بسم الله الرحمن الرحيم

 

أخوتي وأخواتي الأعزاء

 يشرفني ان التقيكم اليوم وهو موعد قطعنا عهدا على انفسنا ان نتواصل فيه معكم دون انقطاع .. نلتقي في كل عام كي نجدد ارادتنا وعزيمتنا للمسير معاً في هذه الحياة بحلوها ومرها وافراحها واحزانها فان التواصل والتضامن والمواساة هي القيم العليا التي يحثنا عليها ديننا المحمدي الأصيل ... ان استمرارنا في عقد هذا المؤتمر يعني نجاحنا في العمل على تأسيس منهج مجتمعي جديد في التعامل مع الاشخاض ذوي الاعاقة .. وتواصلنا يعني اتفاقنا على تكريس هذا النجاح وتحويله الى واقع ملموس .. اسمحوا لي وانطلاقا من مبدأ الاستمرارية في الطرح وتواصل الفكرة ان اذكركم اننا في العام الأول لمؤتمركم عرّفنا الإعاقة بانها إعاقة الاخلاق وليس الاختلال في عمل عضو من أعضاء الجسد ... وفي المؤتمر الذي تلاه ذكرنا ان الانحراف الفكري والعقيدي هو الإعاقة الإنسانية الكبرى التي تشوه الدين والحضارة وتطفأ شعلة الحياة وهو ما نلاحظه بشكل جلي في سلوك الارهاب الداعشي واستهدافهم الاخير لمتحف نينوى والاعتداء على التراث والتاريخ والحضارة الانسانية بسبب الافكار الظلامية التي يحملونها خير شاهد على ذلك ... وقد أكدنا اننا جميعا لدينا احتياجاتنا الخاصة ولكن الفرق هو ان احتياجاتكم أكثر وضوحا وأكثر الحاحا ... هذه هي المفاهيم التي نؤمن بها في التعامل مع ملف الاشخاص ذوي الاعاقة في منهجنا وفكرنا ورؤيتنا ... واليوم اسمحوا لي ان اشارككم نقاشاتكم وحواراتكم واساهم معكم في إطلاق مشروع خاص للاشخاص ذوي الاعاقة نطلق عليه اسم ((تمكين)) .... اننا نؤمن انكم لا تحتاجون الى رعاية خاصة وانما تحتاجون الى ((تمكين حقيقي)) !!... فمتى ما تم تمكينكم بالصورة الصحيحة والفعالة فأنكم ستقدمون لأنفسكم ولمجتمعكم ووطنكم أعظم الخدمات لأنكم تتميزون على الاخرين بميزة الإرادة والقدرة على الصمود .... وهاتان الميزتان أساس النجاح في الحياة ...

اخوتي واخواتي ....

