نص كلمة السيد الحكيم بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف 1448هـ- 2026م
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل نبيه رحمة للعالمين، وجعل رسالته هداية للناس، وسيرته نوراً للقلوب والعقول، وأخلاقه ميزانا للحق والعدل والكرامة.
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وقائدنا أبي القاسم محمد بن عبد الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الأخيار المنتجبين.
أصحاب الدولة والسيادة والمعالي والسعادة..
أصحاب السماحة والفضيلة..
الحضور الكريم..
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته..
يشرفني أن أكون حاضرا بينكم في هذا الحفل المركزي المبارك، الذي يقيمه ديوان الوقف السني بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، هذه المناسبة التي تجمع العراقيين على محبة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله وسلم)، وتعيد إلى ضمير الأمة معاني الرحمة والوحدة والعدل والأخلاق.
ويطيب لي أن اتقدم بالشكر إلى معالي رئيس ديوان الوقف السني، وإلى العلماء والخطباء والقائمين على هذا الاحتفال، لجهودهم في إحياء هذه المناسبة الجامعة وترسيخ خطاب الاعتدال والتآخي بين أبناء الوطن الواحد.
أيها الأحبة الكرام..
إن المولد النبوي الشريف ليس ذكرى لميلاد إنسان عظيم فحسب، بل هو ميلاد رسالة غيرت وجه التاريخ، وأعادت للإنسان قيمته وكرامته، ونقلته من ظلمات الجهل والعصبية والظلم إلى نور العلم والإيمان والعدل.
قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"
فالرحمة لم تكن جانبا ثانويا في الرسالة المحمدية، ولم تكن عاطفة مجردة أو موقفا عابرا، بل كانت وستبقى جوهر الرسالة ومنهجها وغايتها.
إنها رحمة تحمي الضعيف..
وتنصف المظلوم..
وتردع المعتدي..
وتمنع القوة من أن تتحول إلى ظلم، والاختلاف إلى عداوة، والخصومة إلى انتقام.
وقد جمع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه وآله وسلم) بين الرحمة والعدل، وبين اللين والحزم، وبين الأخلاق والمسؤولية.
فالرحمة من دون عدل قد تتحول إلى ضعف، والعدل من دون رحمة قد يتحول إلى قسوة، أما المنهج النبوي فقد جمع بين عدل يحفظ الحقوق، ورحمة تصون الإنسان.
وهذه هي الرحمة المسؤولة التي نحتاجها اليوم في أسرنا ومجتمعاتنا ودولنا وعالمنا المضطرب.
أيها الإخوة والأخوات..
لقد قدم النبي الأكرم (ص) نموذجاً ناصعاً في بناء المجتمع وتنظيم الاختلاف.. وحفظ الحقوق وإقامة العدل وتحمل المسؤولية.
ولعل من أبرز الشواهد على ذلك (صحيفة المدينة) التي نظمت العلاقة بين مكونات مجتمع متعدد الأديان والانتماءات والقبائل والمصالح.. في ظرف أمني وسياسي بالغ التعقيد.
فلم يكن المنهج النبوي في تلك الوثيقة يقوم على إلغاء الاختلاف.. وإنما كان ينشد تنظيمه.
ولم يكن في محو الهويات.. وإنما في جمعها تحت عقد أعلى يحفظ الحقوق..
ويحدد المسؤوليات.. ويصون أمن المجتمع ووحدته.
وهذه واحدة من أهم الرسائل التي ينبغي أن نستحضرها اليوم في بلدنا والمنطقة..
إن تعددنا ليس مشكلة.. وإنما تبدأ المشكلة حين تصبح الانتماءات الفرعية بديلاً عن الدولة.. أو حين تصبح المصالح الخاصة أعلى من المصلحة الوطنية.
ومن هنا يمكن استلهام منطق (صحيفة المدينة) في عدة نقاط ، أبرزها:
أولا/ التعدد لا يناقض وحدة الدولة:
إذ ليس مطلوبا من المواطن أن يتخلى عن خصوصية مذهبه أو قوميته أو دينه حتى يكون جزءا من الوطن..
فالانتماء الوطني لا يلغي الانتماءات الدينية أو المذهبية أو القومية.. لأن الوطن يحمي كل أبنائه بمختلف انتماءاتهم تحت مظلة الوطن الواحد والدولة القوية.
ثانيا/ الحقوق تقابلها التزامات:
والانتماء للجماعة ليس مطالبة بالحقوق فقط.. وإنما مشاركة في حماية النظام العام وتحمل المسؤولية.. الحقوق والامتيازات تقابلها واجبات والتزامات تجاه البلد والمجتمع الذي ينضوي تحت لواء الدولة والوطن.
ثالثا/ السلم الداخلي مسؤولية مشتركة:
ولا يجوز لجماعة داخل الدولة أن تحول نزاعها الخاص إلى حرب على المجتمع كله..
ولا يحق لأي جماعة أن تفرض رؤيتها الخاصة على حساب المصالح العليا للمجتمع والدولة.. السلم الأهلي أولوية لا يمكن تجاوزها من أجل حسابات ثانوية ورؤى خاصة.
رابعا/ القانون فوق منطق العصبية:
لقد كانت صحيفة المدينة انتقالا تدريجيا من شبكة الثأر والتحالفات الجانبية المنفردة الى مرجعية سياسية وقانونية أوسع..
فالأهداف أصبحت واضحة والقيم النبيلة والسامية هي المرجوة أن ترسو في المجتمع.. مما يتطلب مرجعية قانونية ملزمة تكون حاكمة على الجميع بلا استثناء.
ولم يكتف النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة إلى الاخلاق والتعايش.. وإنما عمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الى تحويل التعايش إلى عهد والتعدد إلى نظام والمسؤولية المشتركة إلى إلتزام.
إن تنوع العراق الديني والمذهبي والقومي ليس سببا للضعف، بل هو مصدر قوة وغنى، متى ما أحسنا إدارته على أساس المواطنة والعدالة والاحترام المتبادل.
ولا يجوز أن نسمح للطائفية أن تعود بوجه جديد، أو لخطاب الكراهية أن يتسلل إلى منابرنا وإعلامنا وفضائنا الرقمي، كما لا نسمح للمنافسة السياسية أن تمزق ما نسجته دماء العراقيين وتضحياتهم من مواقف الوحدة والتكامل المسؤول.
إن مسؤولية الكلمة اليوم عظيمة ومضاعفة..
فالكلمة قد تجمع شعبا أو تشعل فتنة، وقد تعيد الثقة أو تهدم سمعة إنسان بريء، وقد تهدي شابا أو قد تدفعه إلى التطرف واليأس ، معاذ الله.
أيها الإخوة والأخوات..
لقد دفع العراقيون أثماناً كبيرة حتى يصلوا إلى مرحلة دولتهم ونظامهم السياسي الحالي.. ومن مسؤوليتنا جميعاً أن ننتقل من مرحلة حماية التجربة السياسية إلى مرحلة استكمال بناء الدولة وإصلاحها وتقوية مؤسساتها.
والدولة القوية التي نتطلع إليها ليست دولة تتقوى على مواطنيها.. وإنما نريد دولة تحميهم جميعاً.. وتساوي بينهم أمام القانون.. وتصون تنوعهم.. وتحفظ حقوقهم.. وتفرض التزاماتهم.
ومن هنا.. فإن الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة ليس شعاراً سياسياً موجهاً ضد أحد.. ولا انتقاصاً من تضحيات أحد.. ولا تنكرا لتضحيات الشهداء ودمائهم الزكية التي صانت العراق وحمت شعبه.. وإنما هو مقتضى طبيعي لاكتمال بناء الدولة وسيادتها.
هؤلاء أبناؤنا وإخوتنا، وهم جزء من تاريخ الانتصار العراقي على الإرهاب، ولا يمكن لأحد أن يتعامل معهم بمنطق الاتهام أو إنكار التضحيات.
