بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

ثم الصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي محمد الحسن ابن علي المجتبى كريم أهل البيت, الذي نحتفي في هذه الليلة الشريفة بذكرى مولده الكريم, ليلةٌ مباركة ينتصف فيها شهر رمضان, نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال وأن يوفقنا لاستكمال هذا الشهر الفضيل صياماً, وقياماً, ودعاءاً, وتلاوةً للقرآن, واستثماراً لهذه الظروف المعنوية.

اهمية ولادة الامام الحسن (عليه السلام) بالنسبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)

هذه الليلة كانت ليلة عزيزة على رسول الله صلى الله عليه وآله, وعلى قلوب المسلمين جميعاً, هذه الولادة ليست كأي ولادة أخرى, ثلاثة عشر عاماً في مكة حصاراً, ومحنةً, وعذاباً, وألماً, ومحناً حتى كانت الهجرة النبوية الشريفة, وبعد الهجرة بثلاث سنوات أخرى أيضاً استمرت الآلام والمحن والعذابات على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته وصحبه وعلى المسلمين جميعاً, غزوات, حروب, تحديات, ضغوط, كل هذه المحنة في جانب والتشويش في أن هذه الرسالة لا يمكن أن تستمر والذي تصاعد هذا التشويش بعد وفاة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله بأن رسولنا الكريم أبتر, المشركون كانوا يشوشون, اليهود الذين كانوا يقطنون الجزيرة العربية كانوا يشوشون, المنافقون من داخل البيت الإسلامي من المسلمين أيضاً كانوا يشوشون, وصلت هذه الكلمات والتشويش والتشويه إلى مستوى تدخلت فيها السماء, ونزلت الآيات المعروفة الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم: (إنا أعطيناك الكوثر) يا رسول الله أعطيناك الكوثر, الخير الكثير, في إشارة إلى السيدة الزهراء سلام الله عليها والتي تمثل الخير الكثير لرسول الله صلى الله عليه وآله, (إنا أعطينا الكوثر فصلي لربك وانحر إن شائنك هو الأبتر) ليس أنت الأبتر, إذا كان الناس يستمر نسلهم ويتكاثرون عبر أبناءهم فنحن نجعل لك هذه الكرامة أن تستمر ذريتك عبر بنتك الزهراء, ونجعل فيها الخير الكثير, والكل يترقب وينتظر كيف سيكون هذا الوعد الإلهي, حتى جاءت السنة الثالثة للهجرة في مثل هذه الليلة ليلة الخامس عشر من شهر رمضان المبارك حين كانت ولادة الإمام الحسن المجتبى صلوات الله وسلامه عليه, كانت بلسماً لكل تلك الآلام وكانت تطبيقاً وتجسيداً للوعد الإلهي باستمرار ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله عبر بنته الزهراء فكان الحسن المجتبى هو أول تجسيدٍ ومصداقٍ للإيفاء بهذا الوعد الإلهي لرسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم, لذلك هذه الولادة تمثل الشيء الكثير في مداليلها النفسية والروحية للمسلمين جميعاً وتطبيقاً ونجماً لكل تلك الألسن التي ما فتأت تتحدث وتتهم وتتنبأ بأن هذه الرسالة لا يمكن أن تستمر لأن رسولنا أبتر, فالحمد لله على هذه النعمة, ولادة إمامنا الحسن المجتبى كريم أهل البيت صلوات الله وسلامه عليه.

مظلومية الامام الحسن (عليه السلام)

هناك الكثير من الملامح في شخصية الإمام الحسن وفي فترة تصديه وإمامته ولا يسعنا المقام أن نتحدث في كل هذه الجوانب, لكن المضلومية في شخصية الإمام الحسن تمثل سمة بارزة, مظلوم في حياته, في شبابه, وحينما بلغ سن الرشد والعطاء مظلوم في إمامته, مظلوم في وفاته, مظلوم في جنازته, مظلوم حتى في ظروف دخله, في كل المحطات واكبته الظلامة, والألم, ولم نعهد إماماً من أئمتنا تطاله السهام والنبال وهو جثمانٌ طاهر وهو شهيد وقتيل, استهدفوا بالسهام والنبال حتى جثمانه الطاهر, أي ظلامةٍ أكثر من ذلك؟ لم يُسمح بأن يدفن إلى جوار جده رسول الله صلى الله عليه وآله, وكان قد أوصى إذا تحولت عملية الدفن إلى جوار قبر الرسول إلى مشكل فانقلوني إلى البقيع, حفاظاً على دماء المسلمين, هكذا كانت المظلومية.

ملامح الظروف الاجتماعية والسياسية والنفسية في عهده (عليه السلام)

ولكن نركز في هذه الليلة الشريفة على الجانب الاجتماعي والسياسي في حياة الإمام المجتبى, حقيقةً حين يدرس الإنسان تلك الحقبة الزمنية, الظروف الاجتماعية, والسياسية, والنفسية التي عاشها المجتمع الإسلامي آنذاك وتصدي الإمام الحسن في تلك الظروف الصعبة لإمامة المسلمين يشعر بالدهشة, ماذا عليه أن يصنع؟ كيف يتعامل؟ وكيف يتعاطى مع كل هذه التناقضات التي شهدها في فترة تصديه وإمامته؟ نحاول أن نراجعها مراجعة سريعة لنستبين ماذا كانت الظروف في عهد الإمام الحسن سلام الله عليه.

