كان حديثنا في الليالي الماضية عن النظرية الإسلامية في منظومة الحقوق وقلنا ان الحديث عن مجتمع قوي ومتماسك إنما يمكن ان يتم حينما نتحدث عن منظومة الحقوق والواجبات التي تنظم العلاقة بين الناس ما هو حق الله سبحانه وتعالى على عباده وما هو حق النفس على الإنسان وما هي حق الجوارح والأعضاء على الإنسان وما هو حق الإنسان على الإنسان ، هذه الحقوق مجتمعة تمثل الإطار وتمثل المسار العام الذي ينظم العلاقة بين أبناء المجتمع .
وبدأنا بالحديث عن حق الله سبحانه وتعالى على الإنسان وحق النفس وكان حديثنا في الليالي الماضية عن حق اللسان وذكرنا أهمية اللسان في الآيات القرآنية والروايات الشريفة  والمخاطر الكبيرة التي ممكن أن يقع فيها الإنسان من ذنوب ومعاصي ومشاكل معنوية وأخلاقية كبيرة جراء اللسان مما يجعل عملية الحديث هو التحرك في ساحة الألغام فكما ان الإنسان في ساحة الألغام يحذر ويحتاط أين يضع قدمه ، حينما يريد ان يتحدث عليه ان يكون ايضا محتاطا وحذرا وعلى هذه الخلفية نجد التأكيد الكبير على السكوت (( ان كان كلامك من فضة فسكوتك من ذهب )) وذكرنا العديد من النصوص الشرعية التي تبين أهمية السكوت وعدم الحديث إلا عند الحاجة ليس ضروري ان يكون الإنسان كالطماطم حاضرا في كل طعام ، لا ، هناك ضرورة يتحدث واذا لم تكن هناك ضرورة يكتفي بحديث الآخرين .

 ثم قلنا علينا ان نستعرض أهم الآفات والعوارض التي يقع فيها اللسان  ، قلنا لابد ان نقف عندها ونستعرضها ، والخطر الأول الذي تحدثنا عنه في الليالي الماضية هو الحديث بما لا يعني ، قلنا ان هذه توقع الإنسان في مطبات كثيرة ويرجح ان يبتعد الإنسان عن الحديث فيما لا يعنيه ،هذا هو الخطر الأول الذي ممكن ان يقع فيه الإنسان حينما يتحدث بما لا يعنيه .

 

آفة اللسان ..الحديث الزائد

اليوم ننتقل الى الحديث  عن الآفة الثانية والخطر الآخر للسان هو الحديث الفضفاض الحديث الزائد اليوم نسميه الثرثرة ، ومن كثر حديثة كثرت زلته ، كلما يزيد الكلام تزيد المشاكل وتزيد الهفوات ومن ثم نبحث عن الترتيش والتبرير ، كثرة الحديث من المسائل التي يقع فيها الإنسان وهي غير مرضية ولذلك لاحظنا في العبارة التي يتحدث فيها الإمام زين العابدين عن حق اللسان يشير الى هذا الجانب حينما يقول (( وإعفائه من الفضول الشنيعة )) أعفيه وامنعه من الحديث بالفضول الشنيعة والفضول هو الفاضل أي الزائد غير المفيد ، (( القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها مع قلة عائديتها )) يمكن ان يكون مضر وعلى اقل التقدير غير مفيد ، هنا الأفضل للإنسان ان يتجنب الحديث الزائد ، في سورة النساء الآية 114 (( لا خير في كثير من نجواهم الاّ من أمر بصدقة او معروف او إصلاح بين الناس  )) النجوى الحديث السري الهمس بالأذن ، كثرة الحديث والهمس هذه كثرة لا خير فيها بحسب القران الكريم ، أما اذا كانت هذه الكلمة فيها خير ومساعدة للناس وحل مشاكلهم فيها إصلاح ذات البين في هذه الحالة لا بأس به الحديث شيء جيد ولكن الحديث الذي يتجاوز هذا الموضوع يكون من فضول الكلام ومن الثرثرة المنهي عنها في هذه الآيات والروايات الشريفة ، قال رسول الله (ص) (( ما أوتي رجل شرا من فضل في لسانه )) يعني كل ما يصل الإنسان من شر فهو من هذه الثرثرة والحديث الكثير الذي يصدر من الإنسان من دون ان يكون محتاج الى الحديث بهذا الحديث في سورة النساء في الآية 140 (( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غيره)) في مجلس ليس فيه كلام مفيد ليس فيه حديث نافع فيه استهزاء بالقيم والمبادىء وفيه تطاول على الثوابت وفيه اعتداء على الله سبحانه وتعالى فيه انتهاك للحرمات في مثل هذه المجلس لا تجلسوا حتى يخوضوا في حديث غيره ، ماذا نفهم من هذه الآية نفهم ان الخطر ليس فقط في انك تتحدث بحديث الباطل بحديث غير مفيد أيضا اذا تحدث الآخرون وأنت تسمع نفس هذا الاستماع يجعلك شريك في إثم المتحدث حينما تسمع ولا تتخذ موقف ولو بأن تخرج ، وإذا لم تخرج وتبقى جالس بحجة عدم المشاركة ولكن نفس الحضور والاستماع هو بحد ذاته هو مشاركة وحضور ، قال رسول الله (ص) (( ان الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن انها تبلغ به ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه الى يوم القيامة )) واذا به يكسب رضا الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمة او العبرة او الحكمة التي تحدث بها ، هذا في الجانب الايجابي اما في الجانب السلبي (( وان الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن انها تبلغ به ما بلغت فكتب الله عليه بها سخطه الى يوم القيامة )) يبقى الله غاضب على الإنسان لأنه نطق وتفوّه بهذه الكلمة الا ان يتوب ويستغفر ربه ويعالج آثارها ، وقد قلناها في الليالي الماضية كلمة تقال ولكن يترتب عليها ما يترتب وقد تراق دماء على كلمة ، او ان خطاب تحريضي يمكن ان يشعل الشارع ويوقع الناس بعضهم مع البعض ومن يتحمل كل هذا الصراع والقتل والذبح وهذه الدماء يتحملها من نطق بتلك الكلمة وحرض الناس بعضهم على البعض  ، وفي بعض الأحيان الشارع تراه يغلي ويظهر من يتحدث بكلمة يهدأ بها النفوس ويطيب الخواطر وهذه كلمة خير يبقى الله راض عنها الى يوم القيامة ، وهناك من يتحدث بكلمة يؤجج المشاعر ويحرض الناس بعضهم على بعض ويوقع العداوة والبغضاء بين الناس الله يبقى ساخط عليه الى يوم القيامة ، وقال النبي (ص) (( ان الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلسائه  يهوى بها ابعد من الثريا ))  هذا الإنسان الذي يطلق الكلمة الباطلة التي فيها إساءة للآخرين وهتك للحرمات هذه الكلمة تسقط الانسان الى الهاوية ، احذر ايها المؤمن ايها الانسان ماذا تقول وكيف تقول وبماذا تتحدث ، وقال (ص) (( أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل )) هؤلاء الذين اهتموا أكثر في الحديث بعثرات الآخرين وتعقبها وتحدثوا بالحديث السيء هؤلاء مشكلتهم أصعب المشاكل لذلك كثرة الحديث والثرثرة اعتبرت من الزلات ومن الآفات ومن الأمراض التي يقع فيها اللسان ولا بد ان يحذر منها الانسان والذي عليه ان يعرف مقدار الحاجة ثم يسكت ويترك للآخرين المجال ان يتحدثوا ، هذه هي الثقافة لا نتحدث الا بالمفيد واذا تحدثنا نتحدث بقدر الضرورة وما زاد عليها نسكت هذه ثقافة مهمة نحن بأمس الحاجة إليها .

 

الكذب ..يُخرّب الإيمان

الكذب ، أن يقول الإنسان خلاف الواقع ، يصف الأمور على خلاف واقعها وهو يعلم ذلك ، هذا كذب ، الصدقية رأس مال كبير في الرؤية الإسلامية ، يجب أن لا يتجاوز الصدق لأي سبب من الأسباب ، نعم عند الضرورة اذا كانت حياة الإنسان في خطر يجوز له ان يقول خلاف الواقع حتى يحافظ على نفسه ولكن عموما يجب على الإنسان ان يكون صادقاً ، الروايات والآيات في هذا الموضوع كثيرة جدا وأنا حاولت ان أتصفحها واختار نماذج منها حتى نتبارك في هذه الليلة الشريفة بهذه النصوص ، في الكافي الجزء الثاني صفحة 838 الحديث الثاني عن ابي جعفر الباقر (ع) قال (( كان علي بن الحسين يقول لولده اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل فان الرجل اذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير ، أما علمتم ان رسول الله (ص) قال  ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذابا  )) اذا تعود الانسان ان يتحدث بالكذبة الصغيرة يتحول هذا الأمر الى إدمان على الكذب ويتجرأ ان يكذب الكذب الكبير ، فتكرار الكذبة الصغيرة تجعل الإنسان يتجرأ ليقول كذبة كبيرة ولو بعد حين ، والإصرار على الكذبة الصغيرة من شأنه أن يتحول هذا الإنسان الى انسان كذاب فالإصرار على الصغائر يؤدي بالانسان الى الكبائر وهذا ما يقوله علماء الكلام ، الإصرار على الصغائر هو بحد ذاته ذنب كبير يجعله من الكباُئر ، ايضا عن الإمام الباقر (ع) (( ان الكذب هو خراب الإيمان )) إيمانك يخرّب بالكذب ، الله الله يجب على الإنسان لا يٌحتمل في حقه الكذب بحال من الأحوال  ، قال امير المؤمنين (ع) (( لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب  هزله وجدّه )) طعم الإيمان لا تستشعره ولا تشعر به الا ان تترك الكذب في الجد والهزل ، عن الرضا (ع) قال(( سأل رسول الله (ص) يكون المؤمن جبانا ؟ قال نعم ، قيل ويكون بخيلا ؟ قال نعم ، قيل ويكون كذابا ؟ قال لا)) الكذب يتقاطع مع الإيمان ، بخيل جبان ممكن لكن كذاب لا يمكن .

للمنافق أربع سمات ..

عن النبي (ص) قال " أربع من كن فيه فهو منافق وان كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، من إذا حدّث كذب " الكذاب الذي يقول خلاف الحقيقة هي صفة من صفات النفاق ولذلك بمجرد ان يتعود الإنسان على الكذب يقترب من مساحة المنافقين ، صفة النفاق تتوفر فيه ، " وإذا وعد أخلف " وان أستجارك أحد من المشركين فأجره " المشرك حين يلوذ بك تعطيه الأمان ، يجب ان يكون الانسان عند وعده وعند كلمته ، واذا عاهد غدر " الالتزام بالعهود والمواثيق بالاتفاقات ، الذي يتجاوز العهود ويغدر هذا من صفات المنافقين " واذا خاصم فجر " بمجرد أن يحصل الاختلاف ليس من حدود للاختلاف يكون هناك تشهير وتسقيط ولو أتيح له يقتلك وما الى ذلك ، مستعد أن يرتكب أي  فجور ومعصية بسبب انه اختلف معك ، نحن اختلفنا في قضية الا اننا متفقون في مئة قضية لماذا قمت بهذه الأعمال من التشهير والتسقيط وغيرها ، هذا لا يجوز ، لابأس من حقك ان تنتصر لرأيك  ولكن أعطني الحق لي لانتصر لرأيي ، ليس عيبا ان نختلف ولكن العيب أن يجرّنا الاختلاف الى التدافع والتراشق والوقوع في المعصية ونشر الغسيل ، هذه ليست من شيمة المؤمن وإنما من سمات المنافقين كما تشير هذه الرواية الشريفة .

 

صدق الحديث وإفشاء السلام ..

قال معاذ قال لي رسول الله (ص) " إني أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث وأداء الأمانة " يجب الحفاظ على أموال الناس وأعراضهم وأسرارهم " ووفاء العهد وبذل السلام  " إفشاء السلام من سمات المؤمنين  ، " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " إفشاء السلام يوجد محبة وألفة بين الناس ، ينقل عن بعض العلماء انه اذا دخل مجلسا لم يكتفي بالسلام عليهم وانما يخص واحدا واحدا بالسلام وهكذا يشعر كل واحد من مجلسه انه مورد احترام واهتمام يخصه بالسلام ، " وخفض الجناح " تواضع ، هذه هي السمات التي أوصى بها رسول الله (ص) . قال رسول الله (ص) " من حلف على يمين مؤثم " قدم تقرير كيدي كما نعبر عنه اليوم ، تقارير كيدية من أجل الإضرار بالآخرين ، يريد ان ينتزع حق من شخص ما ، يشهد شهادة زور، يكذب في قضية من القضايا  " ليقتطع فيها مال امرئ مسلم بغير حق " قد يكون مال او شيء آخر ، بسبب تقرير كيدي يتحمل الإنسان بضع سنين في السجن ثم يخرج ، من يتحمل هذه المعاناة التي تحملها " لقي الله يوم يلقاه وهو عليه غضبان "  .

المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور ..

 قال عبد الله بن عامر جاء رسول الله (ص) الى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب فقالت أمي يا عبد الله تعال أعطيك فقال رسول الله (ص) وما أردت أن تعطيه فقالت تمرا يا رسول الله فقال (ص) أما انك لو لم تفعلي كُتبت عليك كذبة " وهذا درس حتى لو كانت النية في إسكات الطفل  فلا تكذب عليه ، مادام الأمر خلاف الواقع فعليك عدم فعل ذلك . في البحار ص72 ج225 قالت أسماء سمعت امرأة تسأل رسول الله (ص) أن لي ضرّة وأنا أتكثّر من زوجي بما لا يفعل " من أجل إغاظتها وبيان انه يهتم بي اكثر منها ، أدّعي بأمور ليست حقيقية " أضارّها بذلك " يعني أشاكسها  أو أزعجها بهذا الكلام  في شيء " فهل لي فيه شيء  " هل علي شيء مما أقوم به من عمل لمجرد النكاية بهذه الضرة " فقال رسول الله (ص) المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور "  هذه شهادة باطلة وكذبة ، وهذا الأمر لا يختص بالضرة ، كل واحد منا في حياته يريد أن يقول انه مهم ويبدأ بالكلام الكذب في اهتمام الناس به وترحيبهم الشديد ، ينقل صورة غير واقعية ، على كل حال هذه كلها من المتشبع بما لا يعطى ، هكذا يعبر رسول الله يظهر انه مورد اهتمام هذا عنده عقدة نقص وهذا الذي يرى نفسه غير مهم يحاول ان يعبر عن موقعه ودوره واهتمام الآخرين به من خلال اختلاق أحداث غير موجودة ، ما يستثنى من الكذب هو ان يقول الإنسان شيء خلاف الواقع وهو مسموح به هو إصلاح ذات البين ، لاحظوا هذه الرواية عن رسول الله (ص) في الكافي الجزء الخامس صفحة 245 روي عن أبي كاهل قال (( وقع بين رجلين من أصحاب النبي (ص) كلام حتى تصادما فلقيت احدهما فقلت ما لك ولفلان فلقد سمعته يحسن الثناء عليك ولقيت الآخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ثم قلت أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين فأخبرت النبي فقال (ص) يا ابا كاهل أصلح بين الناس )) يعني حتى لو تطلب ذلك بيان ما هو خلاف الواقع ، الرسول اقر هذا المنهج بعد ما سمع منه النبي انه تكلم خلاف الواقع للإصلاح ، يقول في هذا المورد لا بأس ان يتحدث الإنسان بهذا الحديث ، والمهم ان يكون الإنسان صادقا ، لاحظوا الآية الشريفة ماذا تقول في سورة المائدة الآية 119 (( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ابدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم )) نسأل الله ان يجعلنا من الصادقين الذين يصدقوا القول والفعل ويكون عند كلامه ولا ينطق الا بالحق ان كان هزلا ، ان كان مع طفل ، مع زوجة ، مع كبير ، مع صغير دائما يعلم الإنسان نفسه ان لا يقول الا الصدق فهذا هو طريق النجاة ، نسأل الله ان يحقق هذه الملاكات في أنفسنا .