بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد (ص) وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين ...

اصحاب الفخامة والدولة والسيادة والمعالي والسعادة

اصحاب السماحة والفضيلة والنيافة

السيدات والسادة .... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .... واهلا ومرحبا بكم في هذا اليوم الكبير "يوم الشهيد العراقي" حيث التضحيات العظيمة للشهداء وسقوط اصنام الطواغيت .. وحيث الشهادة هي وسام الاوطان لرجالها ..

ان النهايات العظيمة تليق بمن عاشوا بتواضع وعملوا بإخلاص وتفاني وكانوا يركزون ابصارهم على نهاية الطريق ولا تشغلهم المحطات الجانبية او تشاغلهم المعوقات المرحلية ، فكانوا منذ البداية يعرفون ويدركون كيف ستكون النهاية وان كانوا يجهلون توقيتها الزماني او موقعها المكاني ، ولكن رؤيتهم كانت منسجمة مع ذاتهم فتحولت ذواتهم الى شواخص يقتدى بها تعبر عما حملوه من رؤية ومشروع ..

 

هكذا كان شهيد المحراب مؤمنا بنهايته الحتمية في سبيل قضية شعبه ووطنه ودينه وعقيدته، وعندما انهار الطاغوت وتحطم صنم الاستبداد ، كانت هناك لحظات امتزج فيها الفرح بالقلق !..

حيث التحرر هو غاية الاحرار ولكن كانت الرؤيا ان تكون النهاية بعظمة المشروع الذي جاهدنا من اجله وخصوصا ان شهيد المحراب لديه عهد ووعد من استاذه وقائده وأخيه الاكبر الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه ...

وكان العهد ان تكون البداية واحدة والنهاية واحدة وان اختلفت التفاصيل الزمانية والمكانية ولكنها تتطابق بمعنى التضحية والشهادة والقدوة في عطاء الدم ..

وعطاء الدم هو منتهى درجات السمو التي يحصل عليها المتواضعون كي يرووا بدمائهم ارض الحرية فتنبت منهجا ومشروعا وقضية ...

وقد سقط الصنم ولم تأتِ لحظة الالتحام الكبرى والخاتمة العظيمة، فكانت فرحة المنتصرين تزاوجها غصة المنتظرين !.... ولكن الرؤية الثاقبة الصلبة المؤمنة كانت لا تزال ثابتة على بوصلتها فكان تكريم الله العظيم للمتواضع الكبير ان تكون لحظة النهاية بأرض الاجداد وبجوار الاحباب وفي محراب العقيدة ...

وليكون قائدنا الكبير البوابة لمرحلة جديدة من التضحية والشهادة مثلما كان استاذه وقائده الشهيد الصدر بوابة لمرحلة كبيرة وعظيمة من الشهادة والتضحية ...

هكذا تتكامل المشاريع في مسار رؤية واحدة وترسيخ منهج واحد ...

ايها السادة والسيدات الاكارم ،

ان التضحيات التي قدمناها بعد سقوط الصنم لا تقل عن التضحيات التي قدمناها ونحن نقاتل الطاغوت وكل اجهزته القمعية المتوحشة !!... وهذه الحقيقة دليل قاطع على اننا مازلنا في مرحلة المواجهة وفي اوج لحظات الصراع! ... ولكن هذه المرة فأننا لا نقاتل اصنام الديكتاتورية والاستبداد وحسب وانما نقاتل اصنام الذاتية والنرجسية والشخصنة التي انتصبت في داخلنا من حيث لا نشعر !!...

لقد كانت معركتنا نحو الحرية قاسية ودامية ومؤلمة بحيث اننا تجاهلنا ساحة مواجهة أخطر واشد ايلاما الا وهي مواجهة أنفسنا ورغباتنا ... لقد انتصرنا في الجهاد الاصغر ولكننا مازلنا نعاني في الجهاد الاكبر !!... وهذا مايقلق قادتنا وشهداءنا الذين سبقونا ورسموا لنا منهجا وخطوا لنا طريقا ومنحونا رؤية ومشروعاً!!.

اليوم عدونا ليس دكتاتوراً قابعاً بقصره ويعتقل شعبه المظلوم خلف جدران الذل والاستعباد، و عدونا ليس ارهاباً اعمى وشيطانياً يعتاش على اجساد الابرياء باسم الدين والشهادة الموهومة ، انما عدونا الحقيقي هو أنفسنا ونحن نتحمل هذه المسؤولية العظيمة من اجل ان نخدم هذا الشعب الكريم ونكون مؤتمنين على هذا الوطن العظيم !!...

هنا التحدي الاكبر الذي اكتشفنا انه من أخطرالتحديات، فان تسقط على يد عدوك ليس كما تسقط على يد اخيك ورفيقك في المشروع والمنهج والرؤية، وليس كما تسقط بعيون شعبك المتطلع للمستقبل بقلق وحيرة ...

عدونا الحقيقي اليوم هو عدم اتفاقنا على رؤية واحدة نسير بها معا في بناء هذا الوطن المعطاء، وعدونا هو تقاطعنا في عنوان الوطن واختلافنا في مساحة وتعريف الشعب وعدم ادراكنا لعمق القدر الالهي لوطن اسمه العراق !..

لقد قدمنا الكثير ولكن كان بالإمكان ان نقدم الاكثر والافضل ، وقد عملنا الكثير ولكن اضعنا ايضاً الكثير من الفرص التي لا تعوض وقد توفرت لدينا مساحة العمل بصورة مختلفة وتدقيق حساباتنا وتقييم خطواتنا وان نراجع مسيرتنا دون ان نتراجع عن خدمة العراق وشعبه وتحمل مسؤولياته ..

ايها السادة والسيدات الافاضل ...

 اسمحوا لي ان أمزج حديثي اليوم بنبرات الالم ولكن دون ان يُخنق بشهقات الاحباط واليأس فقد تعلمت من شهيد المحراب ان اليأس لا يصنع نصرا ولا يقوم اعوجاجا ولا يحمي مشروعاً ، والالم يعتصرنا جميعا لأننا نحمل الكثير من النوايا الصادقة ولكن القليل من نكران الذات التي يحتاجها هذا الوطن كي يتعافى من جراحه وينهض من جديد ليؤدي دوره المرسوم له في ذاكرة التاريخ ... جميعنا يحمل الكثير من النوايا النبيلة ولكن الاماني لا تبني الاوطان ولا تحمي الشعوب ولا تؤمن المستقبل ، وانما العمل الحقيقي الصادق والتجاوز على حدود " الانا " كي نلتقي جميعا في مساحة " ال نحن " !!

هذا هو العلاج الاكيد لكل ازماتنا وتحدياتنا واخفاقاتنا ...

انها " النحن " التي نسيناها او تناسيناها في خضم هذا الصراع المزدوج الذي نخوضه منذ عقد من الزمن بيننا وبين اعدائنا( اعداء العراق ) وبيننا وبين انفسنا الامارة بشهوة السلطة والنفوذ والتفرد !!..

انها " ال نحن " ايها السادة التي ستعبر بنا وبالعراق الى الضفة الاخرى ، هذه " النحن " الكردية و " ال نحن" العربية والتركمانية والشبكية ، وهذه " ال نحن" السنية والشيعيةوالمسلمة والمسيحية والصابئية والايزدية ، جميعها يجب ان تمتزج بعنوان اكبر واعمق واصدق الا وهو " ال نحن " العراقية !!!

هذه " ال نحن " هي التي ستعيد لنا العراق الذي حلمنا به وقاتلنا من اجله واستشهد قادتنا في طريق تحريره ...

هذه " ال نحن " التي اضعناها في دهاليز السياسية وتناسينا اننا اخوة سلاح ورفاق درب ومواطنون في ارض الانبياء والائمة والصحابة والاوصياء والاولياء ، وهذه " النحن " التي حين اضعناها ضاعت معها الموصل والانبار وصلاح الدين وتهددت اربيل وكربلاء الحسين واختنقت بغداد الحضارة !! الان لدينا فرصة كبيرة ولن اقول اخيرة، لان العراق لن تكون امامه فرص اخيرة ابدا، فالعراق اكبر من كل المقاييس والمواصفات وخارج اطار التحديد الزمني، هكذا نؤمن بالعراق وبهذه الرؤية نسير في رحابه .. ولكن الفرص المحدودة تكون لنا اصحاب المشروع وحملة الراية والمتصدين للمسؤولية ..

انها الفرصة الكبيرة ايها السادة والسيدات التي جاءت لنا بعد عقد من الزمن تقاطعنا فيها بما يكفي وجربنا فيها كل الحلول الترقيعية واستخدمنا كل الفرضيات الطائفية والقومية والاثنية والمناطقية، ولكن بعد عقد من الزمن والالم فان الفرصة تقول لنا باننا جميعا مشاريع ناقصة ولا نكتمل الا بالعراق الذي يجمعنا! ...

ان العراق كبير بما يكفي ليكون لنا جميعا بكل تنوعاتنا وتضاد افكارنا وتقاطعاتنا المقبولة ولكن لتكن تحت سقف العراق وليس فوقه، ولتكن تحت سقف الوطنية وليس خارجها ...

ايها السادة والسيدات الأكارم ....

انها ليست ازمة حكومة وانما ازمة هوية، ومتى ما تجاوزناها فان كل المشاكل مهما كبرت تبقى صغيرة امام المخلصين وكل التحديات مهما عظمت تبقى محدودة امام المتوحدين على الوطن والرؤية ..

من هنا ومن هذا المنبر ومن وحي هذه المناسبة اوجه ندائي لكل قادة العراق الخيرين الذين تفانوا وضحوا من اجل العراق واقول لنتجاوز الماضي ولنركز على الحاضر ولنعمل بصدق وجد وتلاحم من اجل المستقبل..

من وحي ذكرى استشهاد الشهيدين الكبيرين ، الشهيد الصدر والشهيد الحكيم ، من وحي هذه الذكرى العطرة اوجه رجائي الى اخوتي وارفع يدي بالدعاء الى ربي كي تتلاحم القلوب وتتشابك الايادي ونتجاوز الحسابات الضيّقة لنلتقي عند العناوين الكبيرة ولا يوجد عنوان اكبر من العراق ومستقبله ومستقبل شعبه بكل طوائفه ودياناته وقومياته ..

لقد علمنا شهيد المحراب اننكون وسطيين معتدلين نقدم الحلول ونسعى مايمكن الا نكون جزء من المشكلة، وانما جزء من الحل ...

 لقد قدمنا مبادرتناللإصلاح الوطني وتفهمنا احتياجات الحكومة وقيادتها التنفيذية في التعامل مع متطلبات وتحديات المرحلة، واقترحنا تشكيل المجلس السياسي للأمن الوطني كي يكون مكاناً جامعاً لقادة العراق ويكون حلقة للحكمة والاستشارة فتكون القرارات التي تهم العراق ومستقبله متفقاً عليها من قبل قادة العراق ومشاركين فيها وتوفر الغطاءات المرجوة للحكومة ورئيسها ...

اليوم امام العراق فرصة كبيرة متمثلة بالدعم الدولي الواسع والتفهم الاقليمي لدوره ومساحته وتحدياته، وعلينا ان نستثمر هذه الفرصة ونتجاوز الاختناق السياسي ونشكل حكومة اصلاحية نمنحها الدعم المطلوب والمساحة الكافية كي تتمكن من ايجاد الحلول الجوهرية للمشاكل المستعصية ..

ان اي عملية اصلاحية لابد ان ترافقها بعض الالام والاوجاع وهنا يأتي دور القادة الحقيقيين للعراق كي يتعاملوا على قدر المسؤولية فيدعموا الحكومة وقراراتها جماهيرياً مثلما يدعمونها تشريعيا، وبالمقابل على السيد رئيس الحكومة وفريقه الحكومي ان يكونوا مدركين ان نجاحهم سيكون معتمدا على الدعم السياسي والجماهيري الذي يحصلون عليه من قادة البلد وان شعور الجميع بالمشاركة في القرار يمنح مساحة الثقة المطلوبة لعبور هذه الازمة والتي ندعو الله ان تكون اخر الخنادق الصعبة قبل ان يبزغ فجر العراق الذي حلمنا به ... انها دعوة صادقة للعودة الى " ال نحن " ومغادرة " ال انا " التي ارهقتنا واوجعتنا ...

الخلود لشهدائنا والعزة والكرامة لشعبنا والحفظ والتسديد لمراجعنا .... عاش العراق حرا قويا كريما مستقراً ومستقلاً ومزدهراً ومفتخراً بدماء ابنائه البررة ووقفات رجاله المخلصين ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..