الانقسام المجتمعي

أولى هذه الملامح في تلك الحقبة: انقسام حاد مجتمعي, محاور, مجاميع, تكتلات, تخندقات, اصطفافات, حالة ظاهرة في عهد الإمام المجتبى في ذلك المجتمع, في جانب جيش معاوية, جيش الشام, وهذا الاسم كان اسم يرهب أهل العراق وأهل الكوفة, لأن جيش الشام في تاريخ طويل كان دائماً يبطش ويفتك جيش له إمكانية عسكرية قوية وكبيرة, يمتلك ماكنة إعلامية ضخمة للحرب النفسية, يمتلك أموال طائلة وكبيرة بشراء الذمم والتأثير, فكان يمارس حرب مرنة, حرب نفسية مع قوة ردع وضرب وتأثير كبير وكسر, واجتماع كل هذه الوسائل كانت تمثل تحدي كبير لأهل العراق, فكان لديهم رهبة من جيش الشام, بكل هذه الإمكانات المتاحة, وكان على الإمام الحسن المجتبى أن يتعامل مع هذا الجيش المخيف في الظروف الطبيعية فما بالك في ظروف الانتصار, وكان قد سبق إمامة الإمام حرب صفين وما جرى فيها ورفع المصاحف وتعرفون التحكيم وغيرها من التفاصيل المعروفة لديكم.

هذا الجيش كان يعيش نصوة الانتصار, ووهج الانتصار, والإنسان المسيطر على مشاعره في لحظات الانتصار تصبح عنده هذه النرجسية فكيف إذا كان هو الجيش فيه سمات العدوانية في تاريخه الطويل يُصبح السيطرة على هذه الحالة أمر في غاية الصعوبة, هذا في جانب.

جماعة المنافقين والانتهازيين

الجانب الآخر في ذلك المجتمع: جماعة المنافقين, الانتهازيين, المتلونين, أصحاب المصالح, ما هي سمات هؤلاء وأوصافهم؟ ليس عندهم قيمة, ولا مثل, ولا مبادئ, ولا ذمة, ولا ضمير, كل هذه الأشياء لا يملكوها, عنده شيء واحد يفهمه في قاموسه مصلحتي أين؟ من يدفع لي أكثر؟ أنا أين أرى مصلحتي؟ أين أحصل على الأكثر؟ أين ما يكون حتى لو مع الشيطان يحصل على الكثير تجده هناك, في الليل في مكان وفي الصباح في مكان ثاني, البورصة ترتفع وتنخفض باللحظات, بالساعات, مادام البورصة المصلحة الشخصية والانتهازية, قيم, مبادئ, مشروع, وطنية, إسلام كل هذا الكلام لا يفهمه, يتكلم به ولكن لا يعيه ولا يفهمه أبداً, انتهازي من الطراز الأول, هؤلاء جماعة في كل المجتمعات, في كل الأزمنة, ليسوا جماعة كبيرة لكنها جماعة مؤثرة, انتهازية فتصل إلى مصادر القرار, مصادر الثورة, مصادر الإمكانات, يصبح عندهم ماكنة إعلامية, قدرة عالية على التأثير في المجتمع, قدرة على المشاغبة, قدرة على إثارة الشبهات والإشكاليات, يكبرون من مصلحتهم معه, يكسرون الذي ليس لديهم مصلحة معه, طريقتهم هذه, هؤلاء جماعة الانتهازيين, المنافقين, المتلونين, هؤلاء كانوا جداً النشطين في عهد الإمام الحسن المجتبى كما هو في كل زمان, وكان على الإمام المجتبى أن يتعامل معهم في جبهة وجماعة معاوية, ومن هنا جيش الشام, ومن هنا هؤلاء الانتهازيين.

جماعة المحكمة

جماعة المحكمة, جماعة أبو موسى الأشعري المتظاهرين بالتدين والالتزام, يحقق في الروايات الاستحباب اللحية أربع أصابع أو أكثر أو أقل, كأن مشكلة الكون كلها لحيته أربع أصابع, أي مشكلة, يريد أن يعرف بأي ليلة يأكل البصل, يريد أن يعرف بأي يوم يأكل السمك, الروايات ماذا تقول, هذه القضايا الشكلية جداً يهتمون بها, لكن عندما تأتي إلى جوهر الدين وفلسفة الدين وحقيقة الدين لا يهتم بها, ظاهره ظاهر التدين وواقعه غارق في بعض الشكليات وتارك الجوهر واللباب, القيمة الحقيقية للدين ضائعة, لكن مظاهر الدين محفوظة, هؤلاء مشكلة, عنده جمود على بعض الأشياء, بالفعل ظاهره التدين لكن لا يعرف من الدين شيء, واجه أمير المؤمنين هذه الظاهرة وامتدت للإمام الحسن المجتبى, حروب في عهد رسول حروب مع المشركين, فكانت سهلة مسلم يقاتل مشرك, في زمن أمير المؤمنين صارت الحروب بين مسلم ومسلم, هؤلاء ارتبكت أوضاعهم كيف وهذا مسلم, نشارك أو لا نشارك؟ مسلم كيف يقتل مسلم؟ أنت ترى هناك حق وباطل وهناك مشروع رسالي ومشروع آخر انتهازي فلماذا أنت متضايق؟ لماذا لا ترى نفسك في هكذا معركة إذا حامل لواء علي ابن أبي طالب وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ومن بعده الإمام الحسن المجتبى, هؤلاء عملهم صار يثبطون الناس, أمير المؤمنين يأتي يخطب بالناس يشد العزائم يحضر النفوس ويهيئها ويعبئها للقتال, يأتي أبو موسى الأشعري وأمثاله يقول: (يا ناس أنتم متأكدين؟ دينكم أين؟ مالكم والدخول بين السلاطين؟ هذه الحصة بها دماء؟ قتل مسلمين؟ لماذا تريدون أن تورطوا أنفسكم؟ سمعت عن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ستأتي على أمتي فتن القائم فيها خير من الراكب والجالس فيها خير من الواقف) ومنن هذه الكلمات, الناس بقوا في حيرة من أمرهم, ويتفركش الجيش, وكان أمير المؤمنين يرسل الإمام الحسن المجتبى حتى يخطب بهم ويحدثهم ويعبأهم حتى يرسلهم للمعركة وهؤلاء يأتون يفككون الأمور, ظاهره دين, التزام, واقعه في الحقيقة شيء تمسك ببعض القشور وعدم القدرة على فهم عمق الدين والمشروع الرسالي, هؤلاء أيضاً كانوا مشكلة كبيرة واجهها أمير المؤمنين ومن بعده الإمام الحسن المجتبى, وكان على الإمام الحسن أن يتعامل مع هذا الجمع من الناس.

