بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين..

سيادة رئيس مجلس النواب...اصحاب السيادة والمعالي والسعادة

الاخوة والاخوات .. السادة والسيدات المحترمون

احييكم اجمل تحية واشكر لكم حضوركم واهتمامكم بهذا اليوم الكبير والمناسبة الكريمة.

يسعدني ويشرفني أن اخاطبكم واخاطب من خلالكم نساء وطني خصوصاً، ونساء العالم عموماً في اليوم الاسلامي لمناهضة العنف ضد المرأة، وهو اليوم الذي يصادف ذكرى دخول سبايا آل الرسول (ص) من النساء والاطفال الى الشام، لتسجل أوضح مصاديق الانتهاك والتعنيف الذي مورس بحق أبناء الأنبياء في التاريخ الانساني، وكان عزيز العراق الراحل السيد عبد العزيز الحكيم (قدس)

قد دعى لاعتبار الأول من صفر يوماً اسلامياً لمناهضة العنف ضد المرأة، وقد أقر مجلس الوزراء ذلك .

إننا نعتمد في منهجنا حيزاً واضحاً للمرأة، وهذا الاعتماد يتكامل فكراً وتطبيقاً، اذ نسعى لرسم مكانة عادلة للمرأة في المجتمع، تتناسب مع التزاماتها الشرعية والانسانية حيث التكاملية في الادوار بين الرجل والمرأة والشراكة الإنسانية الكاملة، ويبقى الاختلاف بينهما محصوراً في طبيعة المهام الموكلة لكل منهما، التي تبتني على مبدأ التمايز وليس التمييز، وتعدد الادوار والمهام وليس تفضيل البعض على الآخر . ويصل التكريم الانساني للمرأة في الرؤية الاسلامية مستوى يجعلها نفساً مشتقة من نفس الرجل، فيقول عز من قائل (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ) (الروم  - 21).

هنا يوضح الخالق (جل وعلا) للمجتمع الإنساني أن هذا الكائن المخلوق من نفس واحدة، هو الوعاء الحقيقي للمودة والرحمة الإنسانية والاجتماعية، من هنا تنطلق رؤيتنا للحياة ولدور المرأة فيها، فنحن لا نؤمن بنظرية الأنصاف القائلة بأن المرأة نصف المجتمع، وإنما نؤمن بنظرية التكامل بين الجنسين، لأنه بدون المرأة لا يوجد مجتمع أصلاً، فهي المجتمع كله، لأنها تمثل نصف المجتمع وتسهم في وجود النصف الآخر، وبدونها لا تتحقق الاستمرارية والتوازن والثنائية الرائعة التي وضعها الخالق أمام مخلوقاته. قال تعالى (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (الذاريات - 49)

من هذا الفهم الإسلامي تنطلق رؤيتنا لتحديد مكانة المرأة في المجتمع، وهي رؤية الإسلام المنفتحة التي تجعل المرأة في موقعها الطبيعي،

ويتم التركيز على طبيعتها الانسانية المرهفة والمرأة حالها كحال الرجل في التكوين الإنساني، فتشترك معه في الانسانية وما يترتب عليها من التزامات وحقوق، وتتمايز عنه في الأنوثة وما يترتب عليها من التزامات وحقوق ولذلك فهي بحاجة الى الثقة بنفسها وإيمانها بما تفعل وبالدور الذي تقوم به والاهداف التي تضعها أمامها في الأثراء البناء والمساهمة الجادة في التنشئة الصحيحة وتكريس القيم والأعراف السليمة في السلوك والممارسة، فإنَّ أساس الإحباط للمرأة ينشأ من ضبابية الأهداف وعدم وضوحها واهتزاز الثقة بنفسها وكيانها جرّاء تاريخ طويل من الظلم والتهميش . ومن هنا كان جوهر المنهج الاسلامي الأصيل هو التركيز على منح المساحة الملائمة والمميزة للمرأة، من خلال الرموز النسوية المؤثرة في جميع الاحداث المفصلية الكبرى في حياة البشرية، فنجد المشاركة والتكامل والثنائية بوضوح في جميع هذه المحطات،

