بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين...

فخامة رئيس الجمهورية المحترم

سيادة رئيس مجلس النواب المحترم

اصحاب الدولة والسيادة والمعالي والسعادة

اصحاب السماحة والفضيلة والنيافة

السيدات والسادة ... الحضور الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يتجدد لقاؤنا هذا العام في الاول من رجب يوم الشهيد العراقي وفي رحاب الشهادة والتضحية، تلك القيمة الانسانية العليا التي حملها العراقيون واصبحوا المثال والقدوة لشعوب العالم التي تتطلع الى الحرية والدفاع عن قيمها ومبادئها وارضها وشرفها ، وفي هذه الرحاب الفسيحة تعلو قامات وطنية كبيرة في مقدمتها الشهيدين الصدرين

وشهيد المحراب اية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدس الله اسرارهم جميعاً).

لقد خسرنا شهيد المحراب ليس على الصعيد الشخصي او العائلي او المناطقي فحسب، بل خسرناه ايضاً على صعيد العراق والعالم الأسلامي، لأنه كان من الشخصيات العراقية المعدودة التي تمتلك قدرة عالية على التواصل مع محيطها المحلي والأقليمي والدولي..

لقد كان يمثل بذاته مشروعاً للوحدة الوطنية تلتقي عنده كل القوميات والطوائف المتآخية في العراق، كما كان مشروعاً للقرار الوطني المستقل الذي يتعامل مع الآخر بمنطق الأولوية العراقية في بناء المشروع الوطني لنظامه السياسي المستقل . ومن هنا كان استهداف شهيد المحراب وفي وقت مبكر بعد سقوط النظام البائد،استهدافاً للوحدة الوطنية العراقية واستهدافاً لأستقلال القرار العراقي .

ان استذكار شهيد المحراب هو استذكار لمراحل تطور ذلك المشروع الوطني العراقي بامتداداته التاريخية وحاضره وافاق مستقبله، حيث لم يكن مشروع شهيد المحراب ( قدس سره ) مشروعا آنيا يتعامل بمنطق رد الفعل مع الظروف المحيطة، وانما مشروعٌ اصيلٌ في انتمائه لهذا الوطن وفي استشرافه للمستقبل حيث يعيش العراقيون في ظل دولة عصرية عادلة تضم كافة ابنائها دون تمييز او استحواذ او اقصاء ، مشروع يستلهم التاريخ وقيمه للتعامل مع مشاكل الحاضر وبناء المستقبل.

الحضور الكريم

إننا اليوم نعيش مرحلة متقدمة من تطور ذلك المشروع الوطني، فجهاد وتضحية شهيد المحراب، والشهيدين الصدرين، وسفير المرجعية الشهيد العلامة السيد محمد مهدي الحكيم، والملا مصطفى البرزاني،

ومام جلال طالباني، ومئات العلماء والقادة، وآلاف، بل ملايين الشهداء والمجاهدين من كافة أطياف الشعب العراقي، كل تلك التضحيات تضعنا أمام مسؤولية تاريخية في أن نستكمل هذا المشروع، ونمضي به في أفق الوطن، وبعيداً عن التجاذبات والاصطفافات المذهبية والقومية والمناطقية، فليس أمامنا سوى النجاح، وشعبنا لن يسامح من يقصر في أداء مسؤوليته، مهما كانت الضغوط والمصالح الآنية والضيقة.

لقد تأسس ذلك المشروع الوطني على قاعدة التكامل في المسارات التي مثلها اولئك القادة الكبار، ورغم تعدد تلك المسارات واختلافها احيانا من حيث التكتيك او الادوات او قراءة المرحلة او طبيعة التحالفات، الا انها تكاملت في هدف انهاء النظام الدكتاتوري وبناء العراق الديمقراطي الجديد ، كدولة تقوم على أساس العدالة الاجتماعية والعيش الرغيد بكرامة وعزة ورفاه لجميع ابناء شعبنا العراقي .

