كان حديثنا في الليالي الماضية عن نظام الحقوق في الرؤية الإسلامية وذكرنا ان رسالة الحقوق لسيدنا ومولانا الإمام علي بن الحسين السجاد(ع) تؤشر الى هذه المنظومة المتكاملة وإذا أردنا أن نتحدث عن قوة المجتمع فلابد لنا ان نتلمس هذه القوة في تماسكه واذا أردنا ان نصل الى مجتمع متماسك فلا بد من تعريف واضح في الحقوق بين أبناء هذا المجتمع ، مدخل القوة وسر النجاح والتحول الى فريق واحد لتحقيق الأمجاد والتألق المستمر في واقعنا انما يكون بمراعاة بعضنا للأخر والالتزام بحقوق بعضنا تجاه الآخر ، لذلك الحديث عن نظام الحقوق في الرؤية الإسلامية ليس حديثاً ترفيا وإنما يرتبط بصلب الاهتمامات الاجتماعية والواقعية في علاقة الإنسان مع ربه وفي علاقته مع نفسه وفي علاقته مع الآخرين .

 حق الله تجاه عباده ..

لا زال الحديث في الحق الأول والأكبر من هذه الحقوق وهو حق الله سبحانه وتعالى تجاه العباد وقد ذكرنا ما أشار اليه الإمام السجاد (ع) في رسالته في الحق الأول حيث قال (( وأما حق الله الأكبر فأنك تعبده لا تشرك به شيئا فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه ان يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب منها )) قلنا من يريد خير الدنيا فعليه بحق الله وهو العبادة ومن أراد خير الآخرة فعليه ايضاً بهذا الحق ، وتحدثنا في عدة موضوعات تخص العبادة وكان حديثنا في الليلة الماضية عن دوافع العبادة والطاعة لله سبحانه وتعالى وقلنا ان هذه الدوافع قد تكون أحيانا الطمع في عطاء الله سبحانه وتعالى والرغبة في الحصول على لطف الله وعنايته في الدنيا والآخرة ، الإنسان يعبد حتى يحصل على مكاسب وعلى رعاية وعناية ونعم إلهية لأن الطاعة  لها اثر وضعي وتؤدي الى سعادة  الدارين ، وأشارت الى ذلك العديد من الآيات القرآنية كما اشرنا ، هناك دافع آخر وهو الخوف من العذاب ، خوفاً وخشية ورهبة من عذاب الله وسخطه وغضبه من الآثار الوضعية المترتبة على المعصية ، وأحياناً يجتمع الطمع والخوف في وقت واحد ، الإنسان طامع بعطاء الله وخائف من غضب الله فيما لو لم يطع لذلك يتحرك في الطاعة ولكن هناك دافع آخر لم يسع الوقت للحديث عنه في الليلة الماضية نتحدث عنه اليوم في هذا الليلة الشريفة هذا الدافع أسمى من الطمع وأسمى من الخوف

 عبادة الأحرار ..

وهؤلاء الذين يطيعون الله وفقاً لهذا الدافع يقولون إن الله في منزلة الربوبية ويجب ان يطاع والقضية لا تخص الجنة والنار بل هذه المرتبة العالية المتمثلة بمرتبة الربوبية تستحق ان يقف الإنسان وقفة إذلال وخضوع وخشوع ورهبة تجاه هذا المقام ، هذا المقام له أهلية الطاعة ، وكل نعمة وكل حركة هي من الله ، وهذا الدافع لم يرتكز لا على الجنة ولا على النار لا طمع في الجنة ولا خوفاً من النار بل ترتبط المسألة بأهلية هذا المقام للعبادة شكراً والتزاما بهذا الموقع يطيع الإنسان وهذه اكبر واهم من عبادة الطامعين او عبادة الخائفين لاحظوا ماذا يقول علي (ع) مولى الموحدين وسيد المتقين في بحار الأنوار ج 67 صفحة 186 (( الهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ، بل وجدتك اهلاً للعبادة فعبدتك )) انت يا الهي أهلا للعبادة واذا لم نخضع لله فإلى من نخضع انت تستحق من يخضع لك ويخشع لك وان تطاع ، في تحف العقول صفحة 250 الحديث 5 عن الإمام الحسين (ع) (( ان قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وان قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وان قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة   )) اذن أفضل دوافع العبادة حينما يعبد الإنسان ربه شكراً لمقام الربوبية .
أيضا في الكافي الجزء الثاني صفحة 84 عن الإمام الحسين (ع) (( ان العبادة ثلاثة ، قوم عبدوا الله عز وجل خوفاً فتلك عبادة العبيد وقوماً عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء وقوم عبدوا الله عز وجل حباً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة )) ، الله يحب ويعشق تهوى اليه النفوس هو الرب ونحن المربوبين هو الخالق ونحن المخلوقين هو المولى ونحن العبيد .
اذا كانت العبادة على هذا الدافع شكراً ، محبة  ، لأهلية الله للعبادة ، والعبادة التي يكون دافعها الشكر والمحبة تجعل الإنسان بكل وجوده يركز على ما يرضاه الله سبحانه وتعالى لا يخطو أي خطوة  حتى يراعي الله فيها فتنتظم حياة الإنسان وسلوكه فتصبح أفكاره وأفعاله وسلوكه منتظمة وفق مشيئة الله وما يريده الله سبحانه وتعالى ، ولذلك ماذا يقول علي (ع) (( ما رأيت شيئاً الا ورأيت الله قبله وبعده ومعه )) يصبح الإنسان لا يرى سوى الله ودائماً رضا الله هو المستحضر وإرادة الله هي الحاضرة وتتحكم بمسار الإنسان وهذا هو الجانب الأول وهو حق الله على العباد ان يعبدوه .

 الإخلاص في العبادة والعمل ..

الركن الثاني في هذا الحق هو الإخلاص (( فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل على نفسه ان يكفيك أمر الدنيا والآخرة )) العبادة وحدها لا تكفي بل الإخلاص في هذه العبادة ترى الإنسان يتصدق على الفقراء ويخدم الناس ويحسن إليهم صنف العمل لا يكفي بل هل كان العمل خالصاً لوجه الله ، اذا كان خالصاً لوجه الله فهنيئاً لك يا مؤمن  وهذه هي ما يترتب عليها الأثر الكبير واذا كان ليست خالصة فلا قيمة لها ، العبادة بمفردها غير كافية لابد ان تكون عبادة خالصة لماذا لأن أي عبادة يغيب عنها الإخلاص يطالها الشيطان ، الشيطان دخل في التزام مع الله سبحانه وتعالى وضمن لنفسه الحياة ان يبقى إلى يوم الدين ويكرس وجوده لإضلال الناس وانحرافهم ولكن الفئة الوحيدة التي لا يطالها انحراف الشيطان هي الفئة المخلصة من الناس ، انظروا المشهد القرآني الرائع الذي يحدثنا عن هذا الحوار بين الله سبحانه وتعالى وبين إبليس في سورة ص الآية 71 وما بعدها (( إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين )) الله سبحانه وتعالى يقول إنني تلقت إرادتي ان اخلق بشر جنسه من الطين (( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين )) هذا الإنسان الذي خلقته من طين أريد ان اجعله أفضل الخلق وانتم يا ملائكة بمنزلتكم العظيمة أريدكم تسجدون لهذا الإنسان أريد أن أكرمه أريد أن اجعله في منزلة رفيعة (( فسجد الملائكة كلهم أجمعون  الا إبليس استكبر وكان من الكافرين ))  استكبر ، ترفع ، تكبر ، ولم يستجب للأمر الإلهي وكان من الكافرين لأنه خرج عن طاعة الله سبحانه وتعالى (( قال يا إبليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي )) هذه إرادتي تعلقت بخلق الإنسان فما هي دوافعك ان في ان لا تسجد لهذا الإنسان مع اني أمرتك بالسجود (( أ ستكبرت ام كنت من العالين  قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )) إبليس