جماعة الخوارج

الجماعة الرابعة: جماعة الخوارج, هؤلاء الناس المصرين على رأيهم, يفهم الإسلام والدين بطريقة معوجة ومصر عليها: تعال لنتفاهم هذه الآية ليس كما تفهمها, حافظ كم آية ورواية قال الله كذا, وقال رسول الله كذا, عندما يتكلم تقول: هذا الإسلام كله متجسد فيه, كل كلمتين وأضاف لها آية ورواية, كلامهم كله قرآن, حديثهم مغري, من يسمع الحديث يعتقد أنهم يفهمون بالدين الكثير, لكن واقعهم النظرة المجتزأة, النظرة المنقوصة, النظرة المقتطعة من الإسلام, حافظين كلمتين وضعوها برأسهم ومصرين عليها: تعال لنتناقش, لا يقبل لا حوار, ولا نقاش, لا يأخذ ولا يعطي, يعيد بكلماته, ومبدأي هذا فهمه المنقوص والخاطئ عن الإسلام يقاتل من أجله, مستعد أن يضحي من أجله, رأيناهم الدواعش وأمثالهم هؤلاء كلهم ظواهر خوارجية, حديثهم كله آية ورواية, إسلام, وجنة, وآخرة, الواحد عندما يسمع حديثهم ينغري بهم, لكن حقيقة عملهم وسلوكهم قتل, وذبح, وقسوة, وشدة, فيما أن الإسلام دين السلام, دين المحبة, دين الرأفة, دين الشفقة, دين العناوين الواسعة للالتماس العذر للآخرين, المنهج القرآني هو المنهج الذي يتكلم مع المشرك يقول: (وإنا أو إياكم أو على هدىً أو في ظلال مبين) يا مشرك قد تكون أنت على هدى ونحن على ظلال, وقد نكون نحن على هدى وأنت على ظلال, قد, لنجلس مع المشرك, لا يقول له: أنا على هدى وأنت على ظلال وتصبح مسلم شئت أم أبيت, لا يوجد هكذا كلام في المنهج القرآني, في حدث رسول الله مع المشرك: (وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو على ظلال مبين) يفتح الحوار حتى مع المشرك, يقول له: تعالى لنرى من منا على صواب؟ الدليل, البرهان, الحوار منهج إسلامي, هؤلاء لا يعرفون هذه الأمور, مصرين على فكرة, وكانوا يعتقدون أن علياً عليه السلام فرط بمصالح المسلمين حين لم يستمر بالقتال وقبل بالتحكيم, فتحولوا إلى خصوم وأعداء فيما أنهم كانوا يقاتلون مع علي, كلما أراد أن يفهمهم علي ابن أبي طالب لم يستطع, جاء الإمام الحسن ووجد هؤلاء أمامه إلى أن اضطر أن يقاتلهم في النهروان, قتال شرس وعنيف في وقت لاحق, ولكنه قال: (لا تقاتلوا الخوارج من بعدي فليس من طلب الحق فأخطئه كمن طلب الباطل فأصابه), هؤلاء يريدون الحق, أخطئوه, لم يعرفوا, وقتلوا على رؤية باطل يظنون أنه الحق, لكن هم متصورين الحق, يطلبون الحق, يختلف عن واحد يريد الباطل ويخطط للباطل والتآمر ويصل, هذا يختلف عن ذاك, هذا لا يبني تآمر هذا يظن أن هذه هي الحقيقة, عندما يفجر نفسه يظن بالفعل سيدخل الجنة, هذه الظاهرة الخوارجية أيضاً كانت من الابتلاءات والمشاكل التي واجهت الإمام الحسن المجتبى, هذه الجماعة الرابعة.

عموم المسلمين (الرأي العام)

الجماعة الخامسة: أمر مسلمين, عموم المسلمين, الرأي العام نسميهم في أدبياتنا اليوم, هؤلاء الناس عينهم مفتوحة على الإعلام, صحيح ما كان هناك سوشل ميديا وواتسابات وفيس بوك, لكن أيضاً في ذلك الزمان كان هناك أدوات خاصة لتداول الأحاديث, في السوق في المسجد, فهؤلاء يسمعون كلمات, إشاعات, اتهامات, إدعاءات, كلها تسقيط بالإمام الحسن المجتبى, على قاعدة اكذب اكذاب حتى يصدقك الناس, يمين ويسار أين ما يلتفتون هذه الجهات المتضررة من منهج الإمام الحسن من جيش الشام إلى هؤلاء المنافقين والانتهازيين إلى هؤلاء الخوارج بطريقتهم إلى المحكمة, كلها تتلكم, فهذا الإنسان البسيط يذهب للمسجد يرى هذا المتدين الصائم المصلي يتكلم, يخرج للخارج أصحاب المصالح أيضاً يتكلمون, يذهب يمين أو يسار كله كلام على الإمام, يقول: غير صحيح أن الكل كاذب إذن كلامهم صحيح, كل هذا التشويش وضخ في إشاعات تستهدف شخصية الإمام الحسن المجتبى, تستهدف شخصيته, (الإمام الحسن سيء الخلق), هذا كريم أهل البيت اذهب إليه واحتك به( لا, يقولون خلقه سيء) اذهب واحتك به وسلم عليه اجلس في مجلسه واسمع منه وقيم, غير مستعد أن يذهب, مصر, (الإمام الحسن مزواج مطلاق) رجل حاشى الإمام من ذلك يفكر بعلاقات متعددة بطريقة ليس لها حدود, ما هذا التشويه لشخصية الإمام؟ ويتكلمون ويتكلمون إلى أن حولوها إلى قضايا تاريخية نراها ركام من الروايات المختلقة والموضوعة التي تتحدث بهذا الجانب, (الإمام لا يفهم في السياسة رجل ابن أمير المؤمنين لا يعرف في السياسة) وهذا ما قاله معاوية في رسائل رسمية عندما كان يحاجه لا يقول له: أنت ليس أحق, أو نصبك كذا, أو أصلك كذا, يقول: (قضايا معقد جداً وأنت لا تعرف بالسياسة أنا اعرف منك بها هذه الأمور تحتاج إلى فهم وأنا أستطيع) هذه في رسائل موثقة في التاريخ بين معاوية والإمام الحسن, وهكذا أخذها وراثة من والده وإلى آخره من هذه الكلمات الكثيرة التي كانت تشاع وتضخ بشكل مستمر, هؤلاء أيضاً يمثلون الرأي العام, كان يؤلب بالضد من الإمام الحسن المجتبى نتيجة هذا الكم الهائل من التسقيط والإشاعات والاتهامات التي تصدر من تلك الشرائح المتضررة والجماعات المتضررة, هذه الجماعة الخامسة.