 فإذا قلنا موسى (ع)  فهناك آسيا بنت مزاحم زوجة فرعون، واذا قلنا عيسى (ع) فهناك مريم العذراء سلام الله عليها، واذا قلنا الرسول محمد (ص) نجد الى جانبه أم المؤمنين خديجة، واذا قلنا علي (ع) نجد الى جانبه فاطمة، واذا قلنا الحسين (ع) نجد الى جانبه الحوراء زينب سلام الله عليهم اجمعين، هذه الرمزية النسائية لم تكن ثنائية اجتماعية أو انسانية فحسب ، انما كانت رمزية تكاملية ومشاركة في المنهج والمشروع والاهداف، وانحصر الاختلاف في الوسائل والأدوار. هذا هو منهجنا ورؤيتنا لدور المرأة ومكانتها، وهذه هي الرؤية الاسلامية السليمة والبعيدة عن التجهيل والتحريف. فالإسلام في قرائته الصحيحة والسليمة اعتمد في بنائه المجتمعي على المرأة بوصفها ركيزة اجتماعية أساسية ومؤسسة للمجتمع، ولم يتعامل معها على أنها عنصر ثانوي أو اضافي،

وقد أناط بها دوراً مهماً وحساساً في بناء المجتمع، في بعدها الرسالي والعقيدي والانساني، وهي مؤهلة لأداء مهامها، بدءاً من المجتمع ومؤسساته مروراً بالدولة، وصولاً الى ادوارها في الحياة السياسية والتنفيذية.

وتترقب المرأة العراقية أدواراً كبيرة ومهمة، ولكنها للأسف ليست مفعلة حتى الان، ورغم المناخ الديمقراطي الذي تعيشه العملية السياسية في وطننا، إلا ان النظرة القاصرة بحق المرأة ما زالت هي السائدة في العديد من الاوساط، وحتى داخل التيارات السياسية فأن التعامل مع واقع المرأة انحصر في مفهوم الكوتا البرلمانية واستثمار وجودها كرقم برلماني مضمون !، وهو يدل على مستوى القصور في النظرة السياسية للمرأة ودورها ومساحتها، وما زلنا محشورين بتصوراتنا التقليدية الضيقة.

إن رؤيتنا الإسلامية ومنهجنا السياسي يدعمان بقوة فكرة انشاء مجتمع يرتكز على وجود المرأة وفق معايير تمنع من التجاوز على خصوصيتها كامرأة وأم ومربية وزوجة، فالمرأة العراقية فتحت امامها كل المجالات الانسانية والاجتماعية وجميع مواقع المسؤولية، ويبقى الدستور هو الحافظ والضامن لحقوقها، ولكنه يبقى قاصراً في حمايتها ومراعاة خصوصيتها وصيانة حقوقها ما لم يدعم بجملة من التشريعات والضوابط التنفيذية والأدوات القانونية الرئيسة . إن مفهوم العنف ضد المرأة لا يقتصر على الممارسة البدنية القاسية من الضرب والاعتداء أو المهانة المعنوية، وانما يشمل أيضا منع الحقوق التي فرضها الله سبحانه وتعالى للمرأة، واذا كان الضرب والاعتداء البدني والتعنيف المعنوي يمثل صورة همجية من صور التعامل بين البشر، قد يعود بالضرر والأذى المباشر على المعتدى عليه،

فان منع الحقوق يؤثر بدون شك بشكل سلبي وكبير في المجتمع ويمنعه من التقدم والتكامل، وهو امر يرفضه الإسلام، وترفضه جميع الاعراف الانسانية والقوانين الوضعية.

