بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

السادة الأفاضل الإخوة الأكارم الأخوات الفاضلات بداية أرحب بكم أجمل ترحيب.

 وأشكر لكم هذا الحضور لتأبين شخصية كبيرة ومؤثرة تاريخنا المعاصر ألا وهو الإمام السيد محسن الحكيم قدس سره وقد اعتدنا أن نقيم هذا الاحتفال والاحتفاء بهذا المرجع الكبير وأيضاً بنجله الشهيد السعيد السيد محمد مهدي الحكيم والذي يتزامن استشهاده مع هذه المناسبة وأم الشهداء كريمة الإمام الحكيم  التي قدمت وضحت الكثير في حياة الإمام الحكيم وبعد رحيله حيث العدد الكبير من الشهداء من أبناءها وأحفادها.

حينما نقف لنستذكر شخصية كبيرة ومؤثرة كالإمام السيد محسن الحكيم فنحن لا نستذكره لشخص فحسب وهو يستحق أن نقف ونحتف به وبشخصياته وبإنجازاته الكبيرة, ولكن الاحتفاء بالإمام الحكيم هو احتفاء بالمنهج وبالمشروع الذي حمله الإمام الحكيم مشروع المرجعية الدينية هو احتفاء بكل المراجع الماضين والمراجع المتصدين في  زماننا أدام الله بقاءهم.

استثمار هذه الأحداث وهذه المناسبات لاستذكار أولئك العظام إنما يأتي في سياق الاعتبار والاستفادة منهم ومن نهجهم ومشروعهم وعطائاتهم ونحن بأمس الحاجة إلى مفهوم القدوة في حياتنا وفي واقعنا, هؤلاء مثلوا القدوة العملية في سلوكهم وفي مسارات حياتهم وعملهم فتركوا بصمة كبيرة علينا أن نتأسى بهم فيها ونواصل مشوارنا في بناء هذا الوطن.

أيها الأحبة إن لنا الفخر والشرف أن ننظر إلى المرجعية على إنه دين ندين الله به وأن نحمل هذا الشعار بأننا من خط المرجعية الدينية أي جعلنا المرجعية بوصلة لنا  في منهاجها  وفي مواقفها هذا لا يعني إن المرجعية اختارتنا وإنما يعني إننا نحن من قرر أن يسير بهدي المرجعية ونهجها  وإضائاتها, ونأخذ على أنفسنا دوماً  أن ننظر ما هي توجهات المرجعية وما هو موقف المرجعية وما هي رؤية المرجعية فنلتزم بها و نتخذها منهجاُ في حياتنا.

اسمحوا لي أن أبدأ في الحديث عن الإمام السيد محسن الحكيم بتقييم الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر لهذا المرجع العظيم, الإمام الشهيد الصدر أرسل رسالة بعد رحيل الإمام الحكيم إلى الشهيد السعيد العلامة السيد محمد مهدي الحكيم قدس سره يؤبن فيه الإمام الحكيم وقد جاء هذا المقطع طبعا الرسالة فيها مضامين لكن أنا أقتطع منها هذا المقطع الذي أتلوه عليكم ماذا يقول الإمام الشهيد الصدر بحق الإمام الحكيم؟ يقول مخاطباً الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم: (أكتب إليك وقلبي يتفطر وكياني يتفجر ألماً والدنيا أمام عيني مظلمة بعد أن انطفأت الشمس وهوى العماد وتهدم البنيان الذي تعلقت به أمام كل الواعين من المسلمين وسقطت الراية التي عشنا في ظلها ونعمنا في فيئها بآلام الجهاد إي والله يا أخي نعمنا في فيئها بآلام الجهاد وما ألذه من نعيم وما أروعها من راية تسقط وهي في قمة الصمود والثبات في قمة النظافة والطهر وفي قمة الاستقامة والنزاهة وفي قمة الشموخ مهما احتشدت المصائب ومهما تفرقت بالناس المذاهب أكتب هذه الكلمات وأمامي شريط من الذكريات ما أعظمها من ذكريات عن الزعامة الرشيدة التي كان فقيدنا يمثلها  إني لم ولن أنسى لحظة كل تلك الحياة المشتركة في ظل تلك الزعامة الرشيدة التي كان بودي وبود المئات من المخلصين أن يشتروا بقائها بدمائهم وأن يدفعوا الموت عنها بكل ثمن), الإمام الشهيد الصدر يعبر عن الإمام الحكيم بالزعامة الرشيدة ويفديها بدمه ووجوده ويقول الآخرين المئات من المخلصين والمؤمنين كانوا مستعدين أن يضحوا بدمائهم لأجل أن تبقى هذه الزعامة الرشيدة لفترة أطول وتترك آثارها في الحياة.

هذا هو تلخيص وإيجاز لدور الإمام الحكيم وعن أي جانب نتحدث في هذه الشخصية التي تمثلت بالشمولية والتميز على جميع الأصعدة على الصعيد الشخصي وعلى الصعيد الاجتماعي على الصعيد العلمي والسياسي في كل هذه الأصعدة كان الإمام الحكيم مميزاً, في بعده الشخصي تميز باليتم وعاش اليتم من طفولته والتأثيرات النفسية لليتم وغياب الرعاية الأبوية والتي عوضها الله سبحانه وتعالى بقوة في الشخصية, وعاش الفقر المتقع حيث كان طعامه طعام عائلته لعقود طويلة هو الخبز واللبن, وفي بلد التمر لم يكن بإمكانهم حتى يوفروا التمر كان يدخل التمر إلى بيتهم بقدر ما تدخل الفواكه إلى بيوت الناس, وتميز بالسلوك الأخلاقي والعرفاني ودرس وتتلمذ على يد سلاك وعرفاء كبار كالملا حسين علي قل الهمداني تتلمذ على يده وكان متميزاً ولكن طهارة النفس والسلوك الأخلاقي رافقه منذ الصبا ومنذ الطفولة حتى يذكر إنه في عرس خاله وهو كان طفلاً يلعب مع الأطفال والأعراس كانت آنذاك كانت في المساء وتستمر إلى وقت متأخر من الليل ما إن دخل وقت صلاة الليل حتى أبتعد عن زملائه واختار مكاناً وزاويةً ليتهجد بها ولا يفوت على نفسه إقامة نافلة الليل حتى في تلك الليلة, في بعده الأخلاقي كان يذكر عنه التهجد والبكاء من خشية الله سبحانه وتعالى كان من البكائين يكثر البكاء في انقطاعه إلى الله, وكان يتفاعل مع المظالم والمشاكل التي يتعارض لها الناس حينما تعرض عليه قضية وحينما يطلع على محنة يتفاعل ويتألم ويبكي لمحنة أولئك الناس لما يتعرضون إليه, كان يتسم برقة القلب وكان يهتم كثيراً بالصدق والأمانة في تربية أبناءه وذويه وخواصه وفريقه ما يسمى في العف الحوزوي للحاشية, الصدق والأمانة وتعرفون كان مرجعاً كبيراً تجرى إليه الأموال والأخماس في وقت لم تكن القاصات المتداولة اليوم والتي تقفل, فكان المال يوضع في أماكن قابلة للوصول إليها ولكن هذه التربية الحازمة والمشددة على الأمانة والصدق كان تجعل عائلته وأبنائه وهم صغار يعيشون ذلك الفقر المتقع دون أن يفكروا أن يقتربوا من ديناراً من فلس من تلك الأموال الكبيرة الموضوعة في أماكن يمكن الوصول إليها في الدار.

غرس الشعور بالمسئولية لدى عائله وخواصه وفريقه يحملهم المسؤولية يتعامل معهم بتكليفهم بمهام محددة كل من أبنائه وفريق عمله كان له مهمة خاصة يكلف بها وعليه أن يقوم بها على أحسن وجه.

كان يمارس شؤونه الخاصة بنفسه, يريد الماء لا يطلب من أحد الماء هو يقوم بنفسه ليشرب الماء, يريد الشاي هو يقوم, مع إن هذه القضايا متداولة في بيوتنا نطلب من أطفالنا من أبنائنا وممن في الدار أن يأتي بشيء, الإمام الحكيم من الصبا إلى الشيخوخة لم يكن يطلب شيئاً من أحد هو كان يمارس دوره وعمله, في ذلك الوقت لم تكن الأقلام المتوفرة عندنا اليوم كان عملية تحضير القلم يحتاج إلى جهد وكذلك أدوات وما إلى ذلك الحبر فهو كان يقوم بكل هذه الشؤون ويحضرها, الرسائل التي كانت تصله كان يجلس ويقوم هو بكتابة وتدوين الأجوبة عليها دون أن يكلف آخرين في هذا الشأن, هو يهيأ الفراش لنفسه كان الجو حاراً وغالبا ما ينام الناس في السطوح فحمل الفراش إلى السطح وإنزاله وإلى غير ذلك من التفاصيل كان ممن يقوم بعمله بنفسه, وهذا كان يعتبره منهج تربوي لنفسه وللآخرين مهما كان الإنسان في موقع مرموق ولكن يبقى يعيش إنسانيته بتواضع وترابية, ويذكر عنه تفاصيل كثيرة في اللحظات وفي الدقائق الأخيرة من حياته أصابته نوبة قلبية وكان الطبيب على رأسه  وهو في ذلك الحال ويقول للطبيب: زاحمناك وأتعبناك, يجامل ويتحدث ويلاطف الجميع ممن يحيطون به.

في الجانب العلمي والحوزوي تميز الإمام الحكيم بالدقة والرصانة العلمية في أطروحاته وبحثه ومؤلفاته وأيضاً بالإيجاز والاستيعاب وهذه من الصعب أن تجتمع, حينما توجز تضيع عليك جوانب, حينما تريد أن تستوعب كل الجوانب تطنب, الإيجاز والاستيعاب مع الدقة والرصانة هذه من سمات الإمام الحكيم في مؤلفاته وبيانه في تعاطيه العلمي  كان يتميز بهذه السمات وهذه الصفات المهمة, ولذلك أنا سمعت من بعض المراجع كان يتندرون يقولون مستمسك العروة الوثقى وهي الموسوعة الفقهية للإمام الحكيم تجعل المرجع والفقيه كسولاً لأنهم لممنا كل المباني والآراء في المسألة, فالفقيه الذي يطلع وكأنه يحضر له كل الأدوات المطلوبة للاستنباط وللاجتهاد فيجعل الفقيه كسولاً هكذا أنا سمعته من أحد المراجع, مرجع آخر كان يقول عن نفسه يقول: أنا لا أستطيع أن أفتي بشيء قبل أن أراجع المستمسك حينما أراجع المستمسك في مسألة ما وأطلع على كل الآراء والمباني حين ذاك وحينما أفتي أنا مطمئن إني لم أفوت شيئاً, كتاب فيه الكثير من الرصانة والدقة والإيجاد والعمق والاستيعاب هذه هي السمات العلمية للإمام الحكيم.

كتابه في الأحكام  الشرعية منهاج الصالحين أصبح كتاباً أساسياً لكل مراجع التقليد بل أغلبهم أخذوه وطوروا عليه وهمشوا وجعلوا فتاواهم على هذا الكتاب ولكن كما هو معروف كتاب منهاج الصالحين للفتاوى والمسائل الشرعية من تأليف الإمام الحكيم قدس سره, اهتم كثيراً ببناء الحوزة العلمية ورعايتها وتنميتها ومعروف إنه تصدى إلى المرجعية وكان في حوزة النجف الأشرف العامرة سبعمائة طالب وغادر الحياة في هذه الحوزة  سبعة آلاف طالب يعني عشرة أضعاف تطورت من ناحية العددية, وهذا التطور نلمسه في المدارس العلمية وكثير من المدارس التي قام بإعادة بناءها أو بترميمها وتوسيعها وصيانتها والمناهج الدراسية والرعاية للطلاب الأجانب الذي كان يهتم كثيراُ أيضاً باستضافتهم في حوزة النجف الأشرف وبدء يزيد عددهم من الطلاب الإيرانيين والباكستانيين واللبنانيين وإلى غير ذلك  من طلبة العلوم الدينية من مختلف البلدان, وكذلك كان أول مرجع يحدد مخصصات شهرية ثابتة لطلبة العلوم الدينية بعد أن كانت الأمور مرتبطة بتوزيعات تحصل في أوقات معينة مما ولد استقرارً نفسياً لأولئك الطلبة ساهم في رصانة البحث العلمي.

بناء الجهاز المرجعي, تميز الإمام الحكيم ببناء جهاز اتسم بشخصيات علمية كفوءة وفاعلة ومشهور لها بالفضل والعلم إضافة إلى ترابيتها وحرصها على أداء الواجبات بشكل مهم وكان هذا الفريق يغطي المجالات المتعددة  فكرية وثقافية واجتماعية والسياسية  كل من أولئك الأفاضل كان يجد أين هو تميزه ويكلفه بما يتميز به, فكان فريق الإمام الحكيم وحاشيته تتميز  بهذا التنوع الكبير والأداء المميز, كذلك حاول أن يمأسس الجهد الاجتماعي والثقافي والسياسي الحوزوي عبر تأسيس جماعة العلماء في النجف وجماعة العلماء في بغداد وكانوا من علماء الطبقة الثانية والثالثة ما بعد المراجع شخصيات بارزة وكبيرة  شاركوا في هذه التجمعات وكان لهم أثراً مهماً يصدروا بيانات ويعبروا عن مواقف ويمثلوا حلقات وسطى بين المرجعية وبين الأمة, وكذلك اعتمد إقامة احتفالات كبيرة في مناسبات إسلامية كولادة أمير المؤمنين وولادة الإمام الحسين إلى غير ذلك من المناسبات وكان يجتمع جمهور غفير في هذه الاحتفالات وكانت القصائد الشعرية والمتحدثين والكلمات كلها متوجهة لها مداليل ومضامين ورسائل اجتماعية وسياسية واضحة لذلك كانت السلطات والمراقبين والرأي العام يركز على هذه الاحتفالات وما يقال فيها والرسائل التي تطلق في مثل هذه الاحتفالات الكبيرة والتي كانت حالة فريدة من نوعها في ذلك الوقت.

أيضاَ الإمام الحكيم تميز بتشكيل شبكة واسعة من الوكلاء والمعتمدين من أكابر العلماء والفضلاء والشخصيات المرموقة وإيفادهم إلى المناطق المختلفة فكان الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين طبعا قبل أن يكون في هذا الموقع المرموق وحينما كان من أفاضل الحوزة أوفده إلى الشامية في محافظات الديوانية  وآية الله العظمى الشيخ ميرزا جواد التبريزي أرسله وكيلاً عنه إلى مدينة كركوك آنذاك, وهكذا أفاضل وعلماء آخرين أرسلهم إلى مناطق مختلفة وأسس منظومة وشبكة من الوكلاء والمعتمدين لتبيان المواقف الشرعية والتواصل مع الناس رفع مستوى الثقافة الدينية إلى غير ذلك, وأوفد الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم نجله إلى بغداد ليكون ممثلاً عنه في بغداد وكان يقيم في منطقة الكرادة كما هو معروف, أسس العديد من المؤسسات الثقافية والاجتماعية والتعليمية, جمعية الصندوق الإسلامي الخيرية دعم إنشاء جامعة الكوفة وسلسلة طويلة من المشاريع التي ساهم بدعمها أو بتأسيسها برعايته في تلك المرحلة, تأسيس المكتبات العامة للإمام الحكيم والتي بلغت سبعين مكتبة في تلك الظروف الصعبة والاستثنائية وساهمت إلى حد كبير في رفع المستوى المعرفي والثقافي لأبناء شعبنا ثم بدء في إنشاء هذه المكتبات في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي, الإمكانات الضعيفة المتوفرة آنذاك كان يرسل هذه الإمكانات وهذه الكتب ليؤسس فيها مكتبات علمية في تلك البلدان, وأنا شخصياً في إحدى زياراتي الإنشادية إلى دولة إندونيسيا كنت أذهب قبل أكثر من عشرين سنة في مهام إرشادية في إحدى هذه الزيارات وجهت لنا دعوة إلى جزيرة سوماطرا في إندونيسيا وتعرفون إن المساحة الأهم والجمهور الأكبر في إندونيسيا هو في جزيرة جاوا وفيها العاصمة وفيها مدن كبيرة أخرى, فركبنا الباخرة وذهبنا إلى سوماطرا تلبيةً لتلك الدعوة وفي الطريق وفي الغابات ونحن نمشي في اتجاه المكان الذي دعينا إليه فجأةً أرى لافتة على الطريقة مكتبة الحكيم بالعربي وباللغة المالاوية الإندونيسية فطلبت من السائق والمرافقين أن يقفوا لنرى ما قصة هذه مكتبة الحكيم وقفنا ونزلنا وجدنا مكان مغلق كان في ذلك الوقت الذي عبرناه سألنا المحلات والناس والمجاورين أين صاحب هذا المكان؟ قالوا: موجود, اتصلوا به وجاء فتح الباب ودخلنا وإذا به مكتبة فقلنا: ما هو وجه التسمية ومن جاء بهذه الكتب إلى هذا المكان؟ فقال: في أواخر الستينات جاءنا وفد من النجف الأشرف وكان يترأسهم شيخ من آل المظفر وجاءوا لنا بهذه الكتب من الإمام سيد محسن الحكيم, وأخرجوا لنا الصور والوثائق التي كانت متوفرة لديهم عن ذلك الحادث وإلى اليوم يحتفظون بها, فكان مورد استغراب إن الإمام الحكيم في تلك الظروف الصعبة كان مستعد أن يلبي طلباً يأتي من مناطق نائية وبعيدة ويرسل وفود ويأسس وينشأ مكتبات في المناطق البعيدة.

أيضاً دعم الإمام الحكيم إصدار العديد من المجلات الثقافية منها مجلة الأضواء ومجلة الإيماء ومجلة النجف ومجلة رسالة الإسلام وإصدارات أخرى في كربلاء وفي الكاظمية كانت تصدر برعايته وبدعم مباشر منه.

في الجانب الاجتماعي نلاحظ إن الإمام الحكيم كان ينفتح بشكل واسع على القطاعات الاجتماعية المختلفة, كان له صلات مميزة مع العشائر العراقية مع شيوخهم وأكابرهم ويعرفهم بأسمائهم وأفخاذهم وامتداداتهم ويتواصل معهم ويوفد الوفود إليهم ويستقبلهم ويجلس معهم ويطلع على همومهم  ويتدخل في معالجة الصراعات والمشاكل العشائرية التي تحدث فيما بينهم وكان حريص في التواصل بقطاعات واسعة, السجناء كانوا يكتبون له رسائل من داخل السجن ويرسلوها عبر البريد في استفتاءات شرعية أو طلب الدعاء أو ما إلى ذلك كان يجلس وبخط يده يجيب على هذه الرسائل ويعيدها إليهم, المرضى في المستشفيات كانوا يكتبون إليه والجنود في المعسكرات وما إلى ذلك وكان يجيب على كل رسالة من هذه الرسائل بخط يده ويرجعها إليهم ويتواصل مع هؤلاء الناس على اختلاف مشاربهم ومستوياتهم و مواقع تواجدهم, وكان يهتم بالنخب والأوساط النخبوية حتى تلك المساحات ذات الالتزام الدين المحدود كان يهتم بهم ويتواصل معهم يجيب على تساؤلاتهم يرسل لهم الوفود مع إنهم لم يكونوا يلتزموا التزاماً دينياً كافياً منفتحين لكنه كان يتواصل معهم وهو من موقع المرجعية, في الجانب السياسي يمكن أن نلخص دور الإمام الحكيم بأنه كان مرجعية التصدي كان يتصدى ويبين المواقف المختلفة كما هو معروف منذ تأسيس ما سمي بالدولة الوطنية منعت المراجع العظام وأخذت منهم التزامات خطية بعالم التدخل في السياسة حتى تحيد الحوزة العلمية والمرجعية الدينية, الإمام الحكيم وجد في هذا الإجراء إنه إجراء جائر وظالم وغير واقعي وكسر هذه المعادلة وبدأ بالتصدي في تلك الظروف الصعبة وتعرفون ذروة مرجعية الإمام الحكيم كانت في السنوات العشر ما بين 1958إلى 1968 وكانت وفاته في سنة 1907 هذه العشرة فيها ذروة مرجعية الإمام الحكيم في عشر سنوات حصلت خمس انقلابات عسكرية في العراق من الحكم الملكي إلى الحكم القاسمي عبد الكريم قاسم إلى الحكم البعثي إلى الحكم العارفي عبد السلام عارف إلى الحكم البعث من جديد خمس انقلابات وهذا التصدي إلى الإمام الحكيم جعل داره ومكانه مأوى وهدف لزيارة الأمراء والملوك والرؤساء والتيارات السياسية والشخصيات المختلفة مما أعاد للمرجعية وهجها ودورها وحضورها المميز في الساحة السياسية, كان له اهتمام ورعاية للمسلمين بكل مكوناتهم  رعاية لأتباع أهل البيت وكان يخص المجموعات البعيدة عن الساحات الشيعية العامة الشبك التركمان الترك الفيلية كان يليهم اهتماماً خاصاً ويدعم إنشاء مراكز ثقافية لهم ويوفد معتمدين ووكلاء له إلى تلك المناطق في تلعفر في سنجار في سهل نينوى وفي كركوك وما شابه ذلك, وهكذا العلويون في سوريا كان يهتم بهم معرفيا وثقافياً وساهم في تأسيس الجمعية الإثنا عشرية وبنا لهم مسجداُ في مناطق العلويين في ذلك الوقت وأوفد وكيلاً لسماحته إلى العلويين هو العلامة المرحوم الشيخ حبيب آل ابراهيم وهو من علماء لبنان أوفده وكيلاً له إلى تلك المناطق, الخوجة والمهاجرين اللبنانين في افريقيا كان يهتم بهم ويرعاهم ويوفد لهم وكلاء ويدعم بناء مؤسسات ثقافية لهم في تلك المنطقة, أتباع أهل البيت في الهند والباكستان وشبه القارة الهندية كان يهتم بهم ويوفد وفود مستمرة لهم ويدعم إنشاء مساجد ومدارس وما إلى ذلك في تلك المناطق الحساسة والمهمة, وبالتالي عبر عن حالة الانفتاح والتواصل مع كل هذه المجاميع والرعاية لهم ولكن ليس في نفس طائفي وإنما بنفس إسلامي أصيل على قاعدة إن الطائفة نعمة  والطائفية نقمة, البناء الثقافي الصحيح الالتزام المذهبي الصحيح لأبناء المذاهب الإسلامية  هذا ليس طائفية هذا تمذهب وهو أمر مطلوب, في الوقت نفسه لم يغفل عن الاهتمام بالجانب الإسلامي العام وقضايا المسلمين العامة فنلاحظ دعمه لكشمير والمراسلات التي كانت من سماحته إلى الحكومة الهندية والتي يركز فيها على الهوية الإسلامية للمسلمين في كشمير ولهذه المنطقة الحساسة, تواصله المستمر مع الأزهر الشريف وإيفاد طلاب من كلية أصول الدين ومن كلية الفقه إلى الأزهر ليكملوا دراستهم في الأزهر الشريف ويكونوا نواة تقريبية بين المذاهب الإسلامية في ذلك الوقت هذا ما ساعد على دخول مصادر كتب وتأليفات علماء أهل البيت إلى مكتبة الأزهر الشريف ولأول مرة يدخل الفكر الإمامي إلى داخل الأزهر, الجهد الكبير الذي بذله السيد البورجردي والشيخ محمد تقي القمي مع الأزهر في أبعاده التقريبية كان يركز على الجانب الثقافي والمعرفي وبعض جسور التواصل الاجتماعي, ولكن الإمام الحكيم جاء ليعمق ويوسع من هذه العلاقة مع الأزهر الشريف لتشمل جوانب ذات أبعاد سياسية عميقة ومهمة وهذا ما نلاحظه في البرقية أبرقها الشيخ الأزهر الشريف الشيخ محمود محمد شرجوت في عام 1906 إلى الإمام الحكيم يطلب منه التدخل لإغلاق مكتب المصالح الإسرائيلية في طهران وفي إيران الشاه آنذاك والشاه كان له صلات مع اسرائيل فالشيخ الأزهر يطلب من الإمام الحكيم أن يتدخل ويقنع الشاه بغلق هذا المكتب ومثل هذه الأدوار ذات الأبعاد السياسية كان يمارسها الإمام الحكيم عبر موقعه المرجعي في النجف الأشرف, موقفه اتجاه الشعب الكردي معروف والفتوى الشهير التي أطلقها في تحريم قتال الكرد حين تحركت الجيوش بأمر من الحكومة العراقية الجائرة آنذاك لقتل وقمع الشعب الكردي على إنهم بغاة فتوى الإمام الحكيم وأوقفت هذه المعركة وجردت الحكومة من القدرة على الإساءة إلى الشعب الكردي في تلك الظروف الصعبة, كذلك الحزب الإسلامي العراقي وهو حزب سني المذهب لكن عند تأسيسه كان يحتاج إلى غطاء شرعي ولم يحصل على هذا الغطاء من العلماء المتوفرين آنذاك ومساحة علاقاته فجاء إلى الإمام الحكيم وأخذ التبريك من الإمام الحكيم والغطاء الشرعي عمل سياسي للحزب الإسلامي, وتعرفون الحزب الإسلامي في تلك المرحلة حينما ذهب ليسجل نفسه حزباً في الدولة العراقية قدم الإمام الحكيم كمرشداً عاماً في الحزب الإسلامي في الوثائق الرسمية للتأسيس.

الرسالة التي أرسلها إلى جمال عبد الناصر يحرره من إعدام الشيخ قطب السيد قطب وهو من علماء الإسلام والمؤلفين المعروفين إلى غير ذلك ولم تكن لهم مصلحة خاصة ومباشرة مع السيد قطب سوى إنه انتصر لعالم إسلامي يتعرض إلى الإعدام في دولة مسلمة عربية.

موقفه اتجاه فلسطين والقضية الفلسطينية, كان موقفاً متميزاً وكبيراً فهو أول مرجع أدان العدوان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني بالشكل الصريح وواضح وطالب بنصرة الشعب الفلسطيني في بيانات رسمية عديدة, وهو أول مرجع إسلامي لا أقول شيعي أول مرجع إسلامي أفتى بجواز دعم العمليات الفدائية الفلسطينية دعمها بكل الوسائل المتاحة, وهو أيضاً أول مرجع أفتى بمشاركة الجهاد والعلميات العسكرية ضد الكيان الصهيوني, وهو أول مرجع أفتى بجواز دفع الزكوات إلى المقاتلين الفلسطينيين في قتالهم للكيان الصهيوني, وأصدر العديد من بيانات الاستنكار لاحتلال بيت المقدس الحرم القدسي الشريف وأرسل وفوداً باسمه وكلمات ألقيت نيابة عنه في مؤتمرات إقليمية عديدة أقيمت لهذا الشأن.

هذه الفتاوى وهذا الموقف الفقهي كان له انعكاس مباشر على شيعة لبنان الذين كانوا يقلدوه في الجنوب مما فتح نافذة كبيرة للقوة الفلسطينية أن تتخذ من هذه المناطق مأوى لها ومنها تنطلق لمساعيها في تحرير الأرض, كذلك تسجل له العديد من المواقف اتجاه المسيحيين والصابئة والإيزديين وغيرهم من المكونات العراقية, هذا ما جعله يرسخ منهجاً وحدوياً في الإطار الإسلامي وفي الإطار الوطني العراقي ليكون زعيماً للوحدة بشكل حقيقي وواضح, وهذا ما أعرضه لكثير من الاستهداف لشخصه لعائلته ولأسرته وتعرفون عدد الشهداء الذين استشهدوا والذين اعتقلوا من الأسرة من شبابها إلى شيوخها في ليلة واحدة وبقوا في السجن لثمان سنوات واستشهد من استشهد منهم وكل ذلك نتيجة هذه المواقف المبدئية الواضحة في الدفاع عن الشعب العراقي بكل تلاوينه المتنوعة.

لذلك نحن بأمس الحاجة لنستثمر ونعتبر ونسير على هذا النهج الإسلامي الوطني المنفتح الحريص على قضايا الأمة وقضايا الوطن والدفاع عن العراقيين وعن المسلمين وعن العرب وعن كل إنسان مظلوم أينما حل وكيفما وقع.