إنّ صراع الدولة واللادولة بدأ منذ ان شهد العراق تغييرات جوهرية في نظام الحكم , وقد شهدنا اشكالاً مختلفة ‏من الحكومات تمظهرت بمظاهر عديدة, منها دولة المكونات ودولة الاحزاب وفي الغالب كانت ترتكزُ على ‏تقسيمات فئوية أدت الى ضعف في منظومة الدولة المنشودة بعد التغيير ، وصولا الى هذا المقطع الزمني ‏الذي سيكون نقطة التحول القادم في حسم هذا الصراع ؛ فإما الدولة أو اللادولة, ومن هذه النقطة ستبدأ ملامح ‏الدولة بالتشكّل والنضوج. ‏

إنَّ دولة المؤسسات, هي القاعدة التي انطلق منها المشروع السياسي لشهيد المحراب, وقد لخّص هذه الرؤية بمقولات ‏عديدةٍ ابرزها ؛ رفض الحاكم العسكري والوصاية الدولية, ورفض استبدال ديكتاتور بآخر , والمضي في دولة المؤسسات ‏المبنية على رأي الشعب. وأن هذه الدولة هي التي يمكن أن تحققَ شرطَ العدالةِ الاجتماعية وتنهي ظاهرةَ التقسيمات بكل اشكالها وتبريراتها . ‏

بيد انّ ذلك الهدف, لم يكن مفهوما من قبل بعض الشركاء, او ربما كان مصنّفاً ضمن خانة الشعارات, ولم ‏يؤخذ به, فكان المنهج, عبارةً عن تأسيس سلطات بعيدة عن مفهوم الدولة. ‏

لقد استثمرت بعض الحكومات المواقعَ لأغراضٍ ضيقةٍ , ولاسيما انّ بعض الممارسات التي اتبعتها تلك ‏الحكومات والوزارات كانت ظاهرياً تسعى لخدمة الشعب غير،  انها على المدى البعيد لم تكن تفعل سوى مزيد من ‏الانهيار للدولة ، وقد تكلمنا عن هذه الحقيقة مراراً وبوضوح كامل , ولاسيما بعد الاستقرار النسبي الذي شهدته الساحة العراقية ‏في العام 2010 والذي مثّل فرصةً حقيقيةً لفرض دولة المواطنة.

لكنّ الضجيج المعروف كان يغطي على المشاريع ‏الكبرى, وبالتالي وقع ما كنّا نحذِّرُ منه بعد أقل من دورة انتخابية .

وفي هذا المقام لابدّ من التفريق بين مصطلحين يترددان بشكل دائم في مشهد اليوم : ( الصالح العام ‏والرأي العام) فطيلة التجارب السابقة التي اشرنا اليها كان الاول ينسجم مع ما ذهبنا إليه ، وكان الثاني يتماشى مع توجهاتٍ تعاكس اطروحاتنا لسبب أو لآخر ، وهو ‏موقفٌ سرعان ما انقلب على نفسه وبات يتبنّى مواقفنا تلك ، ولكن بعد فوات الأوان .

إنَّ مصالح البلدان بحاجة إلى استقراءٍ موضوعيٍ وجرأةٍ ملموسةٍ في إبتكار الحلول . ونتيجةً لإدراك هذه الحقيقة, فقد طرحنا ‏مبكراً مفهوم ( الدولة العصرية العادلة ) في الوقت الذي كانت الازماتُ تشتدُّ والخطابات التقسيمية هي التي تتسيد المشهد . ويقوم هذا المفهوم (الدولة العصرية العادلة ) في فكرته الأساسية على تحقيق مشروع دولة المؤسسات, مع الأخذ بالاعتبار ‏المستجدات التي طرأت وتطرأُ على المشهد العراقي برمته, بما يضمن تحقيق المساواةِ بين الجميع . ‏

إنَّ مبدأَ المساواة الذي يشكّلُ نواةَ مفهومِ "الدولة العصرية العادلة", سيحقق بالضرورة سيادة الدولة, ومن ثم فإنه سيؤدي قطعاً إلى تراجع  "اللادولة" وانحسارها عملياً ونظرياً ، وهنا ستغادر البلاد مرحلة "الوعي المشوّه" الذي ترتكز عليه بعض ‏المشاريع الانتخابيةِ التي تجدُ في الانقسامات الطائفية والقوميةِ مادَّتها الرئيسة كما كان ذلك ينعكسُ بشكل واضحٍ في الحملاتِ الدعائية . ‏

وعلى الرغم من ذهاب بعض الآراء الى غياب إمكانية قيام الدولة في ظل التخندقات الطائفية والقومية ، وحيثُ تتأكدُ هذه الحقيقة مع ارتفاع مناسيب الخطاب التقسيمي ووسائل تكريسه في الشارع ، إلّا أنَّ إمكانية قيام الدولة تشهدُ فرصةً كبيرةً ومهمةً مع تراجع أسهم الخطاب الطائفي الضيق ورفضه من قبل الجماهير .

وخصوصاً عند الأخذ بنظر الاعتبار ‏المقومات الهائلة والاستثنائية التي يمتلكها العراق سواءٌ على المستوى الاقتصادي أم السكاني ام الجغرافي والبعد الجيوسياسي بشكل عام .

إنّ استثمار تلك المقومات بما يخدم مصلحة الدولة ، سيفضي بالضرورة الى صعود سياسيٍ اقليميٍ يشهده البلد , ‏فالعراقُ هو الدولةُ الوحيدةُ التي يمكن ان تنتهي فيها خلافاتُ دولِ المنطقة وصراعاتها . وهذه الميزة الفريدة ‏لن تتحقق إلّا حينَ يقررُ العراقيونَ أنفسهم أن يتحولوا ببلدهم الى دولة . ‏

ولعل أبرزَ تحديات قيام الدولة تكمنُ في التشبث بالنتائج السريعة التي تلامس العواطف ولكنها سرعان ما تقوّض قيام دولة قوية ومقتدرة ، إذ تبقيها اسيرةَ المصالح الحزبية والفئوية التي تؤدي الى نشوء دويلات متعددة ‏الولاءات والأهداف ، وهو ما نصطلح عليه بــ(اللادولة).

ونعودُ لنؤكدَ هنا بأنَّ علينا اولا ضمان احتكار الدولة للسلاح, وتحوّلها إلى ‏سقف يضمُّ جميع القوى والفعاليات السياسية والمجتمعية ليبقى ايُّ اختلاف ضمن هذا السقف مشروعاً ومتاحاً ، وما عداهُ يدخلُ ‏ضمنَ توصيف الخروج عن القانون ، وبالتالي فإنهُ يسير في طريق تقويض الدولة والتقهقر مجدداً الى اللادولة .

إنّ التحدياتِ التي نعيشها اليوم تشكّل منعطفاً تاريخياً وفرصةً كبيرةً ، وما علينا سوى أن نختار اتجاه (الدولة) ونصرَّ عليه ، وبالمقابل نرفضُ فوضى (اللادولة ) وننأى عنها .