واذا كانت اولويات المرحلة الاولى بعد التغيير لذلك المشروع الوطني قد اتصفت بوجود هواجس وتحديات كبرى جعلت الاولويات السياسية والامنية والايديولوجية هي اولويات المرحلة فأننا اليوم وبعد ان تجاوزنا تلك الهواجس وحققنا الانتصارات في مواجهة الارهاب والأجندات التي لا تريد الخير للعراق ، نجد انفسنا امام اولويات مختلفة يتطلع ابناء شعبنا اليها بعد ما قدموه من تضحيات فان كانت المبررات السياسية والأمنية والإيديولوجية حاضرة سابقا لتبرير الظروف الصعبة التي عاشها المواطن العراقي فان تلك المبررات لم تعد مقبولة ولن يقبل بها ابناء شعبنا عندما لا يجدوا المستوى المرضي من العيش في وطنهم، لذا اقول ان استمرار المشروع الوطني والوفاء لتضحيات شعبنا يتطلب منا ان نغادر اختلافاتنا ومصالحنا الضيقة ونتجه لتبني اولويات ابناء شعبنا.

ان قراءة واعية ومسؤولة تدرك طبيعة التحديات القائمة وتطلعات ابناء شعبنا تستلزم منا ان نمضي بقوة نحو موقف وطني واضح للتعامل مع التحديات التالية :

1-   تحدي الاتفاق على رؤية استراتيجية واحدة لتحديد بوصلة البلد ... فقد اصبحنا امام حاجة ملحة للأتفاق على استراتيجية وطنية جامعة وموحدة، فما نمر به من ازمات واشكاليات وفجوات هو نتاج اختلاف الرؤى وتشتت المشاريع وغياب الأولويات وعدم تحديد الثوابت والخطوط العامة للدولة في سياساتها الوطنية والخارجية . فالثوابت يجب ان لا تمس ولا يختلف عليها فيما تتركز المنافسة السياسية والانتخابية على المتغيرات والآليات والأجراءات... ان وحدة العراق وحرمة الدم العراقي والمواطنة والقانون والسيادة والخدمة والحريات والنزاهة والهوية الوطنية وغيرها ... ثوابت يجب ان لا تمس ولا تكون موضعاً للخلاف .

ان صياغة مثل هذه الأستراتيجية تتطلب مشاركة واسعة لأرباب الفكر والثقافة والسياسة وقادة المجتمع

والمؤسسة الدينية ومنظمات المجتمع المدني والناشطين واقرارها ووضع معايير صارمة للالتزام بها وتحديد مساحة التعاون اوالتنافس، ومساحة المصلحة العامة أوالخاصة ، واعتبار هذه الثوابت خطوطاً حمراء لا يجوز تجاوزها تحت اي ذريعة ...

2-   تحدي الاستجابة الفاعلة لمطالب ابناء شعبنا وبالدرجة الاساس فرص العمل والخدمات ، فاننا نحتاج الى مغادرة الاساليب التقليدية التدريجية في ايجاد الحلول، والاتجاه نحو حلول ابداعية تحقق الطفرات المطلوبة بمنطق المضاعفة لا الأضافة، وبالاستفادة من الامكانيات المتوفرة والقضاء على ما يعرقل مساهمة راس المال العراقي والاجنبي في عملية البناء والتنمية وتوفير فرص العمل، فليس هناك معنى لوجود الفرص والامكانيات اذا لم تتحول الى امتيازات يلمسها او يشعر بها او يستفيد منها المواطن العراقي البسيط ، بعيداً عن افة الفساد والتباين في الدخل التي افرزت قلة مستفيدة بازاء عامة الشعب التي تعيش المعاناة.

3-   تحدي السلم الاهلي والوئام المجتمعي ، فقد امعنت مرحلة الطائفية والارهاب في ايجاد مسببات الضغينة والانتقام في مناطق عديدة من بلدنا سيما تلك المناطق التي نالها الارهاب الداعشي ، لذا فان توفير المتطلبات الاساسية للعيش الكريم التي تسمح بعودة النازحين واعمار المدن وايجاد مصالحات محلية حقيقية والتعامل مع مخلفات الارهاب الداعشي وتوفير مستلزمات العيش الكريم للمقاتلين الابطال الذين تصدوا للهجمة الداعشية وعوائلهم ، تمثل اموراً اساسية لابد وان نضعها في قمة اولوياتنا.