موالي الامام

الجماعة السادسة: موالي الإمام, هؤلاء أيضاً يعرفون أنه إمام ويتبعوه لكن عندهم مشكلة في فهم أسباب مواقفه, لماذا هدنة؟ (كل هذه الدماء التي أعطيناها والحروب وبعدها نهادن؟ والله نموت ولا نهادن) لا يستطيعون فهم عمق وخلفية قرار الإمام بالهدنة في تلك الظروف الصعبة, يبحون إمامهم, يتبعون إمامهم لكن يريدون أن يفرضوا رأيهم, ليس لديهم العمق الذي يفهمون  لماذا الإمام اتخذ هذا الموقف؟ يأتي أحدهم وهو من خُلص أتباعه يقف أمامه ويقول: (السلام عليك يا مذل المؤمنين ذليتنا أنت, لماذا هدنة؟ نموت كلنا ولا نهادن؟) كلما كان يشرح لهم ويوضح لهم ويبين لهم, لم يكن يفهموا, فالإمام كان يقف في ستة جبهات: من جيش الشام إلى جماعته, إلى المنافقين, إلى المحكمين, إلى الخوارج, إلى الرأي العام, هذا الواقع المجتمعي التركيبة الاجتماعية, والانقسامات, والجماعات التي كانت في ذلك الوقت وكان على الإمام الحسن المجتبى أن يتعاطى مع كل هذه المتغيرات, هذا الوضع المجتمعي.

الوضع السياسي في عهده (عليه السلام)

الوضع السياسي كيف كان؟ حروب طاحنة خاضها أمير المؤمنين في جمل, وصفين, والنهروان, ثلاث حروب طاحنة, في الروايات وفي كتب التاريخ كانت الضحايا والقتلى مائة ألف مسلم, تعرفون ما معنى مائة ألف؟ ليس اليوم مائة ألف الشعب العراقي 40 مليون, قبل ألف وأربعمائة سنة الشعب العراقي كم؟ مليون؟ مائة ألف يعني عشر الشعب, مائة ألف رقم مهول, مخيف, في هذا الزمان مخيف, فكيف في ذلك الوقت, البشرية كان عددها أقل من 10% مما هو الآن, هذا الرقم مذهل, مائة ألف يعني مائة ألف عائلة متضررة, يعني مائة ألف أرملة إذا كان هؤلاء متزوجين, إذا كل واحد منهم عندهم أربع أو خمس أطفال يعني أربعمائة أو خمسمائة ألف يتيم, رقم مهول, مذهل, مجتمع يتعرض إلى هكذا إبادة وانتكاسة نتيجة الظروف التي مرت, ماذا تتوقعون ما هي أحواله؟ ما هي ظروفه؟ ما هي التأثيرات النفسية والاجتماعية على مجتمع في أربع سنوات يقدم مائة ألف ضحية؟ بعضهم شهيد في هذه الجبهة, بعضهم في الجبهة الأخرى, ولكن هم كلهم مسلمين من بيئة واحدة في هذا القتال وفي هذه المعارك, جيوش الأرامل والأيتام, خراب ودمار, محنة وألم كلها هذه مضاعفات هذه الحروب الطاحنة وريثها الإمام الحسن المجتبى جاء على ركام هذه الظروف النفسية والاجتماعية المعقدة.

الهزيمة النفسية والانكسار المعنوي

ثانياً: الهزيمة النفسية, الانكسار المعنوي الذي أصاب الأمة بعد كل هذه الضحايا, والحروب التي ظاهرها كان انتصار للآخر ليس لهم, كلها كانت انتكاسات عسكرية في ظاهر الأمر وفي صورة القضية, مما ولد حالة من الرعب, والخوف, والآثار النفسية, والانكسار الشديد في نفوس المسلمين, هذه أيضاً مشكلة كبيرة واجهها الإمام الحسن المجتبى.

نحن لاحظنا في 2014 عندما دخلوا الدواعش ووصلوا إلى أسوار بغداد, وجاءت قصة سبايكر وغيرها والذبح والقتل وحالة الرعب التي صارت عند الناس, أين تذهبون؟ كيف ستمضي الأمور؟ الإنسان لا يسلم على عرضه, لا يسلم على ماله, لا يسلم على روحه, هذه الحالة كانت في ذلك المجتمع, وكان على الإمام المجتبى أن يتعامل مع هكذا وضع.

المؤامرات والاتهامات

أيضاً في الوضع الاجتماعي, المؤامرات, الاتهامات, وهي أمر طبيعي من مضاعفات الانكسار, الإنسان المنكسر, الجماعة المنكسرة, الشعب المنكسر يكون شعب سلبي, يتعاطف ويتفاعل مع كل سلبية, ومع كل كلمة, اتهامات كاذبة يصدقوها, إدعاءات باطلة يقبلوها, صراعات, شبهات, تسقيط, الشعب يتفاعل مع كل هذه الأشياء, كانت حرب إشاعات يقودها جيش الشام بشكل واضح, شراء ذمم, الناس تباع وتشترى بسوق النخاسين, اختلال في التوازن في المعركة, ذلك الطرف منتصر منتشي عنده كل الإمكانات والأدوات العسكرية, النفسية, الإعلامية, وهذا الشعب منكسر ومرعوبة وخائف وتأكله الإشاعات والاتهامات والتسقيط وما إلى ذلك, هذه الحالة التي ورثها الإمام الحسن المجتبى.

تفشي الفساد المالي

رابعاً: تفشي الفساد المالي بشكل كبير جداً, أكبر شخص يُباع ويُشترى, قادة عسكريين يُباعون ويُشترون, يشترونهم, شخصيات وذوات يُباعون ويُشترون, دب الفساد في كل شيء, جيش الشام ومن يقف معه وصل إلى أن يذهب ليشتري زوجة الإمام الحسن ويطمعها بمال وجاه ومواقع وعلاقة زوجية مع معاوية لاحقاً حتى تدس السم للإمام في طعامه وهو ما فعلته, قُتل واستشهد الإمام الحسن المجتبى على يد زوجته بفعل تأثيرات جيش الشام والإغراءات المالية.

 جيش الإمام الحسن كان عنده قوات خاصة يسميها النخبة, في زماننا نقول: مكافحة الإرهاب, قوة النخبة, هؤلاء الذي عليهم المعول والمعتمد 12 ألف مقاتل, الإمام ملئ يده منهم, كان يفكر من يضعه قائد لهذا الجيش, قلب الوجوه رأى عبيد الله ابن العباس, كان والياً في اليمن ابن عم الإمام, عبيد الله ابن العباس عندما كان والي في اليمن جيش الشام أرسل مجموعة قتالية إلى اليمن جاءوا دخلوا إلى اليمن سألوا من الوالي؟ قالوا: عبيد الله ابن العباس, أين منزله؟ الناس من الخوف دلوهم إلى البيت, وهو غير موجود في البيت, دخلوا للبيت وجدوا زوجته واثنين من أولاده, ذبحوا الأولاد بالسكين أمام أمهم, الأم رأت أولادها يُذبحون جُنت, تركوها مجنونة وخرجوا, جاء عبيد الله ابن العباس رجع إلى بيته وجد أولاد مذبوحين وزوجته مجنونة, صار عنده ثارات خاصة مع جيش الشام, فالإمام الحسن رأى هذا أولاً: قائد عسكري مخضرم, ثانياً: ابن عمه, والنسب أحياناً يتحرك في هذه المسائل, ثالثاً: عنده ثارات شخصية مع جيش الشام, قال: هذا أحسن واحد أضعه قائد للمعركة في مقدمة الجيش, فوضعه قائد وأرسله, تقدموا إلى الحدود التي المتاخمة للعدو, بدئوا جيش الشام يشتغلوا عليه ويغروه بالأموال, وفي ذلك الوقت قائد الجيش هو يصلي الجماعة بجنوده, استيقظوا في الصباح الجيش أذنوا واستيقظوا ينتظرونه وأرسلوا أحداً ليناديه, فلم يجدوه, منتقل إلى صفوف الأعداء, إذا قائد النخبة يسلم نفسه وزوجة الإمام تتدخل بالمؤامرة وتسم الإمام من يبقى؟ بمن يقاتل الإمام الحسن؟ يأتي بملائكة من السماء؟ كيف يمكن أن يحسم هكذا معركة فيها هذا المستوى من الفساد, وتفشي ظواهر الفساد, والانكسار النفسي الكبير لدى المجتمع ولدى الجيش الذي يريد أن يقاتل فيه, فإذن الوضع السياسي ذاك, الوضع الاجتماعي هذا, وجاء الإمام بذل كل جهده من أجل أن يجمع المقاتلين للقتال ويصفهم للقتال فأرسل مقدمة الجيش مع عبيد الله ابن العباس وحل ما حل بهم, وفي مؤخرة الجيش في المدائن هنا في تخوم بغداد وجاء الإمام وصل إلى المعسكر في المدائن وهجموا عليه الخوارج وكادوا أن يقتلوه, جيشه ليس جيش العدو, هنا في المدائن, كاد البعض من جيشه أن يقتله, عشائر عربية أيضاً أدانوا غيرهم وأنقذوا الإمام, كلما أراد أن يعبأهم لا أحد يتحرك, ماذا عليه أن يفعل الإمام؟ إما أن يكابر ويصر, فعدد قليل من الناس سيقفون معه والبقية يغدرون به, أو يُقتل في الطريق على يد جماعته, أو يُؤسر من جيش الشام, وحينئذٍ لو يقتلوه وتنطفئ شجرة الرسالة والنبوة وامتداداتها, أم يطلقون سراحه ويقولون: يوم بيوم فتح مكة, حين دخل رسول الله وقال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن اذهبوا فأنتم الطلقاء) يطلقون سراحه ويقولون: الحسن ابن علي من الطلقاء, كم هي كبيرة على المسلمين وعلى تاريخنا الإسلامي, فكل الخيارات خيارات غير منتجة, ما كان للإمام إلا أن يقبل بالهدنة, ويمضي ليهادن معاوية بمعنى أن يعطي له الفرصة في أن هو يتصدى للخلافة في حياته, وما كان الإمام المجتبى حاول أن يحول هذا التحدي إلى فرصة, وهذه المحنة إلى منحة,

الشروط الخمسة للهدنة مع معاوية

فأرسل رسالة لمعاوية قال: (أنا مستعد أن أوقف المعركة والحرب بخمس شروط هدنة بالشروط الخمسة) ما هي الشروط؟ سأل, قال:

(الشرط الأول أن لا أناديك بإمرة المؤمنين) لا أقول لك: يا أمير المؤمنين, (ولا أشهد في مجلسك أبداً) لا تدعوني للشهادة في قضية مرافعاة, معاوية فكر قال: (أنا أضع نفسي بمكانه الحسن ابن علي لا يقول لي: أمير المؤمنين, هناك ألف أحد يقول لي: يا أمير المؤمنين, أنت لا تقل لي غيرك سيقول لي, فقال: أنا أوافق على هذه) وكأنه لم يلتفت أنه باشتراط أن لا خاطبه بإمرة المؤمنين, هذا يعني أنه لا أعترف بأنك أمير المؤمنين, يعني أنت لا توجد عندك شرعية, هذا كان مدلوله, سلب الشرعية من حكم معاوية, طبعاً معاوية شخصية يحترمها عدد من المسلمين ولهم وجهة نظر ونحن نحترم كل القراءات, هنا ننظر إلى الجانب السياسي والتاريخي في الموضوع, والحقائق التاريخية التي لا ينكرها أحد وهي حوارات جرت وهذه الهدنة والعهد والوثيقة هي وثيقة معروفة ومقبولة عند كل المسملين, فأنا لا أتحدث عن الجانب الخاص الذي يعني بعض المسلمين ويحترمون معاوية هذا شأنهم, لكن أنا أتحدث عن الجانب التاريخي وعن هذه الوثائق التي تمت ومداليلها, (شهادة لا أشهد) (لا تشهد غيرك تشهد), لكن تسجيلها في الوثيقة (أني لا أشهد يعني لا أراك عادلاً) عدم الشهادة واشتراط عدم الشهادة يعني (أني لا أراك عادلاً لذلك لا أشهد) فسُلبت الشرعية والعدالة بهذا الاشتراط وقبل به ومضى وثم بعد ذلك تبين له مداليل هذا الاشتراط, هنا يقول الإمام الحسن سلام الله عليه في أحدى خطبه يقول: (ليس الخليفة من دان بالجور) من حكم بالسيف والقوة والقهر, هذا ليس خليفة, هذا حاكم, يأتي واحد بقوة السلاح يأخذ الحكم يعمل انقلاب هذا قد يصبح حكام لكن ليس كل حاكم خليفة, الخليفة هو الذي يكون حكمه شرعي فيسمى أمير المؤمنين في إشارة إلى ذلك باشتراط, (وعطل السنن) الخليفة ليس من أدان بالجور وعطل السنن, (واتخذ الدنيا أباً وأماً) عجيب تعبير هذا من أمير المؤمنين, يقول: هناك ناس يتخذ الدنيا أباً وأماً, ابوك من؟ الدنيا, أمك من؟ الدنيا, أعز شيء عند الإنسان الأب والأم ولذلك عندما نخاطب رسولنا وأئمتنا نقول: بأمي وأمي, الأب والأم أهم شيء وأعز شأن للإنسان, البعض الدنيا أبوه وأمه, كل شيء لديهم دنيا, مستعد ان يضحي بكل شيء من أجل الدنيا, لا قيمة, لا مثل, كل مستعد أن يضحي به من أجل الدنيا, هذا الشرط الأول: (لا أقول لك أمير المؤمنين ولا تدعوني للشهادة) مداليله سلب الشرعية للحكم وتثبيت أن الحالة لا تتمثل فيها العدالة.

الشرط الثاني: قال له: (أن تعود الخلافة لي بعدك وأن لا تعهد بهذا الأمر لمن بعدك) ما دام هذا أنت تبقى حاكم بعد وفاتك تأتي إلي, إذا أنا لم أكن على قيد الحياة تذهب للحسين, ولا تعين أحد بديل عني من بعدك, أيضاً الرجل فكر قال: (إلى ذلك الوقت متى أموت من يعرف من يسمع من يقرأ ومن يكتب لأعبرها الآن ونفكك الجيش وبعد ذلك لكل حادث حديث) ولم يعرف أن هذا الاشتراط في الهدنة بهذه الطريقة تعني سلب الشرعية عن أي حاكمٍ يأتي بعد معاوية يوصي به ولذلك يزيد ابن معاوية من اليوم الأول كان عنده أزمة شرعية, لأنه هناك اشتراط ووثيقة وعهد فإناطة الأمر به قد تفقده الشرعية.

الشرط الثالث: (التخلي عن سب علي) وتعرفون كان يُسب علي ابن أبي طالب على المنابر, يُلزم الخطباء بسب علي, (التخلي عن سب علي وأن لا يُذكر إلا بخير) أيضاً الرجل فكر قال: (نحن مع علي كان عندنا مشاكل حروب وقتال الآن ذهب إلى ربه, فالآن ما بات يضرنا بشيء, نوقف السباب ونمدح علي على المنابر) ولم يعرف أن إيقاف الإساءة لعلي ومديح علي هو تثبيت لنهج علي, وشرعية هذا المنهج, وتخطئة المنهج السابق الذي حارب علي وقتل علي, عندما تترك من إساءة أحد وتبدأ بمدحه بعد عشرين سنة من السباب معناه أنت تخطأ نفسك, وتصحح المنهج الآخر, فكان يعني سلب الشرعية من المنهج الذي كان يسود في عشرين سنة وتثبيت شرعية ومنهج علي عليه السلام.

الشرط الرابع: قال: (أن تنصف أهل الكوفة وعوائل الشهداء في الجمل وفي صفين) الآن في بيت المال في الكوفة هناك خمسة ملايين دينار من الذهب, هذه لا تسحبها نريد أن نصرفها على أهل الكوفة, ونريد فوقها مليونين دينار من الذهب أخرى, ومليون دينار لعوائل الشهداء من الجمل وصفين, أيضاً الرجل فكر وقال: (إذا حصلت الحكم والمعارض الوحيد يترك ويذهب ويجلس في الكوفة فما قيمة الملايين؟) ما كان عنده أزمة مال, ولا هذه السبعة مليون كانت تمثل مشكلة بالنسبة به ولوضعه الدولة الاقتصادي آنذاك, قال: (أقبل) ولم يعرف أن تعويض المتضررين, وتسليم الأموال لهم يعني تخطئة قتلهم, والمنهج الذي أدى لقتلهم واستهدافهم, هذا تعويض الضحايا إعطاء الشرعية لهذا الضحية, هذا شهيد, الدولة دائماً تعطي أموال للشهيد بمعنى أن هذا مظلوم وعلى حق, وقتلته كانت باطلة فتعطيه, فتعويض الضحايا كان يحمل في طياته شرعية المعركة وأنهم شهداء وأنهم كانوا على حق, انتصار لمشروعية الحروب التي خاضها علي عليه السلام بهذا الاشتراط.

الشرط الخامس: (عدم ملاحقة المعارضين من أتباع علي عليه السلام في الشام, في اليمن, في العراق, في الحجاز, وأن لا يساءلوا لماذا اعترضوا عليك سابقاً, أن لا يُضغط على عوائلهم, أن لا تُهدم دورهم, أن لا تُصادر أموالهم) أيضاً الرجل فكر قال: (حرب وانتهت ليبقوا ليس لدي مشكلة, انتهت القصة ما دام ثبت لي الحكم) وهذا وفر بيئة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وتنظيمه والعودة من جديد والتهيؤ لثورة الإمام الحسين ولو بعد حين, هذا شرط مهد لترتيب البيت الداخلي وعودة الانسجام والقوة بعد تجاوز الانتصار النفسي والحالة التي ظهرت في ثورة الإمام الحسين وما بعده المختار, وغيره من الثورات التي أسقطت حكم بني أمية, ولو بعد حين.

فتلاحظون خمس اشتراطات ظاهرها بسيط, لكن كانت تمس بالعمق, وبالصميم مشروعية ذلك المنهج وتثبت مشروعية المنهج الآخر, هكذا استطاع الإمام الحسن في أحلك الظروف وأصعبها أن يحول التحدي إلى فرصة, كم نحن بحاجة اليوم إلى أن نتعاطى بهذه الحكمة الحسنية, بهذا المنهج الحسني في إدارة أوضاعنا وفي تحويل التحديات إلى فرصة.

في ظل التصعيد الخطير الذي نعيشه في هذه الأيام في المنطقة, والجميع يحبس انفاسه ويترقب أين ستكون وإلى إلى أين تتجه الأوضاع في الصراع الأمريكي الإيراني؟ نعتقد علينا أن نقوم بخمس خطوات:

الخطوات الخمسة التي يجب علينا القيام بها تجاه التصعيد الامريكي الايراني

أولاً: العمل على تجنب الحرب, وأن لا تكون هناك حرب في المنطقة هذا يُمثل أولوية قصوى يجب أن يمثل أولوية قصوى في سياستنا العراقية, العمل الجاد لمنع حدوث ونشوب أي حربٍ في المنطقة, هذا ما يجب أن نعمل عليه بشكل واضح, لأن الحرب لو وقعت ستمتد شرارتها بسرعة إلى كل دول المنطقة, بل وستتجاوز المنطقة إلى مساحات أخرى وقد تتحول إلى حرب عالمية, طبيعة الصراع الإيراني الأمريكي والأوراق والأدوات المتاحة في هذا الصراع قد تؤدي إلى اتساع رقعة الحرب بشكل سريع بما يحمل من خراب ودمار وضحايا وإشكاليات كبيرة, والعراق أكثر البلدان تضرراً من هكذا حرب لو حصلت لا سامح الله, أول المتضررين وأكثر المتضررين قلتها سابقاً وأقولها الآن والدليل لاحظتم خلال اليومين السابقات بعض السفارات وبعض الدول قللوا من موظفيهم سحبوا بعض شركاتهم وأعلنوا عن ذلك, هذه الدول عندها بعثات دبلوماسية في طهران لم تسحب موظف واحد من طهران سحبتهم من بغداد, هذا معناه العالم كله يقرأ أن هذه الساحة ساحة هشة ويُمكن أن تكون ساحة لهذا الصراع على نطاق واسع, ولذلك العراق أول المتضررين وأكثر المتضررين من أي حرب تحصل من هذا النوع, مثل هذا الحرب ستأخذ أبعاد مختلفة سيأتي الآخر ونعن نعرف أن هناك الأمين المتشدد الذي يقود هذه المعارك وسيستذكر الحروب الصليبية ويعتبرها حروب صليبية بين المسيحية والإسلام, وهناك من سيأتي ويُنعش الذاكرة من جديد والنعرات المذهبية والطائفية ويُعطيها لبوس طائفي في داخل المنطقة, وهناك من يعطيها لبوس قومي, وهناك من يعطيها لبوس جغرافي, وهناك من ينبش التاريخ ويعطيها أبعاد تاريخية أوسع من واقعها, لذلك يجب أن يكون شعارات لا للحرب, وأن نعمل جاهدين بكل ما أوتينا من قوة لمنع حدوث ونشوء مثل هذه الحرب, هذه الحرب لا يستفيد منها أحد, لا الولايات المتحدة تستفيد, ولا الجمهورية الإسلامية تستفيد أو تريد, ولا أي بلد في المنطقة يستفيد, ولا أي بلد في العالم يستفيد ستكون خسارة للجميع وهذا لا ينفيه أحد, كل طرف يقول: أنا استطيع أن أؤثر في الآخر وأعمل به كذا وكذا) إذن تستطيع لكن أنت ماذا يفعلون بك؟ هذا يُخرب ذاك, وذاك يخرب هذا, وثم يمتد الحرب والمنطقة كلها تنهدم, من المستفيد؟ لا أحد مستفيد, أنا لا أعرف أحد سيستفيد إلا الكيان الإسرائيلي, إسرائيل البلد الوحيد الذي سيستفيد من هذه الحرب, وفي داخل إسرائيل هناك من يتحفظ على الحرب, ويعتقد أنها لا تخدم حتى إسرائيل, لكن القيادة السياسية في إسرائيل تريد الحرب, ما سواها أن لا أعرف مستفيداً في المنطقة والعالم لذلك الخطوة الأولى: العمل بتجنب هذه الحرب بأي ثمن, الخطوة الثانية: تتفرع على الأولى: إسكات المتشددين من جميع الأطراف, هناك من ينفخ في هذه النار, ويصعد التصريحات في ظروف ملتهبة تمثل خطر عظيم وكبير, في هكذا ظروف ملتهبة وتصعيد لا نحتاج إلى إبراز عظلات, ولا نحتاج إلى أن يكون ملكي أكثر من الملك, ولا نحتاج إلى نبرة تشدد من أحد, يجب أن نعمل جاهدين على تخفيف هذا الاحتقان.

ثالثاً: شعار (العراق أولاً) مصلحة العراق أولاً, المصلحة الوطنية أولاً, يجب أن كون هو الأساس في تحديد مساراتنا وبوصلتنا وسياستنا وخطواتنا, ماذا يخدم العراق نحن كعراقيين؟ ومن مصلحتنا تجنيب المنطقة أي حرب, ومن مصلحتنا أن لا يكون هناك تصعيد, ومن مصلحتنا أن ننصح الجميع بحل هذه المسألة بطرق سلمية, إلى غير ذلك, لكن المصلحة الوطنية يجب أن تكون أولاً في كل الخطوات.

رابعاً: ضرورة الحد من التخوين, والاتهامات, والتسقيط, مشكلة بين بلدين لها جذور عميقة تتحول إلى انقسام داخلي عراقي, هذا يتهم ذاك ويقول: أنت أمريكي, وهذا يتهم ذاك ويقول: أنت إيراني, العراقي يضيع, حذاري من أن يخون بعضنا بعضاً, حذاري من أن يتهم بعضنا بعضاً, لنبقى متماسكين وموحدين ضمن مقاسات المصلحة الوطنية العراقية, فهذا هو الذي يحفظنا ويساعدنا على تجنب المنطقة الحروب.

خامساً: استراتيجية الوسيط لا الوسط, الوسيط, العراق عنده علاقة مهمة مع الطرفين, يجب ان نعمل ليكون لدينا دور الوساطة الحقيقة بين البلدين لمنع نشوب هذه الحرب, البعض يقول: العراق لا يستطيع أن يكون سيط ليس لديه مقومات الوسيط هذا خيال, أقول: ليس خيال هذا حقيقة, العراق قادر على لعب الوسيط, لكن عليه أن يثق بنفسه, يثق بإمكاناته, يوحد موقفه, يتماسك داخلياً, يستطيع أن يلعب دور, أذكركم قبل الاتفاق النووي من كان يُصدق أن سلطنة عمان أن تلعب دور وسيط بين إيران وأمريكا؟ مع احترامنا الكبير لسلطنة عمان, لكن موقعها ودورها ووضعها وسكانها تأثيرها كل شيء من كان يُمكن أن يتصور هذا الشيء؟ لكن حصل, إذا كان سلطنة عمان بإمكانها أن تلعب دور الوسيط, العراق لا يستطيع؟ بكل إمكاناته الكبيرة؟ وعلاقاته المتشعبة؟ ومصالح الأطراف معه؟ لا, هذا أمر ممكن وصحيح, لكن يحتاج إلى ثقة بالنفس والقدرات والإمكانيات والحضارة والتاريخ والفرص, واستثمارها بشكل صحيح, وعلينا أن نستثمر العلاقات البناءة للعراق مع الطرفين, أقولها بوضوح: أن سياسة اللا موقف لا تستطيع أن تبني موقف, لا نستطيع أن نبني موقف على أساس اللاموقف, يجب أن يكون لنا موقف وهو أن نتوسط في هذه العلاقة ونمنع من نشوب هذه الحرب وحصولها, ولذلك أدعوا الحكومة ومجلس النواب لاتخاذ كل الخطوات الممكنة لتحقيق هذه الوساطة, والقوى السياسية داعمة ومساندة للدولة بحكومتها وبرلمانها للقيام بمثل هذه الأدوار وكلٌ من هذه القوى أيضاً تمتلك علاقات مهمة ويجب أن تُستثمر في هذا الإطار وفي هذا السياق لنبعد شبح الحرب ومضاعفاته عن المنطقة وعن العراق.

ما الذي تحقق من البرنامج الحكومي

 مضى سبعة أشهر على تشكيل هذه الحكومة, ونحن أمام برنامج حكومي قدمته الحكومة في يوم منح الثقة, فيه أرقام تفصيلية وهو يُسجل لها, برنامج حكومي 120 صفحة, في كل قضية قالوا: هكذا سنعمل, ووضعوا توقيات زمنية خلال ثلاثة أشهر, خلال ستة أشهر, كلها موقتة بتوقيتات, نخاطب حكومتنا الموقرة نقول: بعد سبعة أشهر منح حق الرأي العام العراقي, من حق مجلس النواب العراقي, من حق القوى السياسية التي دعمت هذه الحكومة وإن لم تشارك فيها, ومن حق القوى السياسية التي شاركت فيها, من حق الجميع أن يطلع كم من الوعود تم الوفاء بها؟ وضمن أي أسقف زمنية, وكم هي الوعود التي لم يتم الوفاء لها ولماذا لم يتم الإيفاء بها؟ ولماذا لم تستطع الحكومة أن تحقق؟ ومتى ستحقق؟ وما هو الجدول الزمني الجديد إذا كانت الأسباب مقنعة في عدم تحقيقها؟ يجب أن يكون هناك توضيح لكل فقرة فقرة ونتمنى من الحكومة الموقرة أن تصدر توضيح بـ120 صفحة لكل فقرة ماذا وعدت, وما هو السقف الزمني, وكم تنفذ, ومن الذي لم يتنفذ ولماذا لم يتنفذ ومتى سينفذ؟ هذه مسائل يجب ان تكون واضحة, والشعب يعرف ليقدر ويشكر الوفاء بالعهود حين يتم الإيفاء بها, ويعاتب على التلكؤ إن كان هناك تلكؤ وهناك تلكؤ في هذه اللحظة, هناك تلكؤ في بعض الأمور لكن يجب ان تتحدد بوضوح ويتحدد أسبابها ويتحدد التوقيتات الجديدة للإيفاء بها, وهذا ما يفترض ان يكون.

ونسأل الله سبحانه وتعالى النجاح والتوفيق لهذه الحكومة ولشعبنا وأمتنا. أسأل الله أن يتقبل من صالح الأعمال ويتقبل منكم في هذه الليلة الشريفة وبهذه المناسبة العظيمة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.