اننا ندعو الى حملة وطنية لأجراء إحصاء خاص بالمرأة، فالحقوق تحتاج الى معرفة، والمعرفة تحتاج الى احصاء، وادعو منظمات المجتمع المدني المهتمة بشؤون المرأة الى أخذ زمام المبادرة والقيام بهذه الحملة، ومساعدة الأجهزة الحكومية التي تعاني من الاجراءات الروتينية المعرقلة، وعدم الالتفات الى الحساسيات السياسية التي قد تعرقل أي مشروع يكون الهدف منه معرفة المجتمع بحقيقة الأوضاع التي يعيشها . إننا نعيش في وطن هو بأمس الحاجة الى تنمية إنسانه قبل أي تنمية أخرى، ولا يمكن لمجتمع أن ينمو وفيه المرأة مكبلة ومنكسرة ومصادرة في حقوقها،

وقد يقول قائل إن التحديات كبيرة والاولويات كثيرة ، وإن قضايا المرأة ليست أولوية، ولكننا نقول إنها اولى الاولويات، لأننا نؤمن إيمانا راسخاً بأن بناء المواطن الصالح ينطلق من بناء المرأة الواعية، وأن ترسيخ مفهوم المواطنة يبدأ من ترسيخ مفهوم العدالة الاجتماعية، ولن تتحقق العدالة الاجتماعية إلا بإنصاف المرأة، لأنها الركيزة الأساسية للمجتمع .

ان دور المرأة الاكبر هو تنشئة الاجيال على المستوى النفسي والوطني .. ازرعوا فيهم حب الوطن وعرفوهم بمحاسن العراق فالوطن بحاجة لهم .. نحن بأمس الحاجة لأجيال تحب وطنها وشعبها وتاريخها وتحلم وتفكر وتسعى لتغيير ما فيه نحو الاحسن وهذا لايحصل الا من خلال التنشئة الصحيحة في البيت والمدرسة والمجتمع.

الخطر الاكبر هو أن نفقد اجيالا اخرى بسبب الاحباط او ضعف الشعور الوطني .. فالاجيال الواعدة وشباب العراق الغيارى هم الذين سيصنعون العلامات الفارقة والمستقبل المنشود ومن دونهم علينا ان لانتوقع المعجزات. ان بلادنا مرت بأزمات أمنية واقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية حادة لعقود من الزمن و لم تتجاوزها الا بالتماسك الاسري والمجتمعي وعلينا ان نحافظ على هذه الميزة كي نتجاوز ما تبقى من آلامنا وجروحنا نحو مستقبل آمن ومستقر ومزدهر .

ان ارتفاع نسب الطلاق بحسب الاحصائات الرسمية خطر داهم يستهدف نقاط قوتنا العراقية التاريخية في تماسكنا الاسري، وعلينا ان نتذكر دوما بأننا تجاوزنا ازمات اكبر بكثير مما نمر بها بتكاتفنا و ألفتنا وصمودنا  الجمعي .

لاتزال الحكومة تعاني من ضعف واضح في بناها بعد مرور ما يقارب من سنة من تشكيلها من حيث اكتمال الكابينة الوزارية ومن حيث تماسكها وفاعليتها، فوزارة التربية لاتزال شاغرة والصحة التحقت بها بفعل استقالة الوزير التي لم تكن الاولى من نوعها . ومن المؤسف ان يعلن وزير بهذا الحجم في الحكومة العراقية تعرضه الى ضغوطات ومضايقات من مافيات فساد مستشرية في واحدة من أهم القطاعات الخدمية التي لها مساس مباشر بالمواطن ويمر ذلك مرور الكرام و بردود فعل محدودة.

كان من المتوقع ان تشكل استقالة وزير الصحة صدمة مدوية تحرك المياه الراكدة في الحكومة لا أن تنتهي بإجازة تفكير مفتوحة !.

اننا ندعو الحكومة الى الالتزام الكامل بالبرنامج الحكومي الذي قدمته وصادق عليه مجلس النواب

واعتباره شاخصاً اساسياً في تقييم ادائها كما نشدد على ضرورة  البدء بتفكيك مافيات الفساد المستشرية في القطاعات الخدمية كأولوية قصوى وبشكل مركز بفعل مساسها المباشر بحياة المواطنين .

