• نص كلمة السيد الحكيم في الذكرى الخامسة عشرة لرحيل عزيز العراق(قدس سره)  ١٤٤٥هـ -  ٢٠٢٤ م

    2024/ 03 /16 

    نص كلمة السيد الحكيم في الذكرى الخامسة عشرة لرحيل عزيز العراق(قدس سره) ١٤٤٥هـ - ٢٠٢٤ م

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

    الإخوة والأخوات الأعزاء .. الحضور الكريم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    يطل علينا شهر رمضان المبارك شهر الطاعة والمغفرة والرضوان الشهر الذي دُعينا فيه إلى ضيافة الله وجُعلنا فيه من أهل كرامته وأسال الله تعالى أن يستنزل رحمته علينا وعلى شعبنا وأمتنا العربية والإسلامية وعلى العالم أجمع وأن يجعلنا فيه من المرحومين لا من المحرومين.

    -كما في كل عام نحتفي بذكرى رحيل الأب والقائد والمربي المخلص عزيز العراق ، سماحة حجة الاسلام والمسلمين السيد عبدالعزيز الحكيم نجل الإمام السيد محسن الحكيم رضوان الله تعالى عليهما ، إذ رحل في مثل هذه الأيام في الخامس من شهر رمضان المبارك ، وكان رحيله ثلمةً وجرحاً عميقين في قلوب محبيه وأنصاره وأتباعه وأبنائه البررة الذين وجدوا فيه نموذجاً صالحاً وقدوةً ومثالاً لقائد عمل وضحى من أجل قضايا وهموم وتطلعات أبناء شعبه حتى آخر رمق فيه.

    وتتزامن المناسبة هذا العام مع ذكرى رحيل العلامة الفقيد السيد صادق الحكيم نجل شهيد المحراب (قده) الذي وافاه الأجل ، العام الماضي في هذه الأيام.

    كما تتزامن المناسبة هذا العام مع الذكرى السنوية لفاجعة حلبجة الأليمة حيث استشهاد خمسة آلاف شخص واصابة نحو عشرة آلاف من المدنيين والاطفال والنساء من ابناء شعبنا الكردي على يد النظام الصدامي الغاشم.

    -رحل عزيز العراق بشكل مبكر وغادرنا في موعد مفاجئ ، في لحظة حساسة ولكن سيرته العطرة وذكراه الطيبة بقيت ملازمة لمسيرته الدينية والاجتماعية والسياسية التي خطها و مضى عليها تياره ومن آمن به وبأهدافه السامية.

    -كان عزيز العراق أصغر أبناء الإمام الحكيم وأكثرهم التصاقاً به ، بحكم ملازمته لوالده في آخر سنوات حياته ومرجعيته الممتدة شرقاً وغرباً ، من حيث السكن والتواجد والحركة ، وقد نهل منه وتعلم في كنفه العديد من السمات الأخلاقية والروحية والفكرية وبقي ملتزما بها طوال حياته الحافلة ، وفي مقدمتها الولاء للحوزة العلمية والمرجعية الدينية ، فقد كان يرى فيها العقيدة والحياة المطمئنة وحسن العاقبة والحصن الحصين للدين والمذهب و الثوابت الشرعية.

    -كان رحمه الله ، يجل العمامة والعلماء والفضلاء والطلاب أشد إجلال ، بما يمثلونه من قيمة علمية وعملية في حياة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وما يبذلونه مداداً وجهاداً ودماً وعطاءً وتضحيةً في سبيل الإسلام ومبادئه الأصيلة.

    -كما كان شديد الحرص على الشعائر الحسينية وإقامتها وصونها واستمرارها ، إيماناً بدور الشعائر في تحصين الأجيال من الانحراف والتشتت وضياع الهوية ، وقد بذل رحمه الله ، جهوداً استثنائيةً لإقامة المجالس والمواكب الحسينية في بغداد وجميع المحافظات.

    -كان شديد التعلق بالحسين (عليه السلام) ومبادئه وبمسيرة كربلاء الراسخة ، وكان متأثرا بهذه المسيرة في حياته السياسية والاجتماعية ، من حيث جرأة المواقف الكبرى ، والإقدام والاستقامة في طريق الحق وبذل الغالي والنفيس من أجل إحقاق الحقوق و رفع الظلم ومقارعة الجور والطغيان.

    -كان عزيز العراق ذائباً في التشيع لأهل البيت (عليهم السلام) وكان يرى ضرورة رفع الحيف والحرمان عن أبناء المكون الأكبر في البلاد كمقدمة أساسية لبناء العراق وتماسك مكوناته وأطيافه ، ولم يكن ينظر لهذا الأمر من زاوية مذهبية محددة ، وإنما من مساحة اجتماعية وسياسية فسيحة ، كسبيل واضح وعادل لاستقرار وازدهار أبناء الشعب العراقي كافة من أقصى العراق إلى أقصاه.

     

    إن حديث عزيز العراق عن المعادلة الظالمة و وجوب تغييرها إلى الأبد في كلماته وخطاباته ، كان حديثا واضحا وشفافا عن ضرورة تحقيق معادلة مرضية وعادلة للجميع ، فما دامت المعادلات السابقة مختلة وغير متوازنة ، فالنتائج ستكون سقيمة وغير صالحة قطعاً ، وهذا ما أثبته الزمان والتجارب التي مرت في العقدين الماضيين ، فحيثما كان الجميع حاضراً في معادلة صنع القرار الوطني تكون النتائج آمنة مرضية للجميع وتكون البلاد في حالة استقرار وطمأنينة. وحيثما كانت المعادلات مختلة سنشهد توترات ومشاحنات وانتكاسات.

    لقد كان عزيز العراق (رضوان الله تعالى عليه) مثالاً وقدوةً حسنة في الدفاع عن المكتسبات الوطنية وتوحيد الكلمة العراقية .. ولطالما كان صوته صـادحـاً بوجه مـن یحاول النیل من استقرار الـعراق أو یسـتھدف حقوق مكوناته .. ولم یجامل (رحمه الله) على حساب ذلك حتى أواخر عمره الشریف.

    تغمده الله .. وطیب ثراه.. وثبتنا وإیاكم على ذات الشوكة والمسیرة التي اختطتھا تلك الدماء الطاھرة العزيزة. 

    أیھا الأحبة.. 

    أود في هذه الوقفة أن أشـیر مـن خـلالـكم.. إلى نقاط ھامة ومصیریـة.. تـتعلق بـالـشأن المحلي.. وما یحیط بـنا مـن أحـداث إقلیمیة ودولیة:

    أولا/ لا بدیل عن الاستمرار في ترسیخ الاستقرار والاعتدال والوسطیة.

    وقد كـنا وسـنبقى دعاة لتثبيت الاسـتقرار السـیاسـي فـي الـبلاد.. وتـغلیب مـبدأ الاعـتدال والـوسـطیة فـي السـلوك والـعمل السـیاسـي.. فـالـعمل عـلى ادامـة الاستقرار السیاسي في البلاد أولویة وطـنیة دائمة .. ومن خلاله نسـتطیع إكمال حركة الإعمار والبناء بخطوات واثقة ومنھجیة.

    لقد خسرنا سنوات طویلة بسبب غياب الاستقرار السیاسي وتناحر الآراء والمواقـف المتناقـضة.. ولا نریـد أن نخسـر أكـثر من ذلك .. بـل نـریـد أن نعوض تلك السنین العجاف مـن خـلال تثبیت أسـس الاستقرار السیاسـي وادامـته فـي العراق.

    ومـن أھـم تـلك الأسـس هو عـدم فـرض الرأي على الأغـلبیة السـیاسـیة الـوطـنیة.. بل تـغلیب الـمصلحة الـعلیا لـلبلد في أي مشروع أو قرار سیاسي.

    لقد تمكن إئتلاف إدارة الدولة من خلال تشكیله لحكومة الأخ السوداني مـن تـعزیـز مساعـي الاسـتقرار السـیاسـي وتـرسـیخه عـلى أرض الـواقـع.. وكانت الحـركـة العمرانـیة التي نـعیشھا الـیوم من ثمار ذلك .. فـضلاً عـن الـمشاریـع الإسـتراتـیجیة فـي الـبنى الـتحتیة الـتي نـنتظر اكـمالـھا قـریـبا بـإذنـه تعالى.

    ولـذا أدعـو جـمیع الإخـوة فـي الـقوى السـیاسـیة الـوطـنیة إلى ضـرورة الـحفاظ عـلى ھـذا المنجـز الـوطـني مـن خـلال تـعزیـز روح الـتعاون والـحوار حـفاظـا عـلى دعـائـم الاسـتقرار فـي الـبلاد .. وأن نـتعامـل مـع الاخـتلاف بـروح المسؤولیة الوطنیة والمصلحة العلیا للبلد وشعبه. 

    ثانیا/ لا بدیل لنا سوى الاستمرار في دعم عجلة التطور الاقتصادي

    وإن مـن أبرز دعائـم الاسـتقرار السـیاسـي في البلاد ھـو التطویر الاقتصادي في جمیع مفاصل الدولة والمجتمع .. یـجب التحليق نحو التطور الاقـتصادي بجناحـین .. جـناح الـحكومـة وجـناح الـمجتمع و المواطن.

    فجـناح الحكومـة یـركـز عـلى اعـتماد الأولـویـة الإسـتراتـیجیة الاقـتصادیـة فـي كـل قـرار أو مشـروع.. وجـناح الـمجتمع عـلیه أن یـتقبل تـلك الأولـویـة الـحكومـیة فـي الإلـتزام الـكامـل بـالـقوانـین النافذة في هذا السياق .. فلا یـمكن أن نشھـد تطوراً إقتصادیا ملحوظا في بلدنا ، إذا ما بقي مجتمعنا استهلاكياً بامتياز.

    ولا یـمكن أن نشھـد تـطوراً فـي مـجالات الـبنى الـتحتیة طالما ھـناك تـجاوزات عـلى الـحق الـعام وعلى مـمتلكات الـدولـة وهدر في أموالھا وطاقاتھا البشریة دون جدوى.

    إن الإصـلاح الـمالـي والـمصرفـي الـذي تـعمل عـلیه الـحكومـة الـحالـیة هو مـقدمـة صـحیة لـمواجـھة الـكوابـح الـتي تعیق عجلة الاستثمارات الإستراتیجیة في البلاد.

    ولابد من الاستمرار في إجراءات ذلك الإصلاح الشامل ومكافحة الفساد بكل قوة وحزم وبلا تردد.

    إن الإرادة السـیاسـیة والإصـرار الحكومـي المصاحب للتخطیط العلمي الممنھج كـفیلان بـإحـداث تـطورات جـذریـة وبنيویة في عجلة الاقتصاد والعمران.

    ولا بـدیـل لـنا عـن الاسـتمرار فـي العجـلة العمرانـیة الـكبرى وصـولا إلـى الـیوم الـذي نـرى الـعراق فـي ریـادة الدول الناهضة في المنطقة بإذن ﷲ تعالى وبھمة الغیارى من العراقیین الشرفاء.

    ثالثا/ النھوض بمجالس المحافظات وتطوير برامجها وآلياتها.

    یـجب أن تـكون دورة مـجالـس المحافـظات الحالـیة مـتمیزة عـن غـیرھـا بمنھجیة الإعمار والتخطيط الإسـتراتـیجي.. وأن تـكون مـختلفة مـن حـیث أولـویـاتـھا وأسـالـیبھا فـي الـمعالـجة والإعـمار.. لانـریـد مـشاریـع تـرقـیعیة مـتلكئة.. ولا نـریـد حـملات خـدمـیة مـؤقـتة.. ولا نـریـد انـفصالاً فـي الأدوار بـین السـلطتین التشـریـعیة والـتنفیذیـة.. بل نـریـد فـریـقاً واحداً ومنسجـماً بـین مجـلس الـمحافـظة وحكومتھا المحلیة.. وأن یـكونـوا فـریـقا واحدا فـي مركب الخدمة والإعـمار ، وفـاء لأصوات الناس وتوقعاتھم في التطور والعمران والخدمات.

    إننا نسعى من خـلال وجـودنـا ومسؤولياتنا في ھذه الدورة ، إلى تـطبیق حـقیقي لرؤيتنا في تكامـل الأدوار بـین الـحكومـات السابـقة والحالـیة.. ولـیس مـن الـصحیح أن تـبدأ كـل حـكومـة محـلیة مـن الـصفر.. بل عـلیھا أن تـكمل مـا بدأته الحكومة السابقة وتراكم عليه ضمن منھجیة إستراتیجیة واضحة.

    كـما أدعـو جـمیع الإخـوة فـي مـجالـس الـمحافـظات إلـى إیـلاء الأھـمیة الـثقافـیة والتوعية الـمجتمعیة أولـویـة قـصوى فـي مـشاریـعھم وقـوانـینھم.. فـبناء الأسـرة والـفرد أھـم مـن أي بـناء آخـر.. حيث لـدیـنا مـشاكـل اجـتماعـیة وثـقافـیة یـجب الـتصدي لـمعالـجتھا.. وليكن شھـر رمضان المبارك انطلاقـة حـقیقیة للأنشطة والمبادرات الثقافـیة والـتوعـویـة لشـبابـنا وأبنائنا ، والعمل على تحصینھم من الأفكار المنحرفـة والدخـیلة عـلى مـجتمعنا وقـیمنا الإسلامیة والعربیة الأصیلة. 

    ويجدر أن تتحول تلك المبادرات إلى مشاریع ثابتة وملزمة من قبل الجھات التربویة والثقافیة ذات العلاقة.

    رابعا/ الالتزام بالانفتاح والمشتركات الدولیة.. وعدم المساومة على مبادئنا القیمیة والأخلاقیة.

    العراق لدیه التزامـات دولـیة ضـمن إطـار المصلحة الـعلیا لـلبلد.. ویـجب أن نتعامـل مع ھـذه الالـتزامـات بـعقلیة رجـال الدولة.. العقلیة الـتي تـنظر لـلأمـور مـن زوایـاھـا المتعددة بـعین وطـنیة ثـاقـبة… ومـن أهم ھذه الالتزامات ھـو إیمانـنا الـكامـل بـحق الفلسـطینیین فـي أرضـھم الـمغتصبة مـن قـبل الـكیان الصهيوني .. وهو اعتقاد راسخ عند العراقیین لا یمكن المساومة علیه أبداً.

    لقد أوغـل الكیان الصهيوني كـثیراً فـي استھداف الحرمات وقـتل وتـجویـع النساء والأطـفال .. ومـا زال یـرتـكب تلك الجرائم بحق شعبنا الفلسطیني رغم دعوات الھدنة وإیقاف الحرب من مختلف الشعوب والجهات في العالم.

    ومما یزید رعونة ھذا الكیان الغاصب ھو الصمت الدولي وتغاضیه عن تلك الوحشیة البربریة..

    إن دیننا وأخلاقنا وقیمنا العربية والإسلامية تدعونا إلى الوقوف صفاً واحداً مع إخوتـنا في فلسطین و دعمھم بكل ما أوتینا من قوة.. فالقضیة الفلسطینیة قضیة كرامة وحریـة وصمود .. وھـي قـضیة راسـخة ومتجـذرة فـي وعـي وضـمیر العراقیین جمیعا.

    لقد ارتكبت الـولایـات المتحـدة الأمـریـكیة خطأً فادحـاً فـي دعـمھا لـلكیان الصهيوني وتوسيع الصراع في المنطقة ليشمل الحوثيين في اليمن .. وقـد أخـبرنـاھـم بـذلـك بـشكل واضـح وصـریـح.. ونـعتقد أنـھا بـدأت تـدرك ذلـك فـي الآونـة الأخـیرة.. ونأمل من الإدارة الأمـریـكیة أن تـتفھم جـیداً طبيعة الـمتغیرات الجـدیـدة فـي مـنطقتنا.. فـالـعالـم كـله یـتغیر.. والشـرق الأوسـط فـي مـقدمـة ھـذا التغییر في موازین القوى وفي التطورات الاجتماعیة والأحداث السياسية.

    وإن الـشعوب الإسـلامـیة والـعربـیة لـن تـتنازل عـن دعـمھا وتمسكها بإيجاد حـل عـادل لـلشعب الفلسـطیني يتمثل بوقف فوري لاطلاق النار وادخال المساعدات الإنسانية الكافية وإعادة اعمار غزة الصابرة لينال حقوقه الكاملة في تشكيل دولته المستقلة على أراضيه وعاصمتها القدس الشريف.  

    إننا نعمل جاھـدیـن ومـن خلال لقاءاتـنا المسـتمرة مـع قادة المنطقة على ايضاح الصورة الحقیقیة للواقع العراقي وتوجـھه الحثيث إلى تأصـیل عـمقه الـعربـي والإسلامـي وترسـیخ أسـس الاسـتقرار والسلام والـبناء والإعـمار فـي الـمنطقة.. وقـد لـمسنا تـفھماً طيباً وسعياً كريماً إلى دعـم الـعراق فـي جـمیع مساعیه الإقلیمیة نحو الاستقرار والسلام.

    حمى ﷲ شعوبنا العربیة والإسلامیة من كل سوء..

    ونصر ﷲ إخوتنا في فلسطین الحبیبة..

    وحفظ الله مراجعنا العظام ولاسيما المرجع الأعلى الإمام السيستاني (دام ظله الوارف)

    وحفظ ﷲ شبابنا وشعبنا وسدد خطاھم..

    ورحم الله شهداءنا الأبرار والمراجع الشهداء وقادة الانتصار والشهيدين الصدرين وشهيد المحراب وعزيز العراق

    إنه نعم المولى ونعم النصیر

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

    اخبار ذات صلة