بسم الله الرحمن الرحيم

اصحاب الفخامة والسيادة والسعادة ... السيدات والسادة الحضور

احييكم اجمل تحية وأشكر لكم حضوركم الى هذا المؤتمر السنوي المهم ...

ان الاول من صفر يوم دخول سبايا آل الرسول الى الشام، كان من ابشع مصاديق العنف ضد النساء والاطفال والمرضي ... لذلك دعى عزيز العراق (قده) لأعتباره يوماً اسلامياً لمناهضة العنف ضد المرأة وأقر ذلك مجلس الوزراء .

ان حرصنا على احياء هذه المناسبة في كل عام ينطلق من ابعاد عديدة :

منها البعد الانساني : فالعنف ضد المرأة يمثل انتهاكاً

صارخاً لحقوق الانسان والحريات الأساسية المكفولة دينياً وقانونياً ، والدعوة لمناهضة العنف ضد المرأة تعتبر من الاهداف والغايات الأنسانية النبيلة . وبهذا الصدد كلمة شكر وتقدير وتضامن نطلقها لجميع منظمات المجتمع المدني والفعاليات والشخصيات المهتمة بهذا الشأن .

ومنها البعد الاجتماعي : فلا يمكن بناء مجتمع صالح ومتماسك بأفراده ومؤسساته بدون تفعيل الدور الحقيقي للمرأة فهي العمود الفقري في بناء المجتمعات من خلال بناء الفرد بنحو ايجابي ومتفاعل مع قضاياه الانسانية والمجتمعية السليمة .

ومنها البعد الفكري: فانّ عالمنا ما زال يعاني من ويلات التطرف والعنف الناتج عن رؤية معوجة وفهم ظلامي مغلوط ادى الى كل ما نشهده اليوم من ارهاب وعنف وتطرف على مستويات عدة ومنها العنف ضد المرأة ..

ان ثقافتنا الاسلامية الأصيلة توجب علينا مناهضة كل اشكال العنف الاسري والتعنيف المجتمعي والتطرف الفكري ونبذ كل ممارسات سلب الحقوق والحريات المشروعة للأنسان .

ان العنف ضد المرأة يمثل ظاهرة انسانية عامة في جميع المجتمعات لا يعرف ديناً او قومية او منطقة جغرافية معينة وان اختلفت من مجتمع لآخر في وسائله وطرقه وتطبيقاته...

ان العنف ضد المرأة قد يكون لفظياً او ايحائياً او سلوكياً او جسدياً او معنوياً والتعامل بما يحط من كرامتها ... وقد يكون العنف  من الاهل زوجاً او أباً او أخاً او ابناً او رحماً

قريباً ... وقد يكون من المجتمع والبيئة الخارجية ...

وقد يستهدفها لشخصها وقد يستهدفها لجنسها الانثوي، وقد تستسلم له المرأة بحكم ظروفها القاهرة وقد تنتفض عليه ...

اننا نستنكر وبشدة وبأوضح العبارات العنف ضد المرأة بكل صوره واشكاله حتى لو كان بسبب خطأ اقترفته المرأة نفسها فالخطأ لو صدر يجب ان يعالج بالصواب لا بخطأ مثله ...

انَّ اخطر حالات العنف ضد المرأة هو ذلك العنف الذي يتحول الى ظاهرة وعرف اجتماعي وعادات وتقاليد ويعتبر حقاً طبيعياً للمعنّف بحكم المجتمع الذكوري فتكون المرأة قد تعرضت لظلامتين ... ظلامة التعنيف وظلامة الغطاء المجتمعي للعنف المستخدم .

ان منع الفتيات من الزواج بزوج يرغبن فيه بذريعة اختصاصهن بابن عمهن او رحمهن حتى مع عدم رغبتهن فيه واحدة من الكثير من حالات التعنيف المجتمعي للمرأة. ..

من المؤسف ان المعالجات القانونية لبعض ظواهر التعنيف والاساءة للمرأة جائت برؤية مرحلية او جزئية او شخصية او انتقائية لتتحول هذه القوانين الى عبئ جديد على المرأة في ظرف آخر فيما اننا نحتاج الى الرؤية الشاملة والمعالجة الجذرية التي تنظر لهذه القضية المأساوية من جميع الجوانب، كما اننا بحاجة الى رؤية اجتماعية تفرز نظاماً للمجتمع والاسرة والعلاقة بين الجنسين تحفظ للمرأة كرامتها وعزتها ومكانتها ...

في العلاقة بين الرجل والمرأة نقول نعم للتمايز كلا للتمييز... والتمايز هو توزيع الأدوار ضمن أطار الخصائص الذاتية لكل من الجنسين والتمييز هو تفضيل احدهما على الآخر بحسب الجنس.

قال الله تعالى في كتابه العزيز في سورة النساء / 1 " يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً".

فيما ان الأفضلية في رؤية الأسلام لم تتعلق بالجنس وانما بالمواصفات والمعايير الموضوعية.. كالعلم والايمان والتقوى والتصدي للمهام الجسيمة والمعبر عنها اسلامياً "بالجهاد".. وهي اوصاف قد تكون في أي من الجنسين.

لقد أولى الاسلام اهتماماً كبيراً بالمرأة رعاية وصيانة وكرامة.

فعن رسول الله (ص) "جلوس المرءِ عند عيالهِ أحبُّ إلى الله تعالى من الاعتكاف في مسجدي هذا".

وعنه (ص) "أني لأتعجّبُ ممّن يضربُ امرأته وهو بالضربِ اولى منها".

وعنه (ص) " من دخَلَ السوق فاشترى تحفةً فحملها إلى عياله، كان كحاملِ صدقةٍ إلى قومٍ محاويج".

وعن الصادق (ع) " مَن احسنَ برَّهُ بأهلهِ زاد الله في عُمره"

فنجد ان الاسلام عالج نعنيف المرأة بأسلوبين:

الأول: والذي أعطاه القيمة الكبرى هو الحوافز والكوابح الداخلية في احترامها وعدم الاعتداء عليها.

الثاني: وضع الضوابط التي تنظم العلاقة معها ما يجعل من يخالف هذه الضوابط عرضة للمسائلة القضائية والشرعية.

كما ان المرأة تتكفّل جانباً مهماً في ايقاف الاعتداء والتعنيف بها حين تتحمل مسؤولياتها بايضاح الحقائق والمساهمة في خلق ثقافة اجتماعية عامة والتعريف بالانتهاكات التي تطالها وهو ما قامت به السيدة الحوراء زينب (س) بخطبها المعروفة في الكوفة والشام وتركت اثراً مهماً في تثوير الرأي العام ضد المعنفين من بني أمية لينقلب السحر على الساحر في وقت قصير.

وفي زماننا لاحظنا كيف ان بعض الناجيات الايزيديات استطعن ان يحولن قضيتهن إلى قضية عالمية لشجاعتهن حين تحدثن وشرحن التعنيف الكبير الذي تعرضن له . مما اكسبهن كل هذا التعاطف الداخلي والخارجي.

ان الاهتمام بالمرأة وتمكينها ومناهضة تعنيفها يتطلب جهداً كبيراً من جميع اصاحب الشأن والتأثير فالمؤسسة الدينية تتحملُ جانباً من المسؤولية، والشخصيات والنخب المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني يتحملون جانباً آخراً من المسؤولية، والحكومة تتحمل جانباً اساسياً من خلال استحداث وزارة تعنى بشؤون الاسرة والمرأة والطفل تهتم بكل تفاصيلهم وشؤونهم.

ان هذه الخطوة لا تعتبر خرقاً لمبدأ الترشيد في النفقات وترشيق الهياكل الحكومية فهذه المهام تتكفلها اليوم هيئات ومديريات ومفاصل ادارية مرتبطة بالعديد من الوزارات وكل ما يتطلب فكها عن مرجعياتها الادارية الفعلية، وربطها بوزارة واحدة لتتكامل الادوار ويتركز الجهد وتتراكم الخبرة في مفصل واحد.

السيدات والسادة المحترمون..

في الشأن السياسي العام شهدنا نضجاً ديمقراطياً في اختيار الرئاسات ضمن المدد الدستورية، وتنافس اكثر من مرشح على الموقع الواحد، ومنح الكتل السياسية الحرية لنوابها في الاختيار وفق قناعتهم في انتخاب بعض الرئاسات، والقيام بالتداول السلمي للسلطة بشكل انسيابي، ما جعل العراق نموذجاً ديمقراطياً متقدماً في المنطقة. وهو ما يعدونا للتفاؤل في امكانية تخليص شعبنا من سوء الخدمات وتحقيق مطالبهم وتطلعاتهم نحو حياة حرة كريمة.

ان ذلك يتطلب شكراً وامتناناً من المرجعية العليا الراعي المعنوي لهذا المسار، ولشعبنا الأبي، والقوى السياسية، واصدقاء العراق في المنطقة والعالم، الذين دعموا هذا التحول الايجابي وشكر خاص للرؤساء الثلاث لتعاملهم المسؤول وتعاونهم الواضح مع الرؤساء المنتخبين، ونتمنى لرئيس مجلس الوزراء المكلف ان يوفق في تقديم كابينته الوزارية وبرنامجه الحكومي لمجلس النواب في المدة الدستورية المحددة لنستكمل بذلك الخطوة الاخيرة في تشكيل الحكومة.

سبق وان اكدنا ان الاصلاح منهج وليس شعاراً، وان ترجمته يجب ان تكون عبر الافعال لا الاقوال فحسب.

كما ان تحقيق الاصلاح مسؤولية الجميع ولا يمكن تحميل جهة أو شخص تلك المسؤولية وحدها دون الآخرين وهو ما يدعونا للأشارة إلى عدة نقاط مهمة وجوهرية..

1 ـ دعم مشروع الاصلاح يجب ان يأتي عبر المشاركة الفاعلة في تحقيق الخطوات الاصلاحية على المستوى التشريعي والتنفيذي فنظامنا السياسي نظام برلماني اتحادي وهو ما يتطلب دوراً سياسياً داعماً لرئيس الحكومة وجهازه التنفيذي.

فليس من الصحيح ان تقول الكتل السياسية لرئيس الحكومة اذهب انت وربك فقاتلا انا ها هنا قاعدون مترقبون وليس من الصحيح ان يقول رئيس الحكومة دعوني وشأني فحرية الاختيار لا تمنع من التشاور مع الكتل السياسية.

ومسؤولية الاصلاح والاعمار والبناء والتعايش مسؤولية تضامنية وتشاركية حتى لا تفشل الحكومة ويفشل الجميع لا سامح الله فالمراهنة على مزيد من الصبر لشعبنا مجازفة كبيرة.

اننا بحاجة إلى حكومة متوازنة، وخدمية، ومستقلة مهنياً ووظيفياً.. حكومة فعل لا رد فعل.. حكومة استثمارية لا احتكارية.. حكومة تكاملية تتكامل مع باقي السلطات لا تقاطعية.

2 ـ التوقيتات الزمنية لكل خطوة تنفيذية اصلاحية من قبل الحكومة يجب ان تكون