كما نجدد ادانتنا واستنكارنا لأستخدام العنف في تفريق التظاهرة السلمية لذوي الشهادات العليا في بغداد وهي خطوة خطيرة لا تتناسب مع السلوك الديمقراطي

(فقمع النخبة نكبة) ونحمل الأجهزة الحكومية المختصة مسؤولية حماية المتظاهرين وندعوها لوضع الحلول والمعالجات المنطقية لمطالبهم ونعلن عن تضامننا مع أبناء شعبنا في مطالبهم المشروعة وهمومهم ومعاناتهم اليومية.

 ان ما لاحظناه في الاونة الاخيرة هو استعانة الحكومة العراقية بلجان وخلايا وشخصيات ثانوية او ظلية

تحل محل العديد من المؤسسات والوزارات الحكومية من حيث القرارات والمتابعات والتنفيذ ونعتقد ان ذلك يشكل خطورة على المدى المتوسط والبعيد.

الاولوية الاولى للحكومة تتمثل في إصلاح وتقوية وتقويم المؤسسات الحكومية وليس اهمالها او تجاوزها او الاستعاضة بغيرها ، وما يحصل مؤشر خطير يدل على عجز الحكومة في الادارة والمسك ولجوئها الى تقزيم الملفات والتوزيع العشوائي للصلاحيات بدلا من التغلب على الاشكاليات وتفكيك الازمات وفق سياقات واضحة و خطط محكمة .

ان الاهتمام بجميع المحافظات العراقية بشكل عادل ومتوازن هو الاساس الصحيح الذي يجب ان تسير عليه الحكومة بعيداً عن الانحياز والتسييس والمجاملات . نجدد دعوتنا الى وجوب الاهتمام بالمناطق المحررة ومناطق المحررين من كردستان ووسط العراق وجنوبه بشكل متوازن وبمحافظات العراق اجمع وفق سياق واضح و مدروس . الكل يجب ان يشعر بأنه مواطن من الدرجة الاولى في هذه البلاد ولانقبل بأي طبقيات جديدة تمس العدالة الاجتماعية.

ارتفاع نبرة الطائفية والمناطقية والقومية والمزايدات مع اقتراب موعد انتخابات مجالس المحافظات ظاهرة خطيرة يجب ان تكافح مادمنا في بداية المشوار الانتخابي . سنقف في تيار الحكمة الوطني موقفا حازما من اي محاولة تصعيد طائفي او قومي يهدف الى ضرب الوحدة الوطنية لمكاسب عابرة و زائلة . وحدة العراق والعراقيين حفظت عبر تضحيات جسيمة قدمها ابناء العراق من كل المذاهب والأديان والقوميات وعلى الجميع اعتبار هذه الوحدة خطا احمرا لايجوز المساس به .

من هنا ادعو مفوضية الانتخابات الى وضع لوائح صارمة باستبعاد المرشحين والقوائم التي تتخذ من النبرة الطائفية و الأثنية وغيرها مشروعا انتخابيا لكسب الاصوات على حساب دماء العراقيين ولحمتهم.

  ان المؤشرات الاقتصادية الداخلية والخارجية تشير الى ان العراق يواجه عجزا ماليا كبيرا وديوناً متراكمة وادارة خاطئة ولايزال يسير في احادية ريعية واحتكار حكومي واسع. والنهضة الخدمية والعمرانية الكبرى بحاجة الى سياسة اقتصادية تعالج هذه الازمات المعقدة والمتراكمة والتي ترقى الى مستوى خنق العراق وقتله البطيء .. وفي الوقت الذي نرحب فيه بأنفتاح العراق على الاقتصاديات العالمية الكبرى نحذر من اللجوء الى استثمارات واسعة دون غطائات مالية واضحة للتسديد مما يعرض مستقبل الأجيال العراقية الى الخطر ويرهن الثروة الوطنية

ويخاطر بالسيادة العراقية ... كما وندعو الى علاقات اقتصادية دولية متوازنة.

نتمنى ان  نشهد في القريب العاجل عراقاً مستقلاً ومستقراً ومزدهراً يحقق مصالح مواطنيه ويوفر لهم الخدمات ويضمن لهم الحقوق ويشعرهم بالرعاية والأهتمام ، كما ونتمنى ان تشهد المرأة العراقية مزيداً من الامان والفرص والادوار على جميع المستويات ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته