بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. يسعدني ويشرفني ان أكون بينكم اليوم في مؤتمركم الإعلامي هذا حيث التواصل مع نخبة مجتمعية مهمتها الأساسية خلق وسائل الاتصال بين المجتمع .. ان الاعلام هو اللغة الاسمى للتواصل ... وهو المعيار الحقيقي لمستوى المدنية في أي مجتمع .. فعندما نقول "مجتمع مدني" فهو يعني انه مجتمع يمتلك ادواته الإعلامية الناضجة والواعية والمسؤولة ... فلا مدنية من دون اعلام .. ولا اعلام من دون بيئة مدنية حافظة وراعية ومتفاعلة !!.. واسمحوا لي ان اطرح سؤالا تفاعلياً على مؤتمركم الموقر وهو؛ (( هل الاعلام هو من يساعد على وجود المدنية وبناء المجتمع المدني ؟ ام المدنية تنتج اعلاما متطورا ناضجا ومسؤولا؟ )) ... انني شخصيا أرى ان الاعلام هو بوابتنا لولوج عالم المجتمع المدني .. حيث المدنية تعني الانفتاح والتواصل وتبادل المعرفة وزيادة جرعات الوعي لدى الفرد والمجتمع، وهذه كلها لا يحصل عليها المجتمع الا بوجود اعلام قادر على خلق التفاعل المجتمعي بمختلف الوسائل التي يمتلكها ...

أيها الاخوة والاخوات الكرام ... ان مفهوم الدولة الحديث يقوم على مبدأ السلطات الثلاث ؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية ... وبقدر استقلال السلطات الثلاث وتكاملها فيما بينها تقاس حداثة الدولة وقوتها، ومن هنا جاء مفهوم السلطة الرابعة كي يعبر عن حاجة الدولة الحديثة الى الاعلام ... واحد اهم أسباب احتياجنا للسلطة الرابعة ليس لتكون رقابية تفاعلية مع السلطات الثلاث الأخرى فحسب ، وانما لحاجة الدولة الحديثة الى مجتمع مدني حديث قادر على النمو والتطور والتفاعل مع قوانينها وتشريعاتها وسياساتها التنفيذية !!..ولا يمكن تحقيق ذلك الا اذا امتلك المجتمع صحافة حرة مستقلة واعية ومؤسسات إعلامية ناضجة ومدركة لمسؤولياتها المجتمعية ..وهذا يقودنا الى حقيقة كبيرة واكيدة وهي ان الإعلامي يضاهي السياسي في حركته المجتمعية !!... من هنا يأتي الدور المهم والجوهري والحساس للإعلامي ومؤسسته ووسيلته الإعلامية في بناء المجتمع المدني الحديث وفي بناء الدولة الحديثة .... وهذا ما نؤمن به نحن في مشروعنا السياسي لبناء الدولة العصرية العادلة... أيها الاخوة والاخوات؛ اننا نؤمن ان بناء العراق الحديث هو مسؤوليتكم أنتم ، لانه بحاجة الى ماكنة إعلامية كبيرة وناضجة وواعية تساهم في بناء السلم المجتمعي والتنشئة المجتمعية الصحيحة ونشر الوعي السياسي وترسيخ مفهوم الديمقراطية في المجتمع ونشر ثقافة الحوار وقبول الاختلاف والتعامل مع الاخر والتعايش مع التنوع والتعددية. إضافة الى دور الاعلام في خلق الأدوات الرقابية والنقدية الواعية والبناءة في المجتمع وصولاً الى الدور الاهم وهو خلق التوازن داخل المنظومة السياسية في المجتمع !!.. والتوازن السياسي الذي يساهم الاعلام في ايجاده يتطلب بلوغ المؤسسة إعلامية ذاتها مرحلة التوازن بين حاجاتها المادية لضمان الاستمرارية وبين دورها المسؤول في كونها أداة مجتمعية لنشر الوعي وخلق قنوات التواصل ... وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه المؤسسة الإعلامية ويواجه الشخصية الإعلامية تحديدا ...

أيها الاخوة والاخوات الاعزاء ؛ ان الاعلام في العراق ومنذ اليوم الأول لانهيار الدكتاتورية واجه متغيرات كبيرة حيث كان التحدي متلازماً بين الانفتاح السريع للمجتمع بعد عقود من الدكتاتورية والانغلاق ، وبين التطور الكبير الذي احدثته العولمة ووسائل اتصالها المتعددة والسريعة والتفاعلية، وكان على الإعلامي العراقي ان يواجه المتغيرين ويستوعبهما وينطلق في عملية بناء الدولة العراقية الجديدة والتي تقاد بآلية سياسية ناشئة وفتية !!... لقد كانت ومازالت مرحلة صعبة يمر بها الأعلام الوطني والشخصية الإعلامية الوطنية في التكيف مع كل هذه المتغيرات الكبيرة والسريعة ومع احتياجاتها المادية والمؤسساتية وبناء الملاكات الإعلامية القادرة على قيادة دفة الاعلام الوطني سواء كان اعلاما حزبيا سياسيا او اعلاما مستقلا مجتمعيا تفاعلياً ، وفي كلتا الحالتين كانت الحاجة ضرورية جداً لبناء الشخصية الإعلامية العراقية والانطلاق منها لبناء مؤسسات الاعلام المجتمعي والتي ستساهم بدورها في بناء مكونات المجتمع المدني والدولة الحديثة ..

 أيها الاخوة والاخوات؛ ان الحرية التزام، والاعلام مسؤولية ... ونحن نؤمن ان الحرية الإعلامية هي رافد من روافد الحرية العامة كمفهوم وممارسة ...ولن نقبل باي خرق متعمد لحرية الاعلام وخصوصا الاعلام المسؤول والواعي والناضج ... وما استهداف الصحفيين والإعلاميين الا وسيلة لأرهاب الاعلام وإقصائه من ساحات المواجهة المجتمعية والسياسية ، والذين لا يؤمنون بالديمقراطية الحقيقية ينظرون الى الاعلام نظرة عدائية استفزازية ، ويسعون لتقييد مسارات التطور الديمقراطي من خلال تقييد وإرهاب المؤسسة الإعلامية باغتيال شخصياتها ورموزها .. ان حفظ كرامة الإعلامي وقيمته المعنوية والاعتبارية في المجتمع مدخل اساس لخلق ثقافة إعلامية قادرة على الصمود والتطور والعطاء ... ان الإعلامي جزء من المجتمع وفي الوقت نفسه يقوم بدور حامي البوابة المجتمعية !!... حيث يحاول ان يوفر للمجتمع حريته وكرامته ومعلوماته الصحيحة وبالمقابل علينا ان نوفر له حريته وكرامته ونؤمن له الحد الادنى لمستقبله المجتمعي ... وأتمنى على الاعلام المسؤول والواعي والناضج ان يطور أدوات الرقابة الذاتية الداخلية لديه فمثلما يقوم بدور حامي بوابة المجتمع عليه ان يكون حامي بوابة الأعلام نفسه !!.. فيرفض الاعلام الرخيص المبتذل المبني على الاثارة غير الموضوعية والتسقيط السياسي والاجتماعي والثقافي، ويواجه الاعلام المنحرف الذي يبث ثقافة الاقصاء والفتنة وتمزيق المجتمع والتشكيك بثوابته الوطنية والأخلاقية ومحاولة زعزعة القناعة بالدولة والعملية السياسية والقدرة على التعايش المشترك .. اننا بحاجة الى الاعلام لتطوير ديمقراطيتنا الناشئة، ونحن بحاجة الى الديمقراطية لتطوير اعلامنا المسؤول!! انها ثنائية متلازمة، فالأعلام القوي والفعال لا ينمو ولا يتطور الا في مناخ الديمقراطية والحرية وثقافة القبول بالآخر، والديمقراطية لا تترسخ ولا تتجذر في المجتمع الا بوجود اعلام قادر على خلق القوى المضادة والفاعلة في المجتمع والتي تراقب وتنتقد وتشجع على المشاركة والتفاعل وتدعو الى تحقيق العدل والانصاف في المجتمع وتساهم في رفع درجة الوعي وتنمية روح المواطنة ....

أيها الاخوة والاخوات الأعزاء؛ ان ايماننا بقدسية المهمة التي تؤدونها راسخ ومن هذا الايمان نحرص على التواصل معكم لأننا نؤمن بمبدأ المشاركة فيما بيننا لخلق واقع افضل لمجتمعنا وصياغة مشروع ناضج لامتنا وبناء دولة عصرية عادلة تواكب التطور وتحترم القيم المجتمعية الاصيلة .. وفي ظل التحديات المصيرية التي نواجهها كشعب ومجتمع ودولة فان دور الاعلام يتضاعف ودور الإعلاميين يتزايد ويجعلهم في مقدمة الركب ، ان التحديات المجتمعية هي مادة الإعلامي وقوته اليومي ولكن التحديات الوجودية هي معركته المصيرية ولحظته التاريخية لتسجيل حضوره الفعال ، واليوم نحن في خضم لحظة تاريخية نعيد فيها تشكيل وجودنا الوطني ... فالإرهاب الظلامي الأسود يقتطع جزء مهماً وعزيزاً من وطننا ويسعى لقتل كل علامات الحياة واثار الحضارة فيه ، وهذا الإرهاب يمتلك وعياً اجرامياً شيطانياً ويجيد استخدام وسائله الإعلامية المظللة وينظم لغة التواصل الخاصة به ، وعلينا ان نواجهه بلغة إعلامية لا تقل كفاءة عن لغته الشيطانية .. والإرهاب يدرك ان خط المواجهة الأول امامه هو الخط الإعلامي حتى قبل الخط الأمني والعسكري، لأنه منظومة فكرية قبل ان يكون منظومة عسكرية وأمنية ولذلك فهو يدرك أهمية الاعلام، ومساحة تأثير الشخصية الإعلامية في المجتمع ولهذا يستهدفها بشكل مباشر ويحاول اقصائها من ساحة المواجهة او ارهابها واسكاتها !!...

أيها الاعلاميون الكرام انكم اليوم تقفون في خط المواجهة الأول ضد الإرهاب الداعشي وتقوضون مشروعه الإرهابي الهمجي، فانتم من يقوي ثقة المجتمع بنفسه ويمنحه القدرة على الصمود والتصدي والتحدي وانتم من يفضح زيف ادعاءاته الباطلة ويفكك حججه الظلامية وتخرصاته المنحرفة ... ان شهداء الاعلام هم ابطالنا في ساحات المعارك وهم من يتصدر قوافل الشهداء وتتزين بهم ساحات المواجهة والكرامة ... ان حسم معركتنا مع الإرهاب سيكون إعلاميا وفكريا قبل ان يكون امنياً وعسكرياً ، فمتى ما انتصر المجتمع على الإرهاب فان المواجهة العسكرية تعتبر محسومة ، ولن ينتصر المجتمع على الإرهاب الا بقيادة جحافل الاعلام المسؤول والواعي والناضج ..

اخوتي واخواتي الكرام؛ ان العراق كوطن وهوية يتعرض اليوم لامتحان قاسٍ واختبار صعب، والايمان بالعراق الواحد الموحد هو معركتنا الأساسية ، وسنبقى نرفع راية وحدة العراق ووحدة مكوناته مهما ازداد التشكيك وانتشرت غيوم المشاريع الانفصالية ... اننا نؤمن ان الوحدة اختيار وليس اجبار، ولكننا نؤمن أيضاً ان وحدة الأوطان قدر قبل ان تكون قراراً !!!... وايماننا عميق وكبير بقدرية الوحدة العراقية و وحدة التراب العراقي مع الاحتفاظ بالخصوصية لكل مكون ومساحة الحرية التي يكفلها الدستور والعراق الجديد للجميع ... ان حلم الدولة المستقلة لأي مكون من مكونات الامة العراقية هو حق مشروع ولكن ليس كل الاحلام هي مشاريع ناجزة او واقعية او انها ستكون قادرة على تحقيق السلام والتنمية والكرامة ... ان العراق الواحد المتصالح مع نفسه المحترم لمكوناته هو الضمانة الأساسية لحماية حقوق شعبنا ومواطنينا وتوفير مستقبل آمن لأجيالنا القادمة ... ان المشاعر القومية محترمة ومقدرة ولكن عليها ان تكون مشاعر متحابة ومتصالحة مع القوميات الأخرى في بودقة كبيرة اسمها الوطن العراقي المتعايش والموحد ...

أيها السيدات والسادة الأفاضل ؛ سينتصر العراق على ازماته وسيتجاوز تحدياته وسينجح في بناء مجتمعه المدني ودولته العصرية العادلة بأذن الله تعالى ، انها مسالة وقت وايمان وعلينا ان نمنح لأنفسنا الوقت وان نؤمن بمشروعنا ووطننا وقبلها نؤمن بأنفسنا وإمكانياتنا الذاتية وقدرتنا على العيش المشترك والاتفاق على الحد الأدنى من التوافق ... انني أؤمن بالدور المحوري للأعلام المسؤول في انتاج ثقافة وطن !!... واؤمن بالتأثير النوعي للشخصية الإعلامية في تقويم الشخصية السياسية وتوجيه الشخصية المجتمعية ، وقد أكون متحيزاً للاعلامي ودوره المركزي في بناء مجتمع مدني ودولة عادلة ..

 أيها الاخوة والاخوات الكرام ؛ اننا في زمن المتغيرات الكبيرة والتحديات الأكبر .. وفي زمن الاعلام الذي يخترق كل الحواجز والعولمة التي يمثل الاعلام الشراع الأكبر فيها فيحركها ويدفعها بمختلف الاتجاهات، انه زمنكم انتم يا فرسان الاعلام ورجاله ، وهو عالمكم الذي ستشكلونه بروحيتكم العالية وبوعيكم المتجدد وبالمسؤولية التي تتحملونها ... ان العراق امانة في أعناقكم فدافعوا عنه بوجه الإرهاب الأسود الذي يحاول بحقده ان يقتلع مشروع الوطن من عيون أطفالنا ، وهو العراق الواحد الموحد الذي يحاول البعض بوعي او بدون وعي ان يحوله الى عراقات متناحرة ومتصارعة تتلاعب به الاهواء والرغبات والمشاريع الشخصية المحدودة .. انه عراقكم والزمن زمنكم والفرصة التاريخية فرصتكم كي تساهموا في خلق الاختراق التاريخي الكبير وتهيئة الأجواء لتسوية وطنية تكون من اجل الوطن وليست على حساب الوطن !!.. وكلي ثقة بكم وبوعيكم وبهمكم الوطني وشعوركم بالمسؤولية وسنكون دائما معكم داعمين ومستمعين ومتفهمين ، ومؤمنين بدوركم الكبير والمحوري. سلام على شهداء العراق ولا سيما شهداء الاعلام والصحافة وسلام على ابطالنا البواسل في القوات المسلحة من الجيش والشرطة والحشد الشعبي وابناء العشائر الاصيلة والبيشمركة ، وسلام على كل وطني شريف يحمل هموم الوطن في قلبه ومشروع الوطن على اكتافه ، وسلام على المرجعية الدينية والمرجع الاعلى الامام السيستاني ( دام ظله ) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته