السيد عمار الحكيم: الغضب والأنفعال في البعد الإداري والقيادي من اخطر الأمور التي تضييع الحقوق
لا تندم على العفو
بدأ السيد الحكيم حديثه الثقافي بالقول كنا قد  تحدثنا  في اللقاءات السابقة عن النظرية الإسلامية في القيادة والإدارة وذكرنا إن عهد أمير المؤمنين (ع) لمالك الاشتر يمثل اختزال لهذه النظرية وقد تحدثنا عن عدة من الموضوعات وانتهينا الى مقطع يتحدث فيه علي (ع) عن طبيعة العلاقة بين المسؤول ومن هو مسؤول عنهم واستعرضنا العديد من الدروس المهمة على هذا الصعيد وكان حديثنا في اللقاء الخير في قوله (ع) (( ولا تندمن على عفو ولا تبجحن بعقوبة ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة )) وذكرنا في شرح هذه العبارة (( ولا تسرعن إلى بادرة ))  واشار سماحته هنا امير المؤمنين يوصي مالك الأشتر ، يامالك لا يحصل لك الندامة على العفو والصفح عن الناس وعن الرعية ومن تتحمل مسؤوليتهم ، العفو والصفح وغض الطرف والتساهل مع الناس ما لم يخل بهيبة الدولة وهيبة المسؤول وما لم يمنع من أداء الواجبات المناطة بالمسؤول هي قضية جيدة وصحيحة ومطلوبة ،
 
لا مجال للفرح والشماتة 
وزاد الصفح والعفو تجاه من أنت مسؤول عنهم بالمستوى الذي لايؤدي إلى التسيب وإخلال بالنظام فهي قضية مطلوبة وجيدة ، (( ولا تبجحن بعقوبة )) يا مالك انت المسؤول حتى حينما تعاقب حتى حينما تعلن القانون حتى حينما تقوم بملاحقة معينة لشخص خارج عن القانون ، لاتشعر بالفرح والسعادة لأنك المسؤول لست في موقع الشماته ولا في موقع التشفي بل أنت في موقع الانتصار إلى القانون والنظام والدفاع عن مصالح الناس ، فحتى حينما تنزل العقوبة بمن يستحقها فهي من اجل خلق البيئة الأمنة في المجتمع ومن اجل ان يلتزم الجميع بالقانون ومن اجل أن تنتصر لمصالح عامة الناس لذلك لاتشعر بالفرح ما دامك تعاقب فأن العقوبة اذا كانت في محلها فأنها تكشف عن وجود جنحة وجريمة وجناية والجريمة حالة مرضية في المجتمع ، اذن كلما تعاقب انما تعالج حالة مرضية وكلما زادت العقوبة كلما عبر ذلك عن شياع المرض بين الناس وكلما كانت مساحة المرض متسعة كلما عبر عن حالة مقلقة في مجتمع ما فحينما يقال إننا نفذنا كذا حكم بالإعدام فهو يقدر ما يكشف عن التزام بالقانون يكشف عن وجود مجرمين يستحقون القتل بهذه الأعداد الكبيرة فلا تشعر بالفرح ايها المسؤول حينما تمارس العقوبة بحق المواطنين حتى حينما يستحقها هذا المواطن حيث ارتكب جريمة أو أساء إلى نفسه أو إلى الرأي العام او الأمن والسلم الاجتماعي وهذا الأمر لايحتاج الى الفرحة بل الى القلق من وجود حالة مرضية تدفع الناس لمخالفة القانون والأعتداء على الحق العام وثم انتهينا إلى هذه العبارة
 
((ولا تسرعن الى بادرة وجدت منها مندوحة )) 
واشار سماحته الى معنى هذه العبار بان يا مسؤول لا تسرع الى بادرة ،  ودعا المسؤولين الى الابتعاد عن اخذ القرارات وهم غاضبين قال : ما إن بدر إليك الغضب وما إن أخذك الانفعال حينما سمعت كلمة او وصلك تقرير او شاهدت خبراً في وسيلة اعلامية او نقل لك شيء يأخذك الغضب وتدون امراً معيناً وانت في لحظة الغضب غير قادر على اتخاذ القرار الصحيح فما دام من فرصة لأن تحمل الخبر على محمل حسن قد يكون خطأ  او التقرير كيدي أو المعلومة غير دقيقة أو لم تعكس الصورة بالكامل وحاول أن تجد مبرر حتى تخرج من ذلك الموقف دون اتخاذ قرار.. اهدأ وحقق بالموضوع واتخذ القرار الذي لن تعيد النظر فيه  ولا تتراجع عنه وحتى لاتكسر قرارك في وقت لاحق ، فمسألة الغضب والأنفعال في البعد الإداري والقيادي من اخطر الأمور التي تضييع الحقوق وتجعل المسؤول في موقف محرج فأن تراجع كسر قراره وضاعت هيبته وان اصر يكون اصر على الخطأ في قضية لاتستحق مثل هذه القرارات المجحفة في موضع ما والتي قد تكون قد جاءت على خلفية الأنفعال.
وبين سماحته التريث والصبر والحكمة والهدوء في هذه المسألة مطلوبة جداً ، لاحضوا في نهج البلاغة ماذا يوصي امير المؤمين (ع) بعض عماله في الوصية 46 من وصايا نهج البلاغة (( فأستعن بالله على ما اهمك )) الأشياء الخطيرة المهمة استحضر الله يعطيك قوة وعزيمة وارادة ، الألتصاق والأرتباط بالله ، استحضار العلاقة مع الله تعطي المسؤول قوة كبيرة في الشدائد والهمم ضع الله سبحانه وتعالى بين عينيك
  
(( وامزج الشدة باللين ))
وداعا السيد الحكيم المسؤول الى مزج الشدة باللين قال دائماً الشدة امزجها باللين لا تتعامل بقسوة لاتتعامل بغلضة فالكل فعل ردة فعل فلعله موقف شديد سوف يرتد عليك فيما بعد فدائماً الشدة امزجها باللين حتى تحقق حالة الحزم ولكن ايضاً لاتكسر مع من انت مسؤول عنهم  (( وارفق ما كان الرفق ارفق )) في كل مكان وفي كل موضع هناك مجال ان تتعامل بالرفق وبالليونة والمرونة تعامل حتى تبقى دائماً انتظار المواطنين شاخصة إلى لحظة تنفيذ العقوبة ومترقبين ذلك  لأن العقوبة إذا كثرت تسهل ويتجرأ الناس على مخالفة القانون ، ولا يجب إصدار الأوامر بالاعتقال بسهولة ويسر وكذلك الإيداع في السجن لأنه حينذاك يفقد السجن قيمته المعنوية في اصلاح الناس ، ما دام الرفق ممكن فتعامل بمرونه (( واعتزم بالشدة حين لا تغني عنك الا الشدة )) واردف سماحته قائلا : حينما لا يكون هناك طريق الا الموقف الحازم  نعم عليك بالحزم والشدة لكنها قضية تبقى مضرب مثل ولا تتكرر كثيراً حتى تساعد في خلق حالة صحية بين الناس (( واخفض للرعية جناحك )) خفض الرعية للناس ومن انت مسؤول عنهم 


((  وابسط لهم وجهك ))
وفسرها سماحته أي الابتسامة والبشاشة تريح المقابل فقد يدخل مواطن على مسؤول يراه مبتسماً وينتقي عبارات المودة والمحبة يشعر المواطن بالطمأنينة حتى يعبر عن ما في داخله ويشرح قضيته بلا ما يخشى ويقلق ، (( والن لهم جانبك وساوي بينهم في اللحظة والنظرة والإشارة والتحية    )) ففي كل لحظة ونظرة اشعر الجميع يا مسؤول الجميع بالمساواة ولا يمكن ترقب العدالة من مسؤول منحاز الى طرف ما بل يجب المساواة بين الناس ، المساواة حتى في التحية وتقاسيم الوجه فالصداقة والقرابة في البيت وفي العلاقات الخاصة وما دمت في موقع المسؤولية يجب ان يشعر الجميع على انك على مسافة واحدة منهم حتى تكون قادر على ادارتهم ، (( حتى لا يطمع العظماء في حيفك )) اما هذه العبارة فبينها سمححته حتى لا يطمع اصحاب الأموال والوجاهات والتأثير يجب ان لا يشعر هؤلاء بالأمل في حكمك وعدلك وانك سوف تميل على الضعفاء والفقراء بغير وجه حق لصالحهم (( ولا ييأس الضعفاء من عدلك )) ولا يجب ان يشعر الضعيف باليأس من امكانية استعادة الحق من خلالك ، هناك الكثير من النصوص والروايات التي جاءت لتشدد على إن القرار في ظرف الغضب والانزعاج قرارات خاطئة في اغلب الأحيان ثم يضطر الإنسان لكسرها لاحقاً والرجوع عنها وهذا ما يكسر هيبة المسؤول حينما تتعدد قراراته ،
 
الغضب يفسد الالباب 
واستشهد سماحته قائلا  لاحضوا في غرر الحكم الجزء الأول صفحة 357 عن علي (ع) (( الغضب يفسد الألباب  )) العقل يتعطل حينما يكون الأنسان غاضب ولا يستطيع التفكير بشكل صحيح (( ويبعد من الصواب )) حالة الغضب حينما تشتد لا يستطيع الإنسان اخذ القرار الصائب والصحيح فيقع في إشكاليات كثيرة وكبيرة ، في كنز الفوائد الجزء الأول صفحة 319 عن علي (ع) (( شدة الغضب تغير المنطق )) كلما اشتد الغضب كلما أصبح المنطق الذي يفكر فيه ألإنسان ويتعامل به مغاير لسجيته وطبعه الصحيح (( وتقطع مادة الحجة )) حينما تكون غضبان وتأخذ موقف غير صحيح تكون غير قادر عن البحث عن سياقات الحجة والبرهان بل تكون الانفعالات والمشاعر الجياشة هي السائدة وما شاء الله المتملقين حول المسؤولين كثر في كل عصر والذين يعملون على الإبقاء على حالة الغضب عند المسؤول مستمرة تجاه الأخرين ، ويجعلونه في اجواء عزلة عن الواقع الخارجي حتى يتخذ اقسى العقوبات والقرارات بحق الأخرين وأول من يكتوي بنار هذه القرارات المسؤول نفسه حينما ترتد عليه وتضطر ان يكسر ويتراجع عن هذه القرارات ، (( وتفرق الفهم )) حالة من تشتت الفهم تحصل عند من يصدر تعليمات وقرارات وهو في ثورة الغضب وفي حالة من عدم الاتزان وعدم الاستقرار النفسي ، اذن حري بنا التريث والهدوء والاستقرار لينظر ما هو حجم المشكلة ثم ينظر الحلول والمعالجات المطلوبة لحلها .


 

http://ammaralhakeem.com/ar/news/5892