بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين المظلومين, ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين,

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياءا عند ربهم يرزقون " صدق الله العلي العظيم .

أكد أئمة أهل البيت ( عليهم السلام) في أحاديث كثيرة يصعب إحصائها والإحاطة بها على إحياء ذكرى واقعة كربلاء الفجيعة واقعة الدماء والعطاء تلك الواقعة التي انتصر فيها الحق على الباطل مع قلة العدد وخذلان الناصر, وبذلك صارت رمزا لانتصار الدم على السيف والمال , فقد أراد الطغاة والمنحرفون بإغراء المال وبطش السيف ان تموت هذه الأمة المرحومة وتنسى دينها العظيم وتعاليمه القويمة ومثله الرفيعة وأخلاقياته الفاضلة وترجع في غفلتها نحو جاهليتها العمياء لتتخذ من الطغاة أصناما تعبدهم من دون الله تعالى وتجعل منهم أئمة يقودونها الى النار تحلل ما احلوا وتحرم ما حرموا من دون وازع ولا رادع , وقد أفصح عن ذلك (الملعون معاوية)  بكل وضوح حيث قال" لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل , لست من خندف إن لم انتقم من بني احمد ما كان فعل " ولقد كان سيد الشهداء (عليه السلام ) على علم بما ستؤول إليه الأمور حيث قال (  صلوات الله عليه ) في جملة كلام له عندما خطب الناس في مكة " وخير لي مصرع انا ملاقيه, كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء " ومع ذلك سار إلى الموت بخطى ثابتة وعزم راسخ ولم يكن معه إلا نجوم الأرض من ال عبد المطلب وعدد قليل  من المؤمنين ممن امتحن الله قلوبهم للإيمان موضحا أهدافه السامية في كلمته المعروفة " واني لم اخرج أشرا ولا بطرا  ولا مفسدا ولا ظالما , وإنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي (ص) اريد ان امر بالمعروف وانهى عن المنكر واسير بسيرة جدي وابي علي بن ابي طالب فمن قبلني بقبول الحق الله اولى بالحق ومن رد علي هذا اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين " ولقد أحس (صلوات الله عليه ) بالفتح وتلمس النصر المتمثل بالشهادة قبل ان يبدا القتال فقد كتب من كربلاء الى من بقي من بني هاشم " اما بعد فانما من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام " كما أشار الى ذلك الإمام زين العابدين (عليه السلام ) في حديثه مع إبراهيم بن طلحة بعد رجوعه (عليه السلام ) الى المدينة حاملا معه الثكالى من آل رسول الله(صلوات الله عليهم ) وقد سأله إبراهيم من الغالب ؟ فقال (صلوات الله عليه وسلامه ) " اذا أردت ان تعلم من غلب ودخل وقت الصلوات فإذن وأقم"  ولقد كانت واقعة الطف المضمخة بالدماء الزكية صرخة مدوية أيقظت ضمير الأمة ونبهتها الى ماهي عليه من سوء بل هزت عروش الظالمين وسلبتهم شرعيتهم التي تستروا بها وصبت عليهم اللعنة والنقمة الى ابد الابدين , وعادت عودة الدين تستقطب ذوي السعادة والتوفيق من اجل ان يحملوها ويرعوها ويبلغوها جيلا بعد جيل , لتبقى كلمة الحق ظاهرة تقوم بها الحجة على الناس ولا يقولوا انا كنا عن هذا غافلين " واذا كان سيد الشهداء (صلوات الله عليه وسلامه ) قد تحدى الطغاة والمنحرفين وقال كلمته المشهورة " والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا افر فرار العبيد " وقدم نتيجة لذلك الدماء الزكية والتضحيات العظيمة فان شيعته ومحبيه قد واصلوا التحدي منذ الأيام الأولى لوقوع الفاجعة والى يومنا هذا بإصرارهم على احياء تلك الذكرى المقدسة بإبعادها المأساوية والعقائدية والأخلاقية الفاضلة وتذكير الأمة بها وبرموزها الشامخة وبجرائم الطغاة والمنحرفين , ملبين نداء نصرته واستغاثته الذي لايزال ياخذ بمجامع قلوب المؤمنين " لبيك داعي الله ان كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري " وقد تحملوا في سبيل ذلك والى يومنا هذا  من التشنيع والتهريج والمصائب والماسي والفجائع ونزف الدماء ما لايحيط به وصف ولا يحصيه بيان , وقد أجنى تاريخيا من فصول تلك الماسي حيث مرت على المؤمنين ظروف عصيبة بدأت منذ الأيام الأولى لقيام النظام البائد والى حين سقوطه ودخول موجات من الإرهابيين والتكفيريين حيث تميز منهج النظام البائد والتكفيريين باستهداف الشعائر والتجمعات الحسينية بالقتل والإبادة الجماعية ناهيك عن السجون والمعتقلات الرهيبة  وقد واجه المؤمنون تلك الماسي بصبر وثبات عظيمين ولايزالون على ذلك ولقد لمواقفهم الايمانية والبطولية اعظم الاثر في صد تلك الهجمة الشرسة وارتداها خائبة خاسرة فجزاهم الله خير على كل ماقدموه من تضحيات عظيمة فان ذلك بعين الله ورعايته انه ولي المؤمنين , وقد كان للمد الالهي والكرامات المتعاقبة وفي العصور المختلفة التي رآها المؤمنون باعينهم ولمسوها بايديهم وعاشوها في واقعهم اعظم الاثر في شد عزائمهم وشحذ هممهم مما زادهم بصيرة في امرهم وثباتا على عقيدتهم وهكذا صدق الوعد الالهي الذي اشارت اليه ام المصائب زينب الكبرى في حديثها مع الإمام زين العابدين (عليهم السلام ) في صبيحة يوم الحادي عشر من المحرم حيث قالت " وبكل ثقة واطمئنان وهي تودع تلك الأجساد الطاهرة الموزعة في صحراء كربلاء "وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس اثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام وليجتهدن ائمة الكفر وأشياع الضلالة على محوه وتطميسه فلا يزداد اثره الا ظهورا وامره الا علوا " وننتهز هذه الفرصة الكريمة لنؤكد على الاخوة الخطباء والمبلغين سددهم الله تعالى ملاحظة الامور التالية :