4-   تحدي بناء الدولة ، وترسيخ مؤسساتها وانهاء كافة المظاهر التي تتناقض مع هيبة الدولة وفاعلية مؤسساتها تمثل عناصر اساسية ولابد ان نمتلك الشجاعة الكافية للقيام بها، فلا سلاح خارج سلاح الدولة ، ولا ادوار عسكرية وامنية لغير مؤسسات الدولة ، ولا بيروقراطية توفر بيئة حاضنة للفساد وهدر المال العام ولا مناصب تدار على اساس الولاءات ولا استبعاد للكفاءات الوطنية القادرة على تحقيق الانجاز .

5-   تحدي الأستقرار المستدام، فداعش وامثالها لا تزال موجودة فكراً واجندات وخلايا نائمة وفاعلة، ونحتاج الى دعم مؤسساتنا الامنية بكافة صنوفها وادوارها لتقوم بمهامها في القضاء على ما تبقى من تلك التنظيمات الارهابية. ينبغي ان لا نسمح باي حال من الاحوال بأية خروقات تعيدنا الى مربع عدم الاستقرار وتهدد امننا الوطني ، وما حصل مؤخراً هي اشارات ينبغي ان نقف عندها ونعد العدة وندعم اجهزتنا للتصدي لها ولما يراد ان يتحقق من ورائها .

6-   تحدي الأستقلال والسيادة في ظل الصراع المحتدم الذي يدور في المنطقة والعالم ، يجب ان يضطلع العراق بدور صانع السلام في المنطقة ويجب ان يكون مركز الاستقرار في الشرق الاوسط وينبغي ان لا نسمح بأن يعود العراق ساحة للخصومات وتصفية الحسابات والمعارك بالنيابة ولا يمكن بأن نسمح ان يتحول العراق منطلقاً للعدوان على جيرانه، فلا وجود عسكري قتالي اجنبي ولا قواعد اجنبية دائمة ، وانما تعاون وتنسيق تحدد الحكومة العراقية طبيعته وحجمه وتوقيتاته بما يتلائم مع مصحلة العراق العليا. اننا نريد ان يتحول العراق المستقل المستقر القوي المزدهر الى واحة للتعاون والالتقاء بما يخدم مصلحته ويحقق الامن والاستقرار في المنطقة والعالم.

7-  تحدي حماية الديمقراطية، فالديمقراطية والحرية هبة الله للعراقيين ولن نسمح لمخالب الظلام ان تضيعه ولذلك يجب الإسراع في تشريع قانون انتخابات عادل وفاعل.. وان تكون هناك جهة رقابية مستقلة وكفؤة تشرف على الانتخابات بآليات وإجراءات واضحة.. لا يمكن السماح مجددا لما حصل في الانتخابات السابقة حيث كاد العراق ان ينزلق لمنعطفات خطيرة لولا وعي وحرص المحبين والمخلصين لهذا البلد والتعامل المسؤول للقوى الوطنية السياسية والمجتمعية.. ولا يمكن تطوير وإصلاح الواقع الحالي من دون قانون انتخابات يرى فيه جميع العراقيين فرصهم المتساوية والعادلة.

 أيها الحضور الكريم ، اننا ننظر لبلدنا من منظار المشروع الوطني الذي اسسه القادة الكبار ونعتقد ان العراق بجيله الجديد وقياداته الفاعلة اليوم قادر على انضاج هذا المشروع وقيادته نحو المستقبل فلنكن كباراً كما كان اولئك القادة كبارُ في مواقفهم وفي تضحياتهم وفيما قدموه للعراق، ولكي نكون كباراً علينا ان نستمع الى ابناء شعبنا اولاً وان نتواضع لهم وان نتنازل عن كل ما يبعدنا عن هدف بناء العراق القوي المقتدر المدافع عن مصالح شعبه .

سلامُ على المرجعية الرشيدة ولا سيما المرجع الأعلى الامام السيد السيستاني (دام ظله الوارف)، سلامُ على الشهداء والمجاهدين ، سلامُ على شهيد المحراب ونحن نعيش ذكراه ، سلامُ على الشهيدين الصدرين، سلامُ على سفير المرجعية وعزيز العراق ، سلامُ على كل من ضحى وبذل من اجل بناء هذا الوطن العزيز ..... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.