بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين .السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين ، وعلى وأولاد الحسين ، وعلى أصحاب الحسين .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نقف اليوم هنا في هذا المؤتمر لنساهم بوعي في واحد من أساليب التعبير عن الأرتباط بثورة ابي عبد الله الحسين عليه السلام ، فالدراسات والأبحاث والتأمل في الثورة الحسينية هي الوجه الآخر المهم من وجوه أحياء الشعائر الحسينية ، فهي تمنحنا فرصة التفكير بعمق بأبعاد هذه الثورة العظيمة بكل مضامينها العاطفية والاجتماعية والدينية والسياسية الى غيرها من المضامين ، التي نعتقد أنها ما زالت بحاجة الى الكثير من التأمل للاستفادة منها في حياتنا المعاصرة وحياة الأجيال القادمة.

هنا سأحاول أن اقدّم إستعراضاً موجزاً لمفردة خصائص الحوار الحسيني ، وهو موضوع مهم بدون شك ، لأنه في نهاية المطاف يقدّم لنا نموذجاً رائعاً ، بل هو في الواقع مدرسة متميّزة في ثقافة الحوار الإسلامي .

إن المتتبع للثورة الحسينية ، سيجد أن هناك أربعة مراحل حاور فيها الإمام الحسين عليه السلام مختلف الأصناف من الناس ، وأن هناك قواسم مشتركة في طبيعة الخطاب الحسيني في كل هذه المراحل ، وهناك خصائص متميزة في كل مرحلة من المراحل .
 

ويمكن أن نقسم المراحل بالشكل التالي :
 

1 ـ مرحلة ما قبل الثورة والخروج وهي تتمثل في اللحظات التي وصل فيها خبر وفاة معاوية بن ابي سفيان الى المدينة المنورة في أواخر رجب من سنة 60هـ ، والحوار الذي دار بينه وبين والي المدينة سعيد بن العاص ومروان بن الحكم .

والحوارات الأخرى التي دارت مع أخيه محمد بن الحنفية ، وآخرين حينما عزم على الخروج من المدينة المنورة.

2 ـ مرحلة الخروج من المدينة المنورة والإستقرار في مكة المكرّمة ، ولقاءه بالوفود القادمة إلى بيت الله الحرام للحج من مختلف البلاد الإسلامية .

3 ـ مرحلة الخروج من مكة إلى العراق والحوارات التي أجراها في الطريق مع أصحابه ، ومع من التقى بهم في الطريق وهو متجه نحو العراق .

4 ـ مرحلة الحوار في العراق ، وخصوصا بعد استقراره في كربلاء ، والحوارات التي جرت قبل يوم عاشوراء ، ويوم عاشوراء .

هذه المراحل الأربعة شهدت أنماطاً مختلفة من الحوارات بين الإمام الحسين عليه السلام مع أخوته وأهل بيته ، وأنصاره من جهة ، ومع خصومه وأعدائه من جهة أخرى .
 

وهي كما نعتقد تمثل مادة مهمة للدراسات ستساهم في تجلية إبعاد الثورة الحسينية وأخلاقياتها بصورة أوضح ، لكننا هنا سنشير إلى عدة أبعاد تمثل استخلاصاً سريعا لأهم الخصائص المشتركة في الحوار الحسيني.
 

1 ـ  بيان أهداف الثورة وابعادها ، وانتماءها الأصيل لمباديء الإسلام ، وارتباطها بالسنة النبوية الشريفة ، وأنها امتداد لحركة الرسول الأعظم .

فقد كرر الإمام الحسين في أكثر من حوار أنه عليه السلام لا يريد إلا الإصلاح في أمّة جده رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلّم .

وهذا بحدّ ذاته يمثل حرص الحسين على تقديم حركته الإصلاحية بإنها أمتداد حقيقي لسيرة الرسول الأعظم (ص) وأعادة الإسلام الى مساره الطبيعي الذي اراده الرسول في أمّة الإسلام.

فقد ذكر ذلك في المدينة المنورة مع أخيه محمد بن الحنفية حينما حاول صرفه عن الحركة ، كما ذكره في حواراته في مكة المكرّمة مع عبد الله بن عبّاس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر حينما حاول جميعهم صرفه عن الثورة.كما ذكر ذلك في كربلاء في حواراته المتعددة هناك.

2 ـ  الوضوح في الهدف والنتائج والرؤية المستقبلية .

لقد كان الحسين عليه السلام بدون شك وكما نعتقد يتحرك بإرادة غيبية ، واستجابة لأمر الواقع وقيام التكليف ، وكان يُدرك النتائج المترتبة على هذه الحركة ، وهو يُدرك مع ذلك ، أن مسؤوليته الدينية والرسالية تحتّم عليه , وهو الإمام , أن يتحرك نحو تحقيق أهداف أبعد بكثير من هدف الحصول على السلطة ، والسلطة والحكم عند الحسين عليه السلام لا تمثل هدفاً بحد ذاته بقدر ما تمثل وسيلة لتحقيق العدالة والصلاح في الأمّة.

ونجد هذا الوضوح في الرؤية في كل المراحل التي تحدّثنا عنها ، ولو تأملنا في حواراته المتعددة لوجدنا أنه عليه السلام كان يعيش في وادٍ والآخرون يعيشون في واد آخر ، حتى أن المحبين والمشفقين عليه ، كانوا يطلبون له السلامة ويقترحون عليه السكوت ، أو الذهاب إلى أماكن بعيدة ليس فيها للأمويين سلطان قوي كاليمن ، كما هو مقترح ابن عبّاس ، لكنه في كل الحالات كان يرى في العراق وكربلاء المحطة التي يكتمل عندها المشهد الإصلاحي الحسيني .

وهكذا الأمر نجده في حواراته قبل يوم عاشوراء ، وحتى في الليلة التي سبقت عاشوراء ، وفي يوم عاشوراء ، وقد صرّح هو بذلك بأوضح صورة في ليلة عاشوراء ، حين قال لمن جاء معه من المدينة او مكّة ( هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ) وصرح عليه السلام بإن القوم يطلبونه هو ، وكان يعلم ، أنه سيمضي حتى آخر الطريق في نهاية محتومة ومعروفة مسبقاً بالنسبة له ، وحرص أشد الحرص على ايجاد هذا الوضوح في النهايات لأصحابه ، ومن هنا يحق لنا أن نقول أن التاريخ لم يحدّثنا عن أصحاب مثل اصحاب الحسين عليه السلام .

3 ـ  إلإستماع إلى الرأي الآخر  .

طيلة الحوارات وفي مختلف المراحل لم نلحظ من الحسين عليه السلام  أنه عزف عن الإستماع إلى رأي من الآراء وخصوصاً تلك الآراء التي كانت تُعرَض بنيّة النصيحة أو الإشفاق والحِرص على حياته الشريفة ، بل كان دائماً يقرع الحجة بالحجة ، وهو عليه السلام ، لم يقرّع أحداً لأنه لم يلتحق به ، ولم يتهم أحداً بأنه تخاذل عنه ، ولم ينسب رأياً من الآراء للتخاذل وحب الحياة ، لكنه في نفس الوقت ومن أجل بيان الحُجّة كان يقول ( من لحق بنا أستشهد ، ومن تخلف عنّا لم يُدرك الفتح ) ، وهي كلمة في غاية الحكمة ، بل هي منتهى الحكمة .

وحتى في كربلاء ولقاءاته بالحر بن يزيد الرياحي قبل عاشوراء ، أو في حواراته مع عمر بن سعد قبل يوم عاشوراء بل وفي ليلة عاشوراء ، كان عليه السلام يقدم الدليل والحجة تلو الحجة للطرف الآخر ، ولم نسمعه في حوار من الحوارات ، يخرج عن هذا الخط المستقيم في بيان اهداف الحركة ، وحتى في أشدّ الحوارات قسوة في يوم عاشوراء ، كان حواره وخطابه عليه السلام ، يهدف إلى بيان الأرتباط الوثيق بين حركته وسيرة رسول الله ( ص) ، بل أنها امتداد لهذه السيرة الشريفة.

4 ـ  الالتزام بموضوع الحوار .

وهذه من الخصائص العظيمة التي نتعلم منها الكثير ، فعلى الرغم من أن أعداءه حاولوا في الكثير من الحالات الإبتعاد في حواراتهم عن أصل الموضوع الذي من أجله ثار الإمام الحسين ، مثل السبّ والشتم ، أو الترهيب والترغيب ، وإيثار السلامة ، لكنه عليه السلام كان يتمركز في حواره حول الموضوع الرئيسي  والهدف المركزي في حركته ، مع أنه كان قادراً على رد الصاع صاعين لمن تجرّأ عليه ، وهذا يكشف بُعداً مهما في أبعاد الحركات الرسالية وهو بعد السمو والتسامي فوق الموضوعات والتفاصيل التي لا طائل من تحتها ولا غناء فيها لحركة الأهداف السامية.

5 ـ  التذكير بقرابته من رسول الله وانه سبط النبي ولا سبط نبي غيره في العالمين .

وهذه من الخصائص المشتركة في حواراته ، فهو سبط رسول الله وابن بنته فاطمة الزهراء ، والتذكير بهذه الحقيقة ـ مع أنها معروفة ـ  كانت تهدف ربما إلى أعطاء الفرصة لمن أغوتهم السلطة أو غيبّت إرادتهم بالعودة إلى جادة الصواب ، فهم يقاتلون سبط نبي ، شهد له الرسول الأعظم بأنه سيد شباب أهل الجنة ، فالحسين عليه السلام ينتمي الى رسول الله مرتين ، مرة بانتمائه النسبي والرّحِم والدم ، ومرّة ينتمي بالأهداف والرسالة ، ولم يترك الحسين عليه السلام استخدام التذكير بكلا الانتمائين ، حتى في بيانه الأول للثورة أوضح ذلك بالقول ( إني لم أخرج أشِراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي رسول الله ...الخ ) وكان يمكنه أن يكتفي بالقول ( لطلب الإصلاح في أمة رسول الله ) ، لكنه يذكر "جدّه" هنا لبيان العلاقة النسبية والرحم ، والتذكير بأن إهراق دمه هو إهراق لدم رسول الله ، وقتله هو قتل لرسول الله والاعتداء عليه هو أعتداء على رسول الله .

6 ـ العدالة في الحوار وعدم الظلم .

يبتعد المحاورون في أغلب الأحيان حين يحتدم الصراع والحوار عن الإنصاف والموضوعية والعدالة ، ويقعون احيانا في ظلم الآخرين بسبب إختلاف الرأي والمواقف ، لكننا نجد في حوار الحسين مع من اختلف معه بالراي أو مع الأعداء والخصوم ، أنه لم يعتدي على احد أبداً رغم اعتدائهم عليه بالاتهام الباطل ، او الكذب والأفتراء والبهتان ، لقد وجدناه عليه السلام يستحضر في كل حواراته قول الله تعالى في كتابه الكريم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) المائدة آية(8)) .

هذه ربما هي أهم الخصائص المشتركة ، وربما هناك غيرها ايضاً يمكن استخلاصها بعد التأمل والدراسة المتأنية .

هذه الخصائص وغيرها تقدّم لنا دروساً عظيمة ومهمة في أدب الحوار ، حتى مع الخصوم ، وهي تنير لنا الطريق الشائك عندما نختلف مع الأصدقاء او مع الخصوم وحتى الأعداء .

إن الحوار يجب أن يحدد هدفاً واضحاً ، وهدفه الواضح هو الإقناع بوجهة نظر أو رأي أو الدفاع عن وجهة نظر ورأي ، وهذا هو المحور الاساسي الذي يجب ان يدور عليه كل حوار ، نعم يمكن استخدام المؤثرات الأخرى التي تساعد في تحقيق أهدافه ، لكن يجب ان تكون تلك المؤثرات بعيدة عن الظلم ، والبهتان والافتراء ظلم نهى عنه الله تعالى حتى مع الأعداء ..لإن الظلم مكروه بل هو قبيح عقلاً ، لا يمكن لمؤمن ان يقترفه مهما كانت الأحوال.

أيها الأخوة والأخوات الكرام

إن الثورة الحسينية ثرّة غنية بكل الدروس والعِبر ، وعلينا ان نكثف جهودنا في اكتشاف ذلك وتحويل تلك الدروس والعبر إلى ممارسة عملية في حياتنا ، فذلك هو ما هدف إليه الإمام الحسين عليه السلام.

فهو عليه السلام لم يخاطب بكلامه وحواراته أبناء جيله فقط ، وإنما هو يخاطبنا ويخاطب كل الأجيال ، وهو يلقي علينا الحجّة ، وما دمنا نعلن ولاءنا وارتباطنا بالحسين عليه السلام وأئمة أهل البيت ، فعلينا تقع مسؤولية عظمى في تجسيد أخلاقهم وسيرتهم من خلال استيعاب الدروس في حياتهم.

هذه الدروس العظيمة ندعو اليها اليوم ونحن نعيش في أجواء أوضاع خاصة في العراق ، فيها الأختلاف في الراي ظاهرة حياتية بارزة ، وفيها الأختلاف بل التقاطع في المواقف ، وتقاطع المصالح ايضاً ، ونحن من هنا ندعو وفي هذه المناسبة الجميع الى استثمار هذه الفرصة في العودة إلى أصول الحوار الحسيني لعلّنا نصل الى تحديد مشتركات متفق عليها حينما نختلف في الرأي والموقف.

إننا اليوم أيها الأعزّاء ، نعيش أجواء الانتخابات القادمة ، وكما تعلمون أن الانتخابات وبسبب التنافس الانتخابي تكون مسرحاً للعديد من النشاطات والأعمال ، وأجدها فرصة مناسبة ، لكي ادعو الجميع إلى استذكار هذه الحقائق ، وخصوصاً مسالة العدل حتى مع المنافسين . وتجنّب الحاق الظلم بهم .

لقد استشهد الإمام الحسين عليه السلام من أجل أعظم المباديء وأسمى الأهداف ، هنا على أرض العراق ، وارتبطت شهادته وأصحابه وأهل بيته بضمير العراقيين منذ اجيال ولحد الآن ، وحريّ بنا أن نتوحد حول الحسين ..ليوحدنا الحسين عليه السلام.

أتمنى لمؤتمركم هذا النجاح ، والثواب الجزيل  .والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 

السيد عمار الحكيم .

رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي.

20/11/2013