إننا لا نريد للدولة أن تنتصر على أبنائها، ولا نريد لأبنائها أن ينتصروا عليها، بل نريدهم جميعا أن ينتصروا بها ولها.
ومن هنا ندعو إلى مسار وطني عراقي يقوم على الحوار والتفاهم والتدرج، ويحفظ كرامة المقاتلين وتضحيات الشهداء، ويصون الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة رسمية أنشأها القانون، وفي الوقت نفسه ينهي تعدد مراكز القرار والسلاح خارج المؤسسات الشرعية الدستورية.
وفي مقابل ذلك، فإن على مؤسسات الدولة أن تكون جديرة بهذه الثقة؛ قوية في حماية حدودها وسيادتها، عادلة في تطبيق قانونها، مهنية في أدائها ، وفية لمن دافع عنها، وغير خاضعة لإملاء أو ضغط خارجي.
إن هذا الملف عراقي في قراره، عراقي في حواره، وعراقي في توقيته وآلياته ونتائجه.
ولا يجوز أن يدار بلغة التخوين، ولا بمنطق الغالب والمغلوب، ولا بقرارات متعجلة قد تدفع العراقيين إلى مواجهة يدفع ثمنها الوطن وأبناؤه.
إن المشروع النبوي يدعونا إلى الجمع بين قوة الدولة وحرمة الدم، وإلى التمسك بسيادة القانون وحفظ الكرامة، ويتطلب منا الوفاء للماضي والمسؤولية للمستقبل.
وهذا هو الطريق الذي نريده:
دولة لا سلاح فوق سلاحها..
ولا قرار فوق قرارها..
ولا مواطن خارج حمايتها..
ولا تضحية خارج ذاكرتها ووفائها.
فلنجعل من حصر السلاح خطوة نحو اكتمال الدولة، لا بابا لصدام جديد، ولنجعل من الحوار طريقا لحماية السلم المجتمعي، ومن الوفاء للتضحيات جسرا نعبر به جميعا إلى عراق قوي وآمن وموحد.
كما ينبغي أن يبقى قرار الحرب والسلم.. واستخدام القوة المنظمة.. وحماية أمن المواطنين.. مسؤولية المؤسسات الدستورية للدولة حصراً .. فالدولة التي تحمي الجميع يجب أن تكون هي صاحبة المسؤولية عن أمن الجميع.
أيها الحضور الكريم..
لا تكتمل هيبة الدولة من دون عدالة.. ولا تتحقق العدالة مع الفساد.. ولم يعد الفساد مجرد خلل إداري أو مالي فحسب.. إنه تهديد حقيقي لثقة المواطن بالدولة.. ولقدرة المؤسسات على أداء وظائفها.. وللاقتصاد وفرص التنمية وللعدالة الاجتماعية كذلك.
ومن هنا.. فإننا ندعم مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين واسترداد المال العام.. بعيداً عن الانتقائية والتوظيف السياسي والتشهير المسبق.
فمكافحة الفساد الحقيقية إنما تقاس بقدرة الدولة على بناء منظومة تمنع الفساد قبل وقوعه.. وتكشفه حين يقع.. وتحاسب مرتكبيه وفق القانون.. وتغلق منافذه في الإدارة والمال والعقود والمشاريع.
مسؤولية مكافحة الفساد مسؤولية متكاملة تبدأ من حسن الاختيار للمرشح الحكومي ولا تنتهي عنده.. بل تشمل الرقابة والقوانين والإدارة والمساءلة القضائية.
نريد مكافحةً للفساد تحمي الدولة ولا تشوهها.. تعزز ثقة المواطن بالنظام ولا تهدمها.. وتحاسب المسؤول الفاسد من دون أن تحول الاتهام إلى حكم على الجميع.
فلا حصانة لفاسد.. ولا اتهام بلا دليل.. ولا عقوبة خارج القضاء.. هذه هي خصائص الدولة العادلة التي نريدها أن تسود في بلدنا.
أيها الإخوة الأفاضل..
إن منطقتنا تمر بمرحلة شديدة الحساسية والتعقيد.. تتداخل فيها التحديات الأمنية والسياسية مع الضغوط الاقتصادية.. وتتسارع فيها التحولات بصورة تفرض علينا قدراً أعلى من المسؤولية والحكمة.
ولا يمكن للعراق أن يعزل نفسه عما يجري في محيطه.. لكن يمكنه أن يحصّن نفسه.
وتحصين العراق يبدأ من الداخل.. بدولة قوية ومؤسسات فاعلة.. وبقرار أمني وسيادي موحد.. وباقتصاد قادر على خلق الفرص وتنويع مصادر الدخل..
وبمواجهة حقيقية للفساد والهدر.. وبحماية مسؤولة للسلم الأهلي..
وبخطاب سياسي مسؤول يخفف الأزمات بدلاً من إنتاجها.
إن أمن العراق واستقراره الاقتصادي والسياسي لا يصنعهما طرف واحد.. وإنما هما مسؤولية وطنية مشتركة.. حكومةً وقوى سياسية ومؤسسات ومجتمعاً ومواطنين.
وهنا نجدد دعمنا للحكومة برئاسة الأخ علي الزيدي في مساعيها للإصلاح الاقتصادي والمالي ومكافحة الفساد وتقديم الخدمات، ونؤكد أن نجاح الحكومة هو نجاح للعراق، وأن الدعم الحقيقي يقترن بالمتابعة والمساءلة والإنجاز الذي يشعر به المواطن.
وفي هذا الظرف الإقليمي المضطرب.. نحن في أمس الحاجة إلى عراق لا يكون ساحةً للصراعات.. بل وطناً مستقراً.. ودولةً مقتدرة.. وجسراً للحوار والتفاهم وحماية المصالح المشتركة.
ونوكد أن العراق لن يكون منطلقا للاعتداء على دول الجوار.. كما لن نقبل أن يكون عرضة للاعتداء من أحد.. ونرفض أية إملاءات تمس سيادته أو قراره الوطني.. فسيادة العراق ووحدة قراره ليستا موضع مساومة تحت أي ظرف أو مبرر.
الإخوة الأكارم..
إن من أعظم ما نتعلمه من سيرة رسول اللّٰه (صلى الله عليه وآله وسلم ).
إن العدل قيمة ونظام.. والتعايش خُلُق وعقد إنساني .. والمواطنة حق ومسؤولية.. والقانون ضمانة للجميع.. والدولة مظلة لا تستقيم حياة المجتمع من دونها.
وإذا كانت المدينة قبل أكثر من أربعة عشر قرناً قد استطاعت أن تجعل من تنوع مجتمعها جزءاً من قوتها..
فإن بلدنا بكل عمقه الحضاري وتنوعه الديني والمذهبي والقومي قادر على أن يجعل من تنوعه مصدر قوة لا مادةً للنزاع.
وفي ذكرى ولادة نبي الرحمة والعدل محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).. نجدد دعوتنا إلى عقد وطني راسخ عنوانه:
دولةٌ أقوى من المصالح الخاصة.. وقانونٌ أعلى من الجميع.. وسلاحٌ تحت راية الدولة.. وثروة مصانة..
ومواطنةٌ تحفظ التنوع.. ووطنّ تتقدم مصلحته على المصالح جميعها.
ذلك بعض ما نفهمه من الاقتداء برسول اللّٰه (ص).. وذلك بعض ما يحتاجه بلدنا اليوم.
نسأل اللّٰه تعالى أن يجعلنا من السائرين على خطى نبيه المصطفى (صلى اللّٰه عليه وآله وسلم)، وأن يوفقنا لحمل أمانة رسالته، وأن يوحد كلمة المسلمين، ويحفظ العراق وشعبه ومراجعه وعلماءه، ويمن على منطقتنا بالأمن والسلام والاستقرار، وعلى شهدائنا بالرحمة والخلود، وعلى جرحانا بالشفاء، وعلى عوائلهم بالصبر والكرامة.
إنه نعم المولى ونعم النصير.
والسلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.