الاول //

ان يبحثوا عن واقع تلك النهضة المقدسة وإبعادها العقائدية واهدافها السامية ويدرسوها دراسة موضوعية من اجل ان يتعرفوا عليها ويثقفوا عموم المؤمنين ويعرفوهم بها ليزدادوا بصيرة في دينهم واعتزازا بواقعهم وثباتا عليه ودفاعا عنه .

الثاني //

ان يعرفوا المؤمنين اهمية احياء هذه الذكرى المقدسة في حفظ  الدين الحنيف وتجديد حيويته وقيام كيانه وثباته امام القوى المعادية الهائلة ولعله لذا اكد ائمتنا الاطهار ( صلوات الله عليهم ) على احيائها وحثوا على ذلك بمختلف الاساليب واشادوا بفضله وعظيم اجره في احاديث كثيرة جدا, وينبغي بيان ماورد عنهم ( عليهم السلام) في ذلك والتذكير به لان لكلامهم ( عليهم السلام) ومواقفهم العملية موقعها الخاص في نفوس المؤمنين وتاثيرها العظيم عليهم وليعرف المؤمنون ان ما يقومون به من مراسيم تطبيق وامتداد لما امر الائمة (صلوات الله عليهم  )شيعتهم والتبرك , نذكر حديث ( معاوية بن عمار)  فقد ذكر انه استاذن على الإمام الصادق ( عليه السلام) فوجده ساجدا يدعوا لزوار الحسين ( عليه السلام) وكان فيما قال ( صلوات الله عليه ) " فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة ابي عبد الله الحسين وارحم تلك الاعين التي جرت دموعها رحمة لنا وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا , اللهم اني استودعك تلك الابدان وتلك الانفس حتى توفيهم على الحوض يوم العطش الاكبر " .

الثالث//

ان يستفيدوا من هذا الموسم الشريف لبث الثقافة الدينية العامة في العقيدة والسلوك والتعريف برموز الدين ورفيع مقامهم وبرموز الانحراف والطغيان وانحطاطهم وتنبيه المؤمنين الى مايجب عليهم من التعرف على  واقع دينهم والتفقه فيه والاعتزاز برموزه والعمل بتعاليمهم السامية والتنفر من الطغاة والمنحرفين ومباينتهم والبراءة منهم .

الرابع//

مراعاة الغرض الاهم من هذه المواسم والذي اكد عليه ائمة اهل البيت (صلوات الله عليهم اجمعين) في احاديث كثيرة جدا يصعب احصاءها وهو عرض ظلامة سيد الشهداء خاصة , وظلامة اهل البيت (صلوات الله عليهم ) عامة والتفجع لها واثارة الجوانب العاطفية بالاساليب المختلفة نحو مصائبهم ومانزل بهم وتعمد العرض الشجي حزنا والما على ماجرى عليهم (صلوات الله عليهم وسلامه ) فان في ذلك اداءا لحقهم ( عليهم السلام) وتعبيرا عن موالاتهم ولتكون مصائبهم (صلوات الله عليهم وسلامه ) مدعاة لتاسي شيعتهم بهم وسببا لثباتهم في معاناتهم وصبرهم على مايمروا بهم من مصائب وماسي في سبيل قضيتهم واستمرار مسيرتهم كما قال الشاعر" انست رزيتكم رزايانا التي سلفت وهونت الرزايا الاتية ".

الخامس //

يتعرض الشعب العراقي وشيعة أهل البيت ( عليهم السلام) خاصة الى هجمة إرهابية شرسة ادت الى استشهاد وجرح مالا يحصى من الأبرياء وتهجير مئات الآلاف من العوائل الآمنة وكادت البلاد ان تقع ضحية بيد هؤلاء المجرمين لولا الرعاية الالهية وتدخل المرجعية الدينية من خلال فرض الدفاع عن المقدسات والأرواح وكان لعموم المؤمنين في الاستجابة لنداء الواجب الشرعي والدخول المباشر في الميدان اثر عظيم في صد تلك الهجمة الظلامية التي تستهدف الجميع , وأننا اذ نثمن تلك الوقفة الشجاعة والإيثار الذي لا يوصف للمؤمنين الكرام أعزهم الله تعالى ندعو المبلغين الى التواصل مع المدافعين الإبطال وشحذ هممهم وتقوية عزائمهم وإعانتهم في أمرهم , كما نطالب المتصدين للشأن العام مطالبة المؤسسة الدولية بالتعامل مع هذه العمليات الإجرامية على انها جرائم إبادة ضد الإنسانية وملاحقة من يدعمها ويساندها من خلال المنظمات الدولية ونطالب ايضا المتصدين للشان السياسي توحيد صفوفهم وتوجيه كافة الطاقات نحو هدف واحد يتمثل في بناء مؤسسات الدولة على اسس صحيحة لتمارس دورها في القضاء على المجاميع الإرهابية .

 والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق اللهم اجعلنا مع محمد وال محمد في كل عافية وبلاء واجعلنا مع محمد وال محمد في كل مثوى ومنقلب اللهم اجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم واجعلنا معهم في المواطن كلها ولا تفرق بيننا وبينهم انك على كل شيء قدير اللهم بحق محمد وال محمد ارحم شهداءنا وارفعهم إلى اعلى عليين واخلف على ذويهم وأهاليهم بأفضل الخلف وامنن على جرحانا بالشفاء العاجل والعافية والتامة وعوضهم عما أصابهم من عطائك وكرمك , ورد يا ربنا كل أسير إلى أهله سالما غانما واكشف كربات المكروبين انك ارحم الراحمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .