كان حديثنا في اللقاءات السابقة عن النظرية الإسلامية في القيادة والإدارة ، وذكرنا إن عهد أمير المؤمنين (ع) لمالك الاشتر يمثل إلمامة واضحة لهذه النظرية ، والعلاقة بين المسؤول وبين من هو مسؤول عنهم بين المتصدي لإدارة الأمور وبين من يدير امورهم من الناس ، هذه العلاقة لا تنحصر بمساحات قيادية معينة، ذكرنا في أكثر من مناسبة في استعراضنا لهذا العهد ان المنظومة القيادية  والتي يلحظ فيها من هو متقدم ومن هو تابع من هو مسؤول عن قضية ما ومن هو مسؤول عنه في هذه القضية.
هذه المنظومة القيادية لا تنحصر بالزعماء والرؤساء والوزراء وإنما تمتد لتشمل كل من يتحمل مسؤولية معينة في الواقع الاجتماعي بدءاً من الأسرة المكونة من شخصين زوج وزوجة هناك إدارة للزوج كلف بها في هذه الأسرة،  فهذه الضوابط تنطبق على الأسرة وصولا الى مسؤوليات اجتماعية أوسع كأن يكون الإنسان مسؤول عن شركة او مصنع او مهمة اجتماعية معينة او شيخ لعشيرة او غير ذلك.
هذه المواصفات والسمات وهذه العلاقة تمتد لكل هذه المديات ولكل منظومة قيادية يراد لشخص ان يكون مسؤولاً فيها عن آخرين وانتهينا لهذه العبارة قوله (ع)  (( ولا تقولن أني مؤمر آمر فأطاع ) يا مسؤول يا من تتصدى للمواقع الاجتماعية لا تقول أني بحكم المسؤولية يجب ان استغل هذا الموقع لبسط النفوذ وللتأثير بالطريقة التي اشتهيها وارتضيها لنفسي (( ولا تقولن أني مؤمر آمر فأطاع ) لا تتحدث بهذا النفس لا تقوي عندك حالة النرجسية ولا تنظر الى الآخرين بنظرة الاستصغار لأنك مسؤول فأن ذلك (( ادغال في القلب ومنهكة للدين )) إفساد للقلب ومضيعة للدين (( وتقرب من الغير )) وهذا هو السبب الذي يقربك من النهاية فيتغير الحكم وتتغير المسؤولية وتسحب منك المسؤولية حينما تتعامل بهذه الطريقة ، في التعقيب على هذه العبارة الكريمة ذكرنا عدة اضاءات.
تحدثا في الإضاءة الأولى عن خطورة الاستبداد حينما يقع فيه المسؤول وقلنا ان اخطر ما يواجهه الإنسان في مواقع الخدمة العامة هي الشعور بالاستحواذ والاستفراد وفرض الرأي على الآخرين وتقديم قناعاته ورأيه على قناعاته الآخرين.
وفي الإضاءة الثانية تحدثنا عن المنطلقات في تنظيم العلاقة بين المسؤول وبين الناس وقلنا ان هذه المنطلقات تكمن في أمرين أساسيين ،  العلاقة الإنسانية علاقة المودة  والمحبة والثقة وحسن الظن ، أي ان المسؤول يحسن الظن بالناس وبالشعب والشعب يحسن الظن بالمسؤول ، القضية ليست توجيهات بل يتعامل المسؤول بطريقة يرسخ من خلالها حسن الظن في ذهن الناس والناس تتعامل بطريقة تجعل المسؤول يحسن الظن بهم.
هناك استحقاقات والتزامات تجعل كل من الطرفين يحسن الظن بالأخر والجانب المهم الأخر هو الحقوق  المتبادلة بين الطرفين لكل من المسؤول والناس ، حقوق يجب ان يلتزم بها كل منهما ، وان ينظر الإنسان في موقع المسؤولية لحقوقه ولا ينظر الى حقوق الناس ، فإذا كان على المواطن دفع فاتورة الكهرباء أليس من واجب المسؤول توفير الكهرباء ، اما ان يأخذ فاتورة الكهرباء ويعطي للمواطن ساعتين هذه ليست حقوق متبادلة.
أعط الكهرباء للمواطن وخذ الضرائب وما الى ذلك، اذن هناك حقوق متبادلة واحترام المسؤول من قبل الناس يرتبط بالكيفية التي يتعامل المسؤول بها مع الناس ، وتحدثا طويلاً عن هذا الموضوع.
ثم انتقلنا الى الإضاءة الثالثة وتحدثنا فيها عن العوارض والآثار للاستبداد ، وقلنا ان فيها عوارض فردية تخص واقعه الفردي حينما يصاب بالاستبداد وعبر عنها امير المؤمنين (( فأن ذلك ادغال في القلب )) القلب يفسد الحالة المعنوية تضيع الآخرة تضيع من يدك يامسؤول حينما تصاب بالتكبر على الناس والاستعلاء (( ومنهكة للدين )) أي منقصة للدين ، فكيف يمكن ان يجمع الإنسان الخضوع والخشوع بين يدي الله سبحانه وتعالى وبين التكبر على الناس ، حالة التكبر وفرض الرأي والهيمنة هذه ظواهر لا تجتمع مع الانقياد الكامل لله والخضوع والخشوع في محضر الربوبية لذلك أيها المستبد في أي موقع من المواقع كنت، هذه ظاهرة أخلاقية قد تتواجد في الإنسان فتسلبه الكثير من التوفيق وتضيّع عليه الدين ، قلنا الخطر حينما يصاب المسؤول بحالة الاستبداد ان يضيع دينه وواحدة من مظاهر هذه الخطورة هي محاولة تكييف الدين مع شهواته ومع رغباته محاولة إضفاء الشرعية على مواقفه وهذه من اخطر الأمور للمسؤول حينما يتجلبب بجلباب الدين ويحاول ان يكيّف الدين مع رغاباته وميوله ورؤيته وليس ان هو يتكيف مع الدين.
إرادة السماء هي الأساس والمعيار يامسؤول أنت المفروض ان تعرض أعمالك على القيم والثوابت الدينية والثوابت الوطنية ان كانت دستور او قوانين او تشريعات او نظم وليس ان تغير القانون على ضوء قناعاتك وإنما قناعاتك يجب تغيرها على أساس القانون وهذه هي المفارقة الكبيرة وكنا نستعرض بعض النصوص في هذا المجال لاحضوا ماذا يقول علي (ع) في هذا الصدد في نهج البلاغة الخطبة 87 (( وأخر قد تسمى عالماً  وليس به )) هناك من يتصور نفسه عالماً يعرف كل شيء يعطي رأي في كل شيء وهناك من حوله من يشجعه وهذه مشكلة حينما يكون المجتمع يبحث عن مصالح خاصة ويصفق لكل مسؤول هذه ظاهرة توقع المسؤول في وهم الفهم وانه مرغوب به ومجتمعنا يجب ان لا يقدم المشاعر والعواطف بدون دليل وبدون اعتبار بل يحترم الناس على قدر عطائهم (( يدعي شيئاً ليس فيه فاقتبس جهائل من جهال  )) يمكن ان تكون حاشية المسؤول من الجهال وبطانة السوء ولا يقدمون له الا النصائح التي تزيده جهلاً وابتعادا عن القرارات الصحيحة (( وأضاليل من ضلال )) حينما يكون الإنسان غير سوي و انتهازي يبحث عن مصالح خاصة ويتزلف الى المسؤول سوف يقدم النصيحة التي تعجبه للمسؤول وليس النصيحة الحقيقية فتكون ضلال وحينما يأخذ بها المسؤول يزداد انحراف وضلال (( ونصب للناس أشراكا من حبال غرور )).
يا مسؤول حينما لا تكون لديك المعرفة ولا تدري ما هو القرار الصحيح وتحيط نفسك بعدد من الانتهازيين الذين يصفقون لك ويزيدوك جهلاً وضلالاً سوف يوقعوك بمطبات كثيرة تخرج عن الشفافية وتخرج عن الوضوح وتخرج عن الحرص على مصالح الناس وتصب همك بفعل تكتيكات تبقيك على كرسي الحكم، وتبحث عن الطرق التي تنصب بها الفخ للناس وتوظف الإمكانات والامتيازات التي تمنح لك من السلطة حتى تضرب هذا بذاك وتخلق فتن بين الناس وكل ذلك من اجل ان تبقى في السلطة ( فرق تسد ) كما نقلت في سياسة الاستعمار.
انت يامسؤول مهما كانت مسؤوليك بسيطة تضرب موظف بموظف وتفرق بينهم حتى تكون انت المنقذ وقد يكون في مستويات قيادية أعلى واعلى (( وقول زور )) تخدر الناس بالوعود الفارغة ، ولكن اذا خدرت الناس ماذا تفعل في ذلك الوقت ؟ والواقع انها سوف ترتد عليك بشكل اكبر والأفضل ان تكون صادقاً مع الناس ، وهنا يبدأ مكمن الخطر الكبير (( قد حمل الكتاب على أرائه )) القرأن ، القيم ، المثل ، الضوابط ، الدساتير ، القوانين تحمل على أرائك وليس ان تعرض أرائك على الكتاب فتعطي لأفعالك وأقوالك وسلوكك وحديثك تعطيه سمة القداسة والشرعية وهذا هو الخطر العظيم (( وعطف الحق على أهوائه )) الحق تحمله على أهوائك وليس ان تعرض رغباتك على الحق.
المسؤول حينما يبدأ يرى نفسه هو الحجة الكبرى وموقفه هو الموقف الصحيح حتى وان تعارض مع مواد دستورية وقانونية ، اذا لا يعتبر القانون هو المسطرة التي تعرض عليها وانما يعمل ما بوسعه وبما يرغب وثم يطالب المستشار القانوني يرى تخريجة لهذه المواقف (( وعطف الحق على أهوائه يؤمن الناس من العظائم ))  هذه ظاهرة خطيرة ، الأمن سوف يضيع وهو على كف عفريت ، هذا الفساد ينخر بالدولة ، الفقر ، البطالة ، مشاكل أليس من حل ؟ لكن  يقولون لا هذه بسيطة تنحل  ، لا تبالغون ولا تسيسون ، التهوين والتخفيف من حدة المشاكل ومن حدة الأزمات (( ويهون كبير الجرائم )) جرائم كبرى يقلل من قيمتها في أنظار الناس ، أليس في عرس الدجيل الأطفال والنساء والكبار والصغار ذبحوا كما يذبح الكبش ، ناس مسالمين يقولن انها قضية بسيطة ، كيف ؟ اليس نصف مليون إنسان قتل في الانتفاضة في غضون أسبوعين وهذه اكبر مجزرة في تاريخنا المعاصر بينما يقولون هناك مبالغة ، يقلل من قيمة الجرائم وهذه مشكلة كبيرة يقع فيها المسؤول (( يقول أقف عند الشبهات )) أي التزم بالدستور واحتكم الى القانون وأعمالي كلها قانونية ولا أتخطى الحواجز واهتم بالحريات وأتمسك بحقوق الإنسان ، هكذا يقول ((أقف عند الشبهات وفيها وقع ))  وهذا المسؤول هو اول من يخرق القانون واول من يتجاوز على المال العام وأول من يصادر الحريات وأول من يسىء الى كرامة المواطنين ، (( ويقول اعتزل البدع )) يقول اريد ان اسير على الطريق الصحيح وارسي الشفافية في البلد واريد ان اعمل ضمن السياقات الصحيحة (( وبينها اضطجع )) وكل سلوكه من أوله الى أخره كله بدع وكله خروج عن المألوف وكله تجاوز للسياقات الصحيحة ، هذا المسؤول حينما يبتلى بهذه السلوكيات يحاول ان يغطي على الرائحة النتنة للهوى وللشهوات وللاستبداد والتكبر على الناس يغطيها برائحة الدين الطيبة حينما يكون كذلك ماذا يصير حالة كما يقول أمير المؤمنين (ع)
(( فالصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان )) أي ليس له من الإنسانية شيء  الا الشكل والإنسان بقلبه وجوهرة وليس بشكله (( لا يعرف باب الهدى فيتبعه )) لا يدري اين الموقف الصحيح حتى يتخذه بل اشتبكت عليه الأمور كثر عليه المستشارين وكل منهم يعطيه تفسير وكل تفسير يأتي على خلفية مصلحة معينة (( ولا باب العمى فيصد عنه )) ولا يعرف اين هي المشكلة حتى يعالجه بل تشتبك وتلتبس عليه الأمور (( وذلك ميت الأحياء )).
ليس له من سمات الحياة رغم انه يأكل ويشرب ويسير لأن الحياة ليس اكل وشرب ، انسانيتنا ليس بالأكل والشرب لأن الحيوان ايضاً يأكل والنبات كذلك وكل الكائنات الحية ، كيف يكون الإنسان قادراً على ان يخطو خطوة في الاتجاه الصحيح ان يحقق خدمة للناس ان يزيل مظلمة من مظالم الناس ان يقرب الناس الى ما فيه صلاحهم ، هذه الحياة والذي لا يملك هذه الحالة هو ميت الأحياء كما يعبر امير المؤمنين (ع).
والاثر الثالث للأستبداد هو التغيير ، يا مستبد حينما تستبد برأيك وحينما لا تعترف بأحد غيرك ولا تقبل بالرأي الاخر سوف تتقاطع مع الآخرين سوف تزداد الاحتجاجات الشعبية وتتكرس المعارضة السياسية وتتكتل القوى الشعبية الأخرى بالضد منك وفجأة ترى نفسك في وادي والشعب في وادي اخر ، هذه تجربة الربيع العربي كما يسمونها نرى فيها ان حكام مقدرات الشعوب بيدهم ويحكمون لمدة عشرين وثلاثين واربعين سنة واذا بهم تتزايد الضغوط على الشعوب حتى تصل الى مستوى تنفجر الشعوب وتنزل الى الشارع  وفي هذا الوقت لن تنفع الدبابات ولا القنابل النووية ولا الجيوش والمنظومات الاستخبارية كلها لا تشفع للمسؤول وقد لاحضنا هذا الأمر في العديد من الدول بعضها أنجزت وتحررت والبعض الأخر قيد الانجاز كما يقولون وليس من استثناء لمثل هذه الظواهر كلما زاد الاستبداد والاستحواذ كلما ضاقت الأمور على المسؤول وهناك بعض المسؤولين من يرى ان من اجل بسط قبضته ومسك البلد يضع أناس من حزبه ومن مقربيه في مسؤليات معينة وهو لا يدري ان كل من يضعه في هذه المسؤولية ويقيل السابق من جهة اخرى كلما حرض عدد اكبر من الناس عليه وكلما زادت المعارضة عليه حتى تصل الى حالة الذروة وحالة التغيير وهذه سنة إلهية يتحدث عنها امير المؤمنين (ع)  وتشير الآيات القرآنية الى هذه الحقيقة ، ماذا يقول علي (ع) في غرر الحكيم الجزء الأول  صفحة 140 (( احذر الحيف الجور  فأن الحيف يدعو الى السيف )) اذا تريد ان تقسي على الناس سوف يؤدي الى اصطفاف الناس وتمحورها وتعارضك وتشهر سيفها عليك ، (( والجور يعود بالجلاء )) اي الضغط يؤدي الى جلاء الناس وهجرتها (( ويعجل العقوبة والانتقام )).
حالة الضغوط المتزايدة تعجل العقوبة والانتقام ألإلهي ، وفي نفس المصدر الجزء الثاني صفحة 187 (( من جارت ولايته زالت دولته )) الذي يكون أساس حكمه على  الجور حكومته تسقط وتنهار ، وفي رواية أخرى صفحة 158 (( من جار أهلكه جوره )) الظلم يطيح بالحكم والمسؤولية ، الله سبحانه وتعالى ماذا يقول في قرأنه في سورة القصص الآية 59 (( وما كنا مهلكي القرى الا وأهلها ظالمون )) حينما يشيع الظلم ينهار الحكيم ويأتي الهلاك ، وعلى العكس من ذلك ففي سورة هود الآية 117 (( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون )) اذا كان هناك صلاح وعدالة الله يحافظ واذا كان هناك ظلم السماء تتدخل للإطاحة بهذا الحكم ، الله الله  يا مسؤولين في تجنب الاستبداد الله الله في دماثة الخلق والترابية والإصغاء الى الأخر فأنه المدخل لرضا الله ورضا الناس وثقة الناس ولدوام الحكم ، ولا مناص من الدخول الى هذا المدخل الصحيح وان نتواضع للناس ونسمع الى الخبير ونأخذ بكلامه.