ان الاهتمام بالاشخاص ذوي الاعاقة لم يعد واجباً انسانياً بحتاً وانما هو واجب وطني مقدس ... لأننا في هذا الوطن الصابر مررنا بظروف صعبة ومؤلمة جدا وكانت وما زالت مواجهاتنا مع الإرهاب مواجهات شرسة وقد تحققت الانتصارات الكبرى على يد قواتنا المسلحة والحشد الشعبي والعشائر العربية والبيشمركة في هذه الايام والبشائر التي ستزف الى ابناء شعبنا في الاسابيع القليلة القادمة بأذن الله تعالى والدور التاريخي الذي مارسته المرجعية العليا في اطلاق فتوى الجهاد الكفائي للدفاع عن الارض والعرض والمقدسات ... وأصبح لدينا شريحة كبيرة من أبنائنا وبناتنا من ضحايا الإرهاب من الاشخاص ذوي الاعاقة... وعليه لم يعد التعامل مع هذه الشريحة الكبيرة والمهمة من المجتمع بدافع " المساعدة " هو المنطق الصحيح ... وانما علينا ان نتعامل معها بمنطق الواجب .. بل الواجب المقدس ... اننا نشارككم افكاركم ومقترحاتكم من اجل ان نخطو خطوات أخرى الى الامام وان ننطلق من مفهوم التمكين للتعامل مع الاشخاص ذوي الاعاقة .. وان المحطة الأولى للتمكين هي التمكين الثقافي والتربوي ومن ثم التمكين المادي والصحي وصولاً الى التمكين العملي ... فقيمة الانسان تبدأ من تحديد قيمته الثقافية والتربوية وهو ما دعانا لمناشدة وزارة التعليم العالي لاعادة النظر في قرارها بخفض مخصصات الطلبة المبتعثين الى الخارج لانهم يمثلون العقول الشابة والواعدة وامل المستقبل الذي بهم وبزملائهم في الداخل يرتبط اعمار البلاد و ازدهارها في قادم الايام ... وعندما يكون الانسان من الاشخاص ذوي الاعاقة تصبح القيمة المعرفية والتربوية ذات طابع خاص .. ومن هذا المنطلق نرى ان السياسة التعليمية الأساسية يجب ان تتغير وان تكون هناك مناهج وصفوف خاصة للأطفال من الاشخاص ذوي الاعاقة وان نعتمد سياسة تعليمية واضحة لهذه الشريحة العزيزة في كل المراحل الدراسية وصولاً الى الجامعات ... بالإضافة الى انشاء المعاهد المختصة للتعامل مع هذه الشريحة المهمة والكبيرة في مجتمعنا ... ان التمكين الثقافي والتربوي هو حجر الأساس في الانطلاق بالمشروع الوطني لدعم الاشخاص ذوي الاعاقة .. وانه لمن المحزن والمؤسف ان نستذكر ما رصدته منظمة اليونسكو من نسبة 90% من الأطفال ذوي الاعاقة في العراق ممّن لا يتلقون تعليما أساسيا ولم يأخذوا فرصتهم في التعليم، وهذا مع الأسف الشديد يؤشر الى ثقافة مجتمعية لا تتفهّم ظروف الاعاقة الجسدية والنفسية والعقلية .. اضافة الى المعوقات المادية والمنهجية وافتقار المؤسسات الى البنية التحتية التعليمية والتربوية الخاصة بهؤلاء الأطفال .. ان هذا الواقع المأساوي يؤكد ان المسؤولين المعنيين والجهات المختصة تأخرت كثيرا في النظرة الجادة لقضايا الاشخاص ذوي الاعاقة وتوفير متطلبات العيش الكريم والتطور العلمي والثقافي لهم .. ان التمكين الثقافي والتربوي هو أساس الانطلاق نحو منهج منصف لأبنائنا وبناتنا ... ومنه ننطلق الى التمكين المادي والصحي حيث تقع المسؤولية على عاتقنا جميعا لتوفير مؤسسات صحية متطورة ومواكبة لآخر المعطيات العلمية الخاصة بالتعامل وعلاج الاشخاص ذوي الاعاقة ، واليوم ونحن في قلب الثورة العلمية والتكنلوجية لم تعد هناك معوقات حقيقية في التعامل مع مختلف الاعاقات ، يرافقها التمكين المادي حيث من حق الاشخاص ذوي الاعاقة ان تكون لهم الأولوية في توفير السكن الخاص اللائق بهم وتقديم المنح والقروض المدعومة من الدولة لتوفير واقع مادي كريم وتمكينهم من الاندماج في المجتمع بطريقة تحفظ لهم كرامتهم وخصوصيتهم وتقديم التسهيلات المطلوبة لتنقلاتهم وسفرهم في الداخل والخارج ومن هنا ادعو وزارة النقل لتقديم تسهيلات خاصة وخصومات مجزية في وسائط النقل الحكومية من طائرات وقطارات ومنشئات النقل العام للاشخاص ذوي الاعاقة ... والمرحلة الأخيرة من التمكين هو التمكين العملي من خلال دفعهم للمشاركة الفعالة في الحياة العامة وتوفير فرص عمل تتلائم وقدراتهم الخاصة ... اننا في بداية الدورة التشريعية الجديدة وامامنا فرصة كبيرة كي نتقدم بمشروع قانون ينظم التعامل الخاص مع الاشخاص ذوي الاعاقة واتمنى ان تتفاعل مختلف الكتل السياسية والبرلمانية وشرائح المجتمع مع هذا التشريع .. اخوتي واخواتي ... لتكن رؤيتنا المستقبلية للتعامل مع هذه الشريحة المهمة منطلقة من محاور متتابعة.... حيث ((التمكين، وتوفير الفرص، والاندماج والمشاركة)) ... هذه هي المحاور الأساسية في بناء رؤية موضوعية عملية شاملة نستطيع من خلالها تقديم حلول عملية واقعية لشريحة كبيرة ومهمة من أبناء شعبنا وان ندفع مجتمعنا الى مزيد من الوعي بأهمية التضامن والتعاون مع أبنائنا وبناتنا من الاشخاص ذوي الاعاقة .... ولنشيع مفهوماً جديداً في المجتمع العراقي وهو ((ان التعامل مع الاشخاص ذوي الاعاقة ليس واجباً انسانياً فحسب وانما هو واجب وطني مقدس)). نحن ندرك ان المشاكل التي تواجهنا كبيرة ومتعددة والتحديات عظيمة ولكن دعم وتمكين أبنائنا وبناتنا من هذه الشريحة سيكون مقدما على بعض الالتزامات الأخرى ... انه اختبارنا الكبير امام الله سبحانه وتعالى وقيمتنا الحقيقية ودورنا الفعال في المجتمع حينما نتفاعل نحن الذين قدر الله لنا احتياجات عادية مع الذين قدّر الله لهم احتياجات خاصة .... اخوتي واخواتي الاعزاء ... اسمحوا لي ان استثمر هذه الفرصة للتأشير على بعض المحاور السياسية المهمة والملحة التي تواجه وطننا في هذه المرحلة التاريخية الحساسة ... لا يخفى عليكم ان الإرهاب الاعمى قد تجاوز في ظلاميته كل الحدود واصبح يتبجح بحرق الأبرياء وقطع رؤوس النساء والأطفال وسبي الحرائر والاسائة الى الإسلام باسم الإسلام ... ان الذي نواجهه اليوم يمثل التحدي الأكبر الذي واجه هذا الوطن منذ امد بعيد ... وان المستقبل القريب يعتمد علينا في تحديد ملامح الوطن الذي سيجمعنا .. فبإمكاننا ان نجعل من هذه المحنة سبباً لتوحيدنا وبداية لانطلاقتنا نحو مستقبل واعد وامن ... ويمكننا ان نجعل منها بداية للتشرذم والتشظي والانفصال ... اننا اليوم امام خيارات محدودة .... وقرارات مصيرية كبيرة وسيحكم علينا التاريخ من خلال ما نقرره في هذه المرحلة ... وامامنا خياران لا ثالث لهما اما خيار الدولة واما خيار الفوضى ..!!!.... وانا واثق ان كل عراقي غيور وعاشق لهذا الوطن سيكون خياره مع الدولة، وان الإرهاب والفكر المنحرف والتكفير والظلامية سيكون خيارها مع الفوضى ... كثيرة هي مشاكلنا ومتعددة هي اختلافاتنا ولكن الواجب يحتم علينا ان نكون فوق المشاكل والاختلافات وان نتعامل مع الاحداث بموضوعية وان نبتعد عن العاطفية في التعامل السياسي ... ان المسؤولية تحتم علينا ان نلتقي في المنتصف في اغلب المشاكل والاختلافات التي نواجهها، وان لا نعتبر اللقاء في المنتصف تنازلاً او ضعفاً، لان طبيعة الحياة تتطلب الالتقاء في المنتصف والتاريخ يحدثنا عن ان الذين حققوا إنجازات عظيمة لبلدانهم وأوطانهم وشعوبهم كانوا متميزين في اعتماد سياسة الالتقاء في المنتصف والقيام بالتسويات التاريخية الكبرى التي تحولت الى ربح للجميع وبقدر ما واجهت الاعتراضات والاتهامات والتخوين حين انطلاقتها ولكنها مثلت الحلول الواقعية التي تمسك بها الجميع ودافع عنها فيما بعد عندما اتضحت فوائدها الكبيرة ... ان المأزومين والانفعاليين والانتهازيين لا يبنون دولة ..!!!!..... وان الظلاميين التكفيريين الإرهابيين لا يبنون دولة...!! هذه هي حقائق التاريخ فلماذا نتردد في اختيار الطريق الذي علينا ان نسلكه ؟؟... فأن الطريق واضح ومحدد ولكنه يحتاج الى شجاعة وإرادة و وعي ... وانني في هذا الجمع الخير ادعو السياسيين والمتصدرين للشأن العام والخدمة العامة في هذا الوطن ان يستفيدوا من تجربتكم انتم الذين يطلق عليهم الاشخاص ذوو الاعاقة وذوو الاحتياجات الخاصة ... ادعوهم ان يجسدوا في انفسهم الإرادة والصبر وهما السمتان الاساسيتان فيكم وان يعملوا على العيش بأمل لغد أفضل كما تعملون ذلك رغم كل معاناة وتحديات الحاضر الذي تعيشونه ... اننا نحتاج اليكم اكثر من حاجتكم الينا ... فقد لا تكون لدينا احتياجات خاصة ولكن ينقصنا الكثير من الإرادة المخلصة والوعي الحقيقي والهمة الصادقة التي تتمتعون بها ... أتمنى لكم مؤتمرا موفقا وناجحا ... ولنتواصل دائما لان التواصل هو الدليل الواضح على نجاحنا وعلى ارادتنا في بناء المستقبل ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...