بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين

الحضور الكرام المحترمون ..

في البداية نشكر القائمين على هذه الندوة لحسن الأختيار لموضوعة ( التنوع الديني والعرقي ) لأهميته الفائقة في هذا الظرف الإستثنائي الذي يمر به العراق.

- وحيث يصنف العراق تاريخياً كأحد أبرز البلدان ذات التنوع الكبير عرقياً ودينياً ومذهبياً ، فإنَّ هذا التنوع يعدُّ من موارد قوة البلاد ، و ليس من مكامن ضعفها كما يروج البعض مخطئين .

- وحين ينظر البعض لهذا التنوع و التعدد من منظار ضيق ، فإنما يُمنّي النفس بأن يكون جميع العراقيين من عرق أو دين أو مذهب واحد وقد يَرَوْن في ذلك نقطة قوةٍ للبلاد ، من حيث الانسجام الاجتماعي و التماسك السياسي وسهولة الحكم وسرعة اتخاذ القرار وغير ذلك ، وفضلاً عما يتصف به هذا التفكير من العنصرية والتعصب وضيق الأفق فإنه يحمل اشكالياتٍ عديدةً ، أهمها مايأتي :

١- إنه لا يتلائم مع عصرنا الراهن ، حيث تتقلص المسافات ويتضاعف التواصل الاجتماعي العالمي ويتفاعل حوار الحضارات و تقارب الثقافات .

فلم يعد الانسانُ كما كان قديماً او قبل قرونٍ من الآن، محكوماً بمساحات جغرافية محددة تنغلق على الذات او على الجماعة الواحدة و الفكرة الواحدة والثقافة الواحدة .

إنَّ عصرنا هو عصر التواصل و التداخل والتقارب والانفتاح ، 

فلايمكن في ظل هذا الكم الكبير من وسائل التواصل العالمي أن نستكثر ذلك في مساحة محددة كبلادنا ، مقارنةً بالعالم .

إنها سباحةٌ غير مجدية أمام السيل الجارف من العلاقات والثقافات المتشابكة في هذا العالم .

٢- إدارة التنوع : فقد كان العالم في السابق يتحدث عن قيمة المساواة بين الناس وطنياً او عالميا ، بمعنى التساوي في الواجبات وفي الحقوق أمام القانون، الصبر والاعتياد على قبول الاخر ، والتسامح الدائم والتأكيد على المشتركات ، وكان النظر الى ذلك كله من نوافذ الحقوق و القانون والتعاقد والابعاد الاخلاقية، لإنجاح العيش المشترك وتخفيف الاحتقانات والانسدادات الاجتماعية .

ولكن عالمنا اليوم ينظر لما بعد مفهوم المساواة والتسامح والاخر ، بخطوات ، فالحديث اليوم يجري عن ادارة التنوع و استثماره كمفهوم متطور بات يتقدم على مفهوم المساواة .

إنَّ إدارة التنوع تعني أن لا يجب أن نكتفي باحترام الآخر والتسامح معه فيما يختلف فيه معنا ، و لاتعني مجرد الصبر على تلك الاختلافات ، بل العمل على تحويل ذلك التنوع الى فرص حقيقية و استثمارها عملياً في تنمية المجتمع.

وإدارة التنوع تعني ايضا استثماره في تقوية المجتمع و الدولة عبر استثمار نقاط القوة في كل مفصل من مفاصلها .

وهنا نتحدث عن العراق بوصفه جسراً للتواصل الحضاري ، لكونه محطةً لأقدم حضارة في المنطقة والعالم ، فقد كانت بلادنا منذ الأزل ملتقى الاديان والمذاهب منذ الإبراهيمية والحنيفية حتى يومنا هذا .

وعبر هذا التصور يتضح بأنَّ وجود الكورد في العراق هو نقطة ارتباطنا مع الكورد في المنطقة و وجود السنة العرب هو نقطة تواصلنا مع الدول العربية و الاسلامية المجاورة لنا و وجود الشيعة العرب هو نقطة تواصلنا مع الشيعة والعرب وإيران ، مثلما التركمان مع تركيا ومثلما مسيحيو العراق مع مسيحي العالم و هكذا ..

ومن هنا فإننا لا ننظر للسنة و الشيعة من منظار المساواة و التسامح والتعايش فحسب ، بل من منظار الأهمية و استثمار نقاط القوة والمشتركات ، وتعزيز التواصل و التحاور مع جيراننا و العالم .

وعندما يكون موئل التشيع في العراق فإن هذا التواصل يتضاعفُ اهميةً ودوراً ، وعندما يضم العراق مراقد أرباب المذاهب الاسلامية الكبرى كالإمام ابي حنيفة النعمان واقطاب الطرق الصوفية كالشيخ الكيلاني ، وغيرهما ، فذلك يعني اننا نتواصل مع مئات الملايين من الشيعة و السنة و الصوفية روحياً وعقيدياً ومعرفياً قبل أية خطوة اخرى .

وعندما نتحدث عن موطن النبي أبراهيم في العراق فنحن نحاور اليهود و المسيحيين و المسلمين في العالم من هذه النقطة بيسر وسلاسة  اكبر .

وانطلاقاً من هذا الفهم فإن هذا التنوع يجب أن لا يبقى في حدود الدعوة الى المساواة ، بل يجب أن يتعدى ذلك الى التعاون الشامل والتحاور الثقافي والتعاضد الاجتماعي .

٣- إنَّ التنوع والتعدد السياسيين إذاماتمت ادارته داخليا بشكل صحيح ، فإنه سينعكس مباشرةً على متانة القرارات وثراء الأفكار وعدم التسرع في اتخاذ القرار .

وتبقى هذه الادارة بحاجة الى عملٍ دؤوب و تنضيج اجتماعي و سياسي حثيث و تثقيف وتدريب وتنشئة مستمرة .

إنَّ ادارة التنوع تعني كيف علينا ان نسمع لبعضنا وكيف نحول هذا الحوار المعمق الى قرارات موحدة ، وكيف ننفذ هذه القرارات معاً عن قناعة و ارادة حرة .

وبذلك يصبح التنوع نعمةً لا نقمةً ، وفرصةً لاتهديداً ، ومغنماً لا مغرماً ، و متانةً لا هشاشةً ، و قوةً لاضعفاً .

• إن تحقيق ماتقدم كله ممكن في العراق و في وقت قصير جدا .

ولعل كثيرين يعتقدون بأن المكونات الاجتماعية في العراق ستنهار امام التعصبات الفئوية ، وإنَّ الاحتكاكات ستستمر في بلادنا لعقود ، ولكننا نشاهد بجلاء كيف يرمم المجتمع نفسه في غضون سنين قليلة وكيف بات التقارب اليوم اساس المشهد و كل من يريد خرق هذا التقارب يتهم بالطائفية و العنصرية .

وتبقى هذه الخطوة بحاجة الى تنضيج أكبر للانتقال الى مرحلة (ادارة التنوع) .

• لقد طرحنا في تحالف عراقيون مشروع (التحالف العابر للمكونات) ونراه مدخلاً أساسياً لادارة التنوع السياسي والاجتماعي.

فبهذه التحالفات الوطنية، سننتقل من مرحلة التقوقع و التفاهم السطحي الى مرحلة التعاون و التعاضد الجمعي المشترك العميق .

- وبهذا المنهج نتمكن من إدارة تنوعاتنا الاجتماعية سياسياً و حكومياً ومجتمعياً .

• والنافذة الاخرى التي طرحناها هي (العقد الاجتماعي و السياسي الجديد) وكلنا نعلم ان العقد الحالي قد تمت بلورته في ظل لحظة تاريخية مربكة ومرتبكةٍ اجتماعياً و سياسياً مع تراكمات وحساسيات معروفة.

وبعد مرور هذه السنوات وبعد هذا النضوج الجمعي المكتسب، نعتقد أنه حان الوقت لعقد اجتماعي وسياسي جديد ، ننتقل به من مرحلة المطالبة بالمساواة كمعادلة لصيانة الحقوق الى المطالبة بادارة التنوع كمعادلة استقرارٍ و ازدهارٍ وبناء لدولة عصرية عادلة ، قوية ومتنوعة .

ولا بد أن نتفاهم من جديد برؤيةٍ جديدة وفهم جديد ووعي جديد ، كل ذلك من اجل صناعة مستقبل آمن ومتين

الحضور الكريم ...

لا يمكن الحديث عن العراق ومكوناته والدولة مهددة في كيانها ومشروعها وصورتها ورمزيتها .. واتساءل معكم. كيف يمكن حفظ المكونات في ظل تهديد الدولة والرغبة في اضعافها؟ كيف للمكونات ان تعبر عن نفسها وعن ثقافتها ومشروعها وهي ترى منهج اللادولة يهدد الجميع بما فيها المكونات الكبيرة .
من المؤكد ان المنهجين ( الدولة واللادولة ) غادرا مرحلة الوصف و اقتربا من محطة الفرز بينهما، 

وصار جليا من الافعال لا الاقوال ما الذي يعنيه منهج الدولة والمنهج المعاكس له، وعلينا ان نختار اي نموذج نريد واي نموذج قادر على حفظ العراق وتنوعه ومكوناته.
ان وصول التدافع حد السب والشتم والتنابز بالالقاب باستهداف رجالات الدولة مؤشر خطير فالمسؤول لا يعمل بصفته الشخصية بل بصفته الاعتبارية فاي استهداف يرمي الى كسر المسؤول واضعافه وتقليل قيمته امام الجمهور العراقي هو استهداف للدولة العراقية وعمقها الحضاري ومكانتها الاقليمية والدولية .
ايها الاحبة ..
الانتخابات على الابواب لكن اي انتخابات نريد ؟ هل نريد اضافة عددية للممارسات الانتخابية السابقة كي يقال خاض العراق انتخابات جديدة أخرى؟ أم ان الانتخابات بحد ذاتها ليست غاية انما وسيلة لتحقيق التغيير والاصلاح.
ان الانتخابات المبكرة مصيرية ومفصلية وعلينا استثمارها للمضي نحو الاستقرار السياسي الذي يحقق الاستقرار الامني ويبعث الروح في الواقع الاقتصادي ويحقق الرفاه ويشد الناس لوطنهم وارضهم .ان تحقيق هذه الغاية يتطلب مشاركة واسعة فلا يسقط التكليف الوطني عن احد والقانون يسمح بهامش كبير من التغيير واحداث اختراق نوعي في الواقع النمطي الذي نعيشه .
كما اوجه ندائي الى كل الكفاءات والنخب النزيهة الى التعريف عن نفسها والتصدي وتحمل المسؤولية وادعو فاعليات المجتمع من كل المكونات الى دعم هذا المسار وفسح الطريق امام الاكفأ للوصول الى مراكز صنع القرار التشريعي والتنفيذي.
ان الامن الانتخابي الذي نريده ليس مفردة امنية بحتة فنحن لا نتحدث عن حماية مراكز الاقتراع والاطواق الامنية فهو أمر مفروغ منه ، وأنما عن الاطار الحافظ لرغبات الناس واختياراتهم سواء كانوا مرشحين او ناخبين، اطار يحفظ خيارات الناس من التزوير والمال السياسي والتسقيط السياسي وبدون الامن الانتخابي لا يمكن الحديث عن انتخابات معبرة عن ارادة الناخب العراقي .
اجدد شكري وتقديري لادارة هذه الندوة والمحاضرين فيها والحضور المتفاعل والمقتنع باهمية المكونات وأثرها وأهمية العراق كدولة حامية وراعية لمصالح الجميع..
شكرا لكم والسلام  عليكم ورحمة الله وبركاته.