا ماهي اثار الحصار الاقتصادي الذي عشناه في تسعينات القرن المنصرم.

وتجويع الشعوب من أجل التأثير على الانظمة السياسية سياسة لا انسانية ولا يمكن البحث عن مصالح العراق بمنطق الصراع والعقوبات.

وفي الوقت ذاته.. ندرك جيدا ماهي عواقب عدم الالتزام بالقيود المالية المفروضة على الدول ذات الاقتصاد الريعي مثل العراق.. للأسف الشديد.

نطالب الولايات المتحدة في إعادة النظر بخيار فرض العقوبات والحصار على الشعب الايراني.. وان تدرك حجم التداعيات المؤثرة على العراق جراء ذلك أيضا، فهناك مصالح تجارية متبادلة بين البلدين.. وهناك روابط ثقافية وتاريخية عريقة ومتجذرة بين الشعبين.. وقد بينا ذلك سلفا خلال لقائاتنا المتكررة مع الوفود الممثلة للإدارة الامريكية والبعثات الدولية الأخرى .

لن نقبل بفرض العقوبات الاقتصادية الظالمة على الشعوب.. ولن نسمح بتعريض مصالح بلدنا للمخاطر .. نقولها بصراحة وبلا خوف من أحد .

رحم الله شهداءنا الابرار والدعوة المستمرة لرعاية عوائلهم وابناءهم والشفاء لجرحانا والعزة والكرامة والازدهار لشعبنا الأبّي .