من النار فكيف يسجد لمن هو من طين هذا الموجود وهذا الكائن يدعي إبليس انه اقل منه قيمة ومقدار ، انظروا التكبر والتعالي أين يصل بالإنسان ، شعور الشخص  أنه أحسن من غيره ، أصبح عنك إمكانات وثروة ، وهذه الإمكانات مسؤولية وهي لا تعني انك أفضل من غيرك ، ربما هناك فقير ولا يملك قوت ليلة ولكنه أفضل وأحسن منك مراتب ، أصبحت مدير ولكن من قال لك ان الموظفين الذين يعملون تحت أمرتك أقل قيمة منك لأنك أنت مدير ! قد ترى إنسان كبير عند الله ولدى ملائكة السماء معروف ، بعمل وبكرامة إلهية وبمنزلة رفيعة ، على الإنسان عندما ان يكون في موقع ما وتصبح لديه إمكانات معينة ، أموال ، وجاهات ، أن لا يأخذه الغرور والاستعلاء ، ماذا فعل هذا الاستعلاء بالشيطان بمجرد أن خرج عن طاعة الله ، ونعرف ان إبليس كان من العُبّاد ، وكما تشير الروايات انه كان يعبد الله تعالى أربعة آلاف سنة ،  ولكن هذه السنين من سنواتنا أم من سنوات الجنة وهو كان في الجنة   " يوم كان مقداره خمسين ألف مما تعدون " أربعة آلاف سنة يعبد الله في الجنة ولكن التكبر والاستعلاء النرجسية وتفضيل نفسه على الآخرين أوصلته الى هذا المصير ، " قال فاخرج منها فانك رجيم " أنت مطرود مادمت قد عصيت ولا مكان لك في الجنة ، الجنة ليست مكان للعصاة ، " وان علك لعنتي الى يوم الدين " ، اللعنة الإلهية سوف تتابعك الى يوم الحساب لأنك خرجت عن الطاعة ووقعت في مرض التكبر والاستعلاء ، " قال ربي فانظرني إلى يوم يبعثون " مادمت تريد ان تخرجني من الجنة وتعاقبني أعطني أجر السنين الطويلة التي عبدتك فيها وهي ان أضمن الحياة الى يوم القيامة ، " قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " الى قيام الساعة وهو يوم معلوم عند الله تعالى ، وبعد ما ضمن البقاء والحياة " قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين " سوف أغوي كل عبادك وأسعى في انحرافهم وفي إضلالهم وابذل جهد في إخراجهم من الطاعة وأفقدهم الجنة ، وهذه صفات اللئيم ، أخذ على نفسه ان يغوي ويضل الناس " الا عبادك منهم المخلصين " فقط المخلص لا يمكنني ان أتقرب منه لأنه عنده حصانة ومناعة ، اليوم المواطن البسيط تأتي له تهمة وعلى الفور يؤخذ للسجن وينام في السجن سنة أو سنتين أو أكثر الله اعلم ، ولكن اذا كان نائب او وزير ومهما تكن التهمة كبيرة و واضحة والوثائق بينة  فلا أحد يتعرض له لانه يمتلك حصانة الا بعد سحب الحصانة منه حتى يمكن اتخاذ إجراء بحقه ، الإنسان المخلص عنده حصانة إلهية بحكم إخلاصه ولن يتمكن الشيطان منه ولا يستطيع ان يضله او يحرفه لان الإخلاص نور والشيطان ظلام والظلام لا يستطيع ان يخترق النور ، الإخلاص طهارة ونقاء وصفاء والشيطان لا يملك الفرصة في أن يغوي المخلصين ، " قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين " يقول الله تعالى أنا أعطيت فرصة للناس للكمال وأرسلت لهم الأنبياء والرسل ووضحت لهم الطريق وجعلتهم مختارين فان اختاروا الطاعة فالجنان أمامهم وان اختاروا المعصية وساروا وراءك يا إبليس فالنار لك ولهم .
