بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين , ولعنة الله على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين ,
 

" الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون " صدق الله العلي العظيم

بدأت مهمة التبليغ المباركة بالنبي الاكرم (ص) فقد أمره الله سبحانه وتعالى بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة بإيصال شريعة الإسلام المقدسة الى عباده " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا " وقد قام (ص) بذلك على اكمل الوجوه وقد تحمل في سبيل ذلك الكثير من الأذى من جهال قومه وقد قابلها (ص) بحلم عظيم وخلق عال داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة فكان بذلك أفضل قدوة وأعظم أسوة ، فقد روي عنه (ص) انه قال في حجة الدعاء " ايها الناس اتقوا الله ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار الا وقد نهيتكم عنه وأمرتكم به ولم يترك (ص) أمته من بعده في حيرة او ضياع بل اوضح لهم معالم الحق واعلام الدين حيث امرهم بالتمسك بالثقلين من بعده قائلا في الحديث الذي رواه المسلمون بطرق كثيرة وبعبارات مختلفة" يا ايها الناس إني قد تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي " وقد بذل اهل بيته صلوات الله عليهم جهودا عظيمة في الحفاظ على الإسلام وقيمه ومثله العليا مما كلفهم ارواحهم ونفوسهم وقد عاشوا صلوات الله عليهم أيامهم يرعون هذا الدين ويدفعون عنه الشبهات والفتن وقد  أولوا للتبليغ وتعليم أحكام الدين ونشرها وحفظها اهتماما بالغا وقد تجلى ذلك بالوضوح في عهد الامام الصادق عليه السلام نتيجة توفر الظروف المناسبة وقد تصدى عليه السلام لتعليم وتربية المؤمنين حتى انتشر أصحابه والرواة عنه في الأفاق ومختلف البقاع  ، فقد ذكر الشيخ المفيد قدس سره ان اصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقاة على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة ألاف , وفي حديث هشام بن سالم عن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال لما حضرت ابي الوفاة قال لي يا جعفر اوصيك باصحابي خيرا قلت جعلت فداك والله لادعنهم والرجل منهم يكون في المصر فلا يسال احدا , وفي حديث الحسن بن علي الوشاء ادركت في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد وقد اكد عليه السلام على شيعته ان يدونوا العلم ويحفظوه للاجيال ، وفي حديث المفضل بن عمر قال لي ابو عبد الله عليه السلام اكتب وبث علمك في اخوانك فان مت فاورث كتبك بنيك فانه ياتي على الناس زمان هرج لا يانسون الا بكتبهم " وقد استمرت هذه السلسلة المباركة من الرواة الى ما بعد الغيبة الصغرى فجمعا لنا وبعد جهد عظيم سنة النبي (ًص) واهل بيته عليهم السلام في مختلف شؤون الدين والعقيدة واحكام الشريعة فجزاهم عن الاسلام واهله خير الجزاء وقد اكد الائمة صلوات الله عليهم على شيعتهم على الرجوع الى الرواة والفقهاء في احاديث كثيرة لا يسع المجال لسردها كما حددوا وظيفة العالم والمتعلم وللاستضاءة بشيء من كلامهم نذكر التوقيع المبارك ، ففي حديث اسحاق بن يعقوب قال سالت محمد بن عثمان العمري ان يوصل لي كتابا قد سالت فيه عن مساءل اشكلت علي فوردت التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام اما ماسالت عنه وارشدك الله وثبتك الى ان قال واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانه حجتي عليكم وانا حجة الله وما حلت الغيبة الكبرى الا بعد قيام الحجة ووجود مصادر التشريع في متناول ايدي العلماء والدارسين وبذلك بقي الاسلام وشريعته الغراء حيا نقيا بعيدا عن التاثر بالاراء والاهواء والضنون رغم التحديات العظيمة التي لايخلوا منها زمان ولامكان , وما حصل ذلك الا بجهود كبيرة وعظيمة قام بها المبلغون في الاجيال السابقة واللاحقة فجزاهم الله عن الاسلام واهله خير الجزاء فعلينا ان نعرف شرف هذه الوظيفة واهميتها وان نؤديها مع كمال الاخلاص لله تعالى وحسن النية فانه تعالى عالم بالسرائر مطلع على الضمائر بيده اسباب التوفيق والتسديد , وعلى المبلغ المخلص مراعاة الامور التالية :
 

اولا / ان ياخذ الاحكام من مصادرها الشرعية مستضيئا بالعلماء الصالحين مبتدعا عن الاجتهادات التي لاتعتمد على دليل صحيح فان من اعظم المسؤوليات التي يتحملها المبلغ الحفاظ على الحقائق الدينية الاصيلة , وقد حذر الشارع المقدس من ذلك تحذيرا شديدا ، وفي حديث عبد الرحمن قال ابو عبد الله عليه السلام " لا يتكلم الرجل بكلمة حق يؤخذ بها الا كان له اجر من اخذ بها ولا يتكلم بكلمة ضلال يؤخذ بها الا  كان عليه وزر من اخذ بها .

ثانيا / ان يوصلها الى عموم الناس وافرادهم المنتشرين في بقاع الارض المختلفة ويخاطبهم بها بلغتهم وبما يناسب اجوائهم ومداركهم متجنبا الغلظة والشدة في الاداء , قال تعالى " ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " ، وروي عن الرسول الاعظم (ص) ان الرفق لم يوضع على شيء الا زانه ولا نزع من شيء الا شانه وعليه ان يكون من المبادرين الى الالتزام بالفرائض الدينية واجتناب المحرمات والشبهات فان الحجة عليه اقوى والمسؤولية في ذمته اكبر واشد وبذلك يكون داعيا الى الله سبحانه وتعالى ويكون تاثيره اقوى في نفوس سامعيه والمحيطين به ، فعن الامام الباقر عليه السلام " ابلغ شيعتنا انه لن ينال ماعند الله الا  بعمل وابلغ شيعتنا ان اعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم يخالفه الى غيره .

ثالثا / على المبلغ التواصل مع المؤمنين ورعاية شؤونهم ومحاولة التخفيف من معاناتهم ومساعدة الضعفاء منهم فقد اكد الائمة الطاهرون عليهم السلام على التواصل  فيما بين المؤمنين وجمع كلمتهم ونبذ الفرقة في ما بينهم في احاديث كثيرة وللتبرك نذكر مارواه خيثمة عن الامام ابي عبد الله الصادق قال عليه السلام ابلغ موالينا السلام واوصهم بتقوى الله والعمل الصالح وان يعود صحيحهم مريضهم وليعد غنيهم على فقيرهم وان يشهد حيهم جنازة ميتهم وان يتلاقوا في بيوتهم وان يتفاوضوا علم الدين فان في ذلك حياة لامرنا رحم الله عبدا احيا امرنا "فعلى المبلغين الكرام الاهتمام البالغ بهذا الجانب الحيوي لما فيه من فوائد عظيمة وكبيرة فان باجتماع القلوب والتوادد والتحابب يقوم الكيان الديني العام وتتفعل دعوته وتثمر في مجاله العقيدة والعمل بل وله اعظم الاثر في جمع كلمة الامة وتوحيدها امام الجهات المعادية والضغوط الخانقة والفتن والمشاكل الكثيرة التي يعاني منها الحق واهله في كل زمان ومكان .
 

وبحضور هذا الجمع الكريم نستذكر بعض الامور الهامة التي تفرضها طبيعة الظروف التي يعيشها والاحداث التي تشغلها الساحة ..
 

الاول / نهنيء العالم الاسلامي عامة وشيعة اهل البيت خاصة بالذكرى المباركة الحبيبة لقلوب المؤمنين والتي مضت علينا قبل ايام وهي ذكرى ميلاد بقية الله تعالى في أرضه  وحجته على عباده الحجة بن الحسن (عج) ذلك الهلال الصادق الذي يرعى الدين الحنيف ومسيرة الايمان المباركة من وراء ستر رقيق والذي ينتفع به في غيبته كما ينتفع بالشمس اذا جللها السحاب وهو المنتظر لخلاص هذا العالم من مآسيه التي يعيشها ونسال الله سبحانه وتعالى ان لا ينسينا ذكره وان يعجل فرجه وان يجعلنا من انصاره وان يهب لنا رأفته وشفاعته ودعاءه انه خير مسؤول واكبر مأمول ..

الثاني/ يطل علينا شهر الله الاكبر شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان والذي يقول فيه رسول الله (ص) وهو شهر عند الله افضل الشهور وايامه افضل الايام ولياليه افضل الليالي وساعاته افضل الساعات وهو شهر دعيتم فيه الى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله فعلى المؤمنين وفقهم الله تعالى ان يحفظوا حرمة هذا الشهر العظيم ويؤدوا حقة في الانابة الى الله تعالى والتوبة اليه من الذنوب والتوجه اليه بقلوب صافية ونيات خالصة وان يتوقفوا فيه عن المحرمات ويسارعوا للخيرات ويتفقدوا ذوي الحاجات الى غير ذلك مما يقربهم الى الله تعالى ويجعلهم أهلا لرحمته وفضله  ، في حديث جابر عن ابي جعفر الباقر (ع) قال كان رسول الله (ص) يمضي بوجهه الى الناس فيقول يا معشر الناس اذا طلع هلال شهر رمضان غلت مردة الشياطين وفتحت ابواب السماء وابواب الجنان وابواب الرحمة وغلقت ابواب النار واستجيب الدعاء وكان لله فيه عند كل شطر عتقاء من النار وينادي منادي كل ليلة هل من سائل هل من مستغفر اللهم أعط كل منفق خلفا واعط كل ممسك تلفا حتى اذا طلع هلال شوال نودي المؤمنون ان اغدوا الى جوائزكم ، ثم قال ابي جعفر أما والذي نفسي بيده ما هي بجائزة الدنانير والدراهم .

الثالث /  يتعرض المدنيون من أتباع أهل البيت (ع) الى حملة ارهابية تستهدفهم بالتكفير والقتل في سائر أنحاء العالم وخاصة في العراق الجريح حيث تستهدف التجمعات المدنية كالاسواق واماكن العبادة والعمل ويصل الحال احيانا الى تعمد استهداف الفتيان والاطفال وهذه من جرائم الابادة الجماعية فعلى المتصدين للشان العام الوقوف بوجه هذا المخطط بالخطط المدروسة ويجب التواصل مع الاخوة من سائر المذاهب ليتحمل الجميع مسؤوليته في القضاء على الفتنة وحفظ الوئام والانسجام بين المسلمين فان ذلك من اهم الغايات الدينية الشريفة كما ان اللازم التحرك على المؤسسات الدولية لتقوم بواجبها للتعامل مع هذه الجرائم على انها جرائم ابادة والوقوف بوجه هذا المخطط الاجرامي الذي له تداعيات خطيرة على الامن والسلام في المنطقة .

وفي الختام ندعو الله سبحانه وتعالى ان يكلل جهود المخلصين بالفلاح والنجاح ويبارك للمؤمنين في الشهر الفضيل ويصلح امر دينهم ودنياهم ويدفع عنهم ويعز نصرهم انه ارحم الراحمين وخير الناصرين وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وهو حسبنا و نعم الوكيل .