إن الانتصارات الكبيرة التي يحققها أبناء قواتنا المسلحة اليوم في ساحات القتال، وفي محافظة نينوى، والموصل الحدباء تسير بخطى واثقة وثابتة وإن كانت بطيئة لطبيعة المناخ والظروف والتحديات الكبيرة التي تواجهنا في هذه المعركة، ولكننا دوماً وعلى مدار عامين ونصف واجهنا الدواعش والإرهاب بصبرٍ ونصر.

صبرنا وتحملنا وضحينا وانتصرنا وتقدمنا في هذه المعارك، واليوم أيضاً يتميز العراق والشعب العراقي بأنهم يستمرون في هذه المعركة بنكهةٍ عراقية، وبأيادٍ عراقية، وبدماءٍ عراقية، وبتضحياتٍ عراقية، وبرجالٍ أبطالٍ أشاوس عراقيين يحققون الانتصارات واحدةٍ تلو الأخرى، ولكننا في الوقت نفسه نقدر ونُثمّن الدور الذي يقوم به أصدقاء العراق في الاستشارات العسكرية في الدعم الذي يقدموه للشعب العراقي في هذه المعركة وهي معركة العالم كله.

فهم يدعمون العراقيين في حربٍ يخوضها العراقيون أصالةً عن نفسهم وتحريراً لأرضهم ونيابةً عن العالم كله، فإن السرطان الداعشي بدأت خلاياه تنتشر في كل أصقاع الأرض، وإذا لا نقضي عليه في العراق علينا أن نقاتله في كل مكان.

لذلك العراقيون يُقاتلون الدواعش لحفظ أرضهم، وبلادهم، وأعراضهم ويُقاتلونه نيابة عن العالم كله لأن لولا هذا القتال لزم العالم أن يقاتلوه في كل البلدان الأخرى.

إننا على مشارف عامٍ ميلاديٍ جديد فيه أماني جديدة، فيه طموحات جديدة، وفيه تحديات جديدة أيضاً، إن العام المنصرم عام 2016 كان عاماً استثنائياً ومثيراً وفيه الكثير من المتغيرات، وعام 2017 سيكون أيضاً عاماً مثيراً تتسارع فيه المتغيرات الكثيرة وعلى مختلف الاتجاهات.

سبق وقد أشرنا في بداية عام 2016، وقلنا أن عام 2016 سيكون عام التسويات، ونحن اليوم وقد وصلنا إلى الأيام الأخيرة من هذا العام نجد أن العديد من الملفات الإقليمية قد وُضِعتْ على طاولة الحل، وقد وصلت إلى شواطئ الحل.

إننا عانينا طويلاً من جولات الصراع المؤلمة في المنطقة، كل ذلك من أجل أن تصل الأطراف المتخاصمة إلى قناعةٍ واضحة بحدودها ومساحات تأثيرها ونفوذها وقوتها، وهي سنة الحياة، فالقناعات لا تتولد إلاّ عبر هذه الحروب، والصراعات الدامية، وتدمير الدول، وتهجير الشعوب حتى تصل القناعة لأصحاب القرار عن مساحة تأثيرهم ونفوذهم وقوتهم.

هذا ما حدث في حروب أوربا سابقاً، وهذا ما حدث في مناطق عديدة من العالم، وهذا ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط، كل هذه الحروب من أجل أن يثبت كل طرف مساحة تأثيره ونفوذه وقوته على الأرض.

لقد دعونا سابقاً وكررناها مراراً إلى أن الحل يكمن في حوارٍ إقليميٍ يجمع دول المنطقة برمتها ليجتمعوا على طاولة الحوار والمفاوضات ويطرحوا كل الملفات الخلافية فيما بينهم ويصلوا إلى حسمٍ ورؤيةٍ وقرارٍ باتجاهها، ولكن الاستجابة قد تأخرت، ومهما تأخرت هذه الاستجابة فليس من حلٍ إلاّ بالعودة إلى طاولة الحوار والتفاهم الإقليمي، والحوار الإقليمي قادمٌ لا محال لأنه لا مجال لحل المشاكل التي نعانيها في الشرق الأوسط إلاّ بمثل هذا الحوار، وكلما وصل الجميع إلى قناعة عن مساحات تأثيرهم ونفوذهم كلما أصبح الجلوس على هذه الطاولة أقرب.

حين يشعر الجميع بالتعب وبالاستنزاف، ويستنفذوا كل أوراق الضغط المتوفرة والمتاحة لديهم... في تلك اللحظة سنجد هذه الأطراف تجلس على طاولة الحوار لتتفاهم وتعالج مشاكلها، فإن الصراع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، ومهما كانت هذه الصراعات متداخلة ومعقدة ومتشعبة ومعبرة عن إراداتٍ إقليمية ودولية، ومهما كانت هذه الصراعات والحروب حروباً بالنيابة فلابد لها أن تنتهي وأن يجلس المتخاصمين ومن يقف ورائهم على طاولة الحوار والمفاوضات.

في سوريا تم استعادة حلب إلى سلطة الدولة، وتم إخراج الإرهابيين والمتطرفين منها، إن ذلك يفتح نافذة كبيرة وفرصة مهمة لالتقاء الأطراف على تسويةٍ سياسية تحل الأزمة السورية بشكلٍ شاملٍ وواضح والوصول إلى حلولٍ تُرضي الجميع وتحفظ مصالح سوريا شعباً، وأرضاً، وسيادةً، ووحدة، وتقطع مناشئ التدخل الخارجي في هذا البلد العربي الشقيق.

ولاحظنا الاجتماعات التي عُقِدت مؤخراً بين إيران، وتركيا، وروسيا وغيرها كلها تأتي وتصب في اتجاه الحلول السياسية والتسوية السياسية في سوريا، كلما تأخرت هذه التسوية السياسية في سوريا كلما ازدادت معاناة الشعب السوري وإراقة الدماء في هذا البلد والخراب والدمار في سوريا، إن سوريا تعاني، وعلى السوريين الوطنيين أن يقفوا صفاً واحداً ويضمدوا جراح بلادهم وشعبهم، فهذا قدرهم وهذه مسؤوليتهم.

وإن بوادر التسوية السياسية في اليمن قد لاحت في الأفق، ونلاحظ الحراك الإقليمي والدولي الكبير ووصول الجميع إلى نتيجة أن الحرب لا يمكن أن تحسم، ولا يمكن أن تكون خياراً، ولا خيار إلاّ بالحلول السياسية.

ولاحظنا اليوم منح الثقة لحكومة دولة الرئيس سعد الحريري بعد أن مُنِحت الثقة في وقتٍ سابق لفخامة الرئيس ميشيل عون باختيار الرئيس ورئيس الوزراء وتشكيل الحكومة والاتفاق على البرنامج الحكومي تكون قد بانت ملامح التسوية السياسية في لبنان والعودة إلى الوئام لهذا البلد العربي الكريم.

وفي العراق حيث نستكمل معركتنا العسكرية، هذه المعركة الوجودية والمصيرية مع داعش ومع الإرهابيين علينا أن نرسم ملامح المرحلة المقبلة، ماذا بعد داعش؟ العراق ما بعد داعش إلى أين؟ ما هو مشروعنا؟ ما هي خطتنا؟ ما هي الخطوات المطلوبة منا؟

علينا أن نفكر بالمشروع السياسي الحافظ والجامع لمصالح العراقيين، نحتاج إلى مشروعٍ حافظٍ وجامع حتى يطمئن الجميع وحتى نسير نحو تفاهم حقيقي يضمن مصالح جميع العراقيين.

إن مشروع التسوية الوطنية الذي قدمه التحالف الوطني يُمثل بادرة مهمة في تحديد ملامح المستقبل ما بعد داعش، إنه مشروع التحالف الوطني وليس مشروع عمار الحكيم، وليس مشروع كتلة المواطن، وليس مشروع المجلس الأعلى، وإنما هذا مشروع التحالف الوطني أجمع عليه، وتبنّاه، والتزم به، وناقشه، وطرحه على الشركاء كـ (تحالف وطني).

وهناك مواقف مختلفة من هذا المشروع, فهناك من رفض المشروع جملة وتفصيلا, ونقول لهؤلاء الرافضين: أهلا وسهلاً, ولكن قدموا البديل المقنع, إذا لا نذهب إلى التسوية فإلى أين نذهب؟ ما هو خياركم؟ ما هو البديل؟ ما هو مشروعكم؟ كيف يمكن أن نحافظ على وحدة العراق وسيادة العراق ونعيد الاستقرار وأمن العراقيين؟ قدموا لنا مشروعاً ننظر به إذا كان لديكم بديل مقنع.

صنف ثاني: يرفض المشروع ويتحفظ عليه, تسأله: لماذا؟ يقول: لأنني لم أكن طرفاً بالتشاور, إذن المشكلة ليست في المشروع المشكلة في المشورة, أقول باسم إخواني في التحالف الوطني لهؤلاء الرافضين لهذا السبب أقول: أنتم على الرأس والعين تفضلوا وأبواب التحالف الوطني مفتوحة وأياديهم ممدودة, لنجلس ونتشاور وكل من لا يشعر إنه شريك في هذا المشروع فليدخل ويشعر بأنه شريك ليمارس دوره الأساسي في إنضاج هذا المشروع وفي تبنيه.

صنف ثالث: يرفض المشرع من أجل المزايدات وتعبئة الشارع, نقول لهؤلاء الأحبة: لسنا مما يدخل في بازار المزايدات وليس لدينا وقتاً كافياً لنضيعه في هذه المزايدات السياسية ونحن أمام استحقاقات كبيرة ومصيرية, هناك تاريخ سيكتب وهناك أجيال عراقية ستشهد وستحكم علينا جميعاً وستقيم مواقفنا في هذه اللحظة المصيرية والحرجة التي يمر بها العراق وتمر به المنطقة وسيتضح للتاريخ من هو الوطني ومن هو الانتهازي, ومن هو الذي يحترق قلبه للوطن وللشعب والمشروع ومن الذي يفكر بالتفاصيل وبالجزئيات وبالأصوات في هذه اللحظة الحرجة, ومن الذي دافع عن شعبه في لحظة حاسمة بشجاعة ووضوح ومن الذي غلف كلماته بألف قناع, ليشهد التاريخ ولتشهد الأجيال القادمة العراقية ولتضع كل منا في الخانة التي تناسبه, ولكننا لا نستدرج إلى المزايدات ولا ندخل في سوق المناكفات وإنما سنستمر بمشروع وطني واضح يدافع عن العراق وشعبه, أتكلم باسم إخواني في التحالف الوطني كلهم وليس باسمي شخصياً.

الصنف الرابع: يقبل المشروع, ويقبل المبدأ والمسار, ويقول: ليس لدينا غير التسوية يجب أن نمضي للتسوية لكن لدي تساؤلات: التسوية مع من؟ والتسوية على ماذا؟ والتسوية بأي ثمن؟ والتسوية بأي ضمانات؟ لدي أسئلة وأريد لها إجابات, نقول له: أسألتك على الرأس, وهذه أسئلة مشروعة ويجب أن يكون لها جواب واضح لك ولكل العراقيين لكل المخلصين, نحن لا نريد تسوية  تعقد في الدهاليز المظلمة, نحن لا نريد تسوية يسمع عنها الناس أشياء وتحصل تحت العباءة أشياء أخرى, نحن نريد تسوية واضحة بينة وشفافة معروفة تجيب على كل هذه التساؤلات ولكن نقول لهؤلاء: تفضلوا لنراجع الوثيقة معاً لنجد إن هذه الوثيقة تجيب على بعض هذه التساؤلات ولنتفق معاً في الإجابة على التساؤلات الأخرى لنمضي بأجوبة نقتنع بها جميعاً ونتفق عليها ونسير نحوها.

الصنف الخامس: من تبنى هذه الوثيقة ووضع ملامحها ويدافع عنها وهم إخوانكم في التحاف الوطني وضعوا مستقبل هذا البلد أمام أعينهم ويسيرون بخطى واثقة مع الحذر مع الدقة مع الاحتياط ويتواصلوا مع شركائهم في الوطن ليجعلوا منها مشروعاً وطنياً متفقاً عليه نسير جميعاً باتجاهها, أقولها بصراحة: إن التسوية الوطنية يجب أن تكون لها مخرجات ونحن نبحث عن مخرجات ثلاثة ولا نمضي في تسوية لا تحقق هذه المخرجات الثلاثة, ونسير بقوة في تسوية تحقق لنا هذه المخرجات الثلاثة:

أولاً: نريد الأمن للعراقيين, نسير في تسوية وتستمر المفخخات تنهش في أجساد الناس وأطفالهم وكبارهم وصغارهم في كل مكان, نريد تسوية تحقق لنا أمناً, من هؤلاء الذين يفجرون؟ وما هي قيمتهم لو لا ذلك الدعم والغطاءات الإقليمية والدولية التي يستفيدون منها, هؤلاء يمتلكون أسلحة لا تتوفر لدى الحكومة العراقية أحياناً تتوفر لديهم مليارات في هذه الشحة المالية وأموال يتحركون فيها, تتوفر لديهم ممرات آمنة لدخول عشرات الآلاف من الإرهابيين من ما يقرب مئة دولة, هذه أجهزة المخابرات العالمية والإقليمية التي تمسك شخصاً إذا خاطر بأمنها وخطرها لا تستطيع أن تكتشف الآلاف؟ أي كلام هذا؟ إن هؤلاء المجرمين يستخدمون كورقة للضغط علينا وعلى العملية السياسية في العراق يضغط بهم على الشعب العراقي وعلى الحكومة العراقية وعلى العلمية السياسية في العراق, نحن نتحدث مع أصحاب الأجندة نكلم الدول وليس المجرمين ليرتفع الدعم عن هؤلاء من منهم يستطيع أن يقوم بهذه الأدوار لاحقاً؟ إذن نبحث عن الأمن ولكن بالتفاهم مع الدول وليس بالتفاهم مع عصابات ومجرمين متلطخة أيديهم بالدماء. 

ثانياً: نريد اندماج ونريد أن نضع أيدينا بيد شركاءٍ ينبض حب العراق في قلوبهم كما هو في قلوبنا ويكون شركاء في المغنم وفي الفرص وفي المغرم والتحديات نواجه التحديات ونستفاد من الفرص, نريد أن نرسي دولة مواطنة تنصف كل رعاياها فيكون الجميع في صف واحد وفي خندق واحد.

ثالثاً: الاندماج الإقليمي للعراق, نريد أن يعود العراق ليكون لاعباً أساسياً وذو علاقات طيبة مع جيران ودول المنطقة العربية والإسلامية تبني علاقات طبيعية ودول المنطقة تتعامل معه على إنه بلد ذو سيادة  بهذه باقة الورد والفسيفساء والتنوع الذي يعيشه مذهبياً وقومياً وسياسياً ومناطقياً ودينياً وغيرها, نريد اعتراف بالواقع العراقي المتنوع.

إنها تسوية بين العراقيين وللعراقيين لكل عراقي شريف ولكل من يؤمن بالمسار السياسي  وبكل من يؤمن بهذا الوطن, هي تسوية شاملة للجميع لا تنحصر بالعرب وحدهم ولا تنحصر بمساحات محددة إنها لكل العراقيين بكل تلاوينهم ويجب أن نمضي بها بكل روح وشفافية لنطمئن جميع العراقيين إنها ستجلب الخير لهم جميعاً.

هذا ما أردت قوله في موضوع حساس وهناك الكثير من القيل القال والحديث, ولكنكم تجدون إننا نتجنب الدخول في المهاترات والمزايدات وإنما نمضي لننجز مشروعاً يحقق العزة والكرامة والاستقرار والأمان لشعبنا بعيداً عن الضجيج والعجيج والصراخات والكلمات الأخرى, وكل التقدير لكل من يحمل مخاوفاً أو هواجساً اتجاه هذه الخطوة الكبيرة, أي مشروع كبير يمكن تختلف فيه الاجتهادات ولكن بدل أن نحرض الناس في وسائل الإعلام لنجلس خلف الأبواب ونناقش ونخرج بحصيلة ونطمئن شعبنا بأننا حريصون عليه وعلى مصالحه.

نسأل الله أن يتقبل منكم صالح الأعمال وأن يبارك لكم هذه اليوم الكريم وأن يتقبل منكم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.