في سورة البيّنة آية 5 " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين  حنفاء " ما على الإنسان إلا الطاعة والعبادة ، ولكن أي عبادة " مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويأتوا الزكاة وذلك دين القيّمة "  ، هذا دين الأمة المستقيمة ، العبادة المخلصة إقامة الصلاة إيتاء الزكاة الالتزام بما أمر الله به ، في سورة الكهف آية 110 " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا " ، اذا أردت لقاء الله وأردت السعادة في الآخرة  فعليك بالعمل الصالح والإخلاص الذي ليس فيه شرك لله سبحانه ، وقد ورد بشكل مستفيض في الروايات الشريفة هذا المضمون ، " ما أخلص عبد لله عز وجل أربعين صباحا  الا جرت ينابيع الحكمة  من قلبه على لسانه " هذا الإنسان المخلص اذا مر عليه اربعين يوما وهو يعيش الإخلاص في فكره وفي قوله وفعله وسلوكه فالله تعالى يجري الحكمة على لسانه ، نرى أحيانا أناس بسطاء ويمكن حتى تعليمه بسيط ودراسته متواضعة ولكن حديثه فيه حكمة وعظة وعمق وفيه فهم عميق للحياة ، كيف يكون هذا وهو إنسان بسيط ويحدثك بأمور حتى المتخصصين والعلماء ربما لايدركون هذه المعلومات ، الله يجري الحكمة على لسان من يعيش الإخلاص ، في رواية أخرى " الناس كلهم هالكون الا العالمون " غير العالم يكون جاهل وغير الجاهل لا يستطيع النجاح والفوز والعالم يمكن ان يتفوق لان الله يمنحه البصيرة ، " والعالمون كلهم هالكون الا العاملون " ، علم وحده لا ينفع نحتاج الى موقف وعطاء ، قيمة الإنسان في أن هذا العلم يتحول إلى عمل والى سلوك وأداء وخدمة والى هداية ، ولذلك يا عالم إذا لم تكن عامل فالهلاك يصلك وما هو فرقك عن الجاهل لأنك تختزن المعلومة ليس أكثر واختزان المعلومة لا يكفي ، خزين المعلومة التي ليس فيه عمل ولا ثمار او معطيات ليس لها أثر ، " والعاملون كلهم هالكون الا المخلصون " العامل الذي يعمل ولكن ليس لله فان عمله لا قيمة له  ، العمل إنما ينفع اذا كان لله أما إذا كان لغير الله لا قيمة له ، العمل حينما يكون خالصا لله يترك أثرا ، " والمخلصون على خطر عظيم  " يا مخلص لأنك توفرت فيك عناصر الإخلاص عليك أن لا تتصور أنك أصبحت معصوما ، في أي لحظة قد تتعرض لأمر يودي بإخلاصك لان الإخلاص ايضا أمامه تحديات ، المهم كيف تحافظ على إخلاصك .
وفي وصايا لقمان لابنه " أخلص العمل فان الناقد بصير " الناقد هو الناظر ، الله سبحانه وتعالى عارف ، في المحظر الربوبي لا مجال للتسويف والله ينظر ويقيّم  ، لذلك اذا كان الناقد بصير وان الله و من يراقب عمل الانسان فاذا نقص الإخلاص ولو قليلا يفسد العمل وهذا ما يتطلب المزيد من الدقة والحرص على العمل المخلص ، اذن حق الله تعالى على عباده اولا العبادة وثانيا الإخلاص في العبادة ، ويبقى السؤال الملح والمهم كيف نحافظ على هذا الإخلاص ، وما هي التحديات التي تقف بوجه الانسان  في هذا المجال ، وسنتحدث عنه في الليلة القادمة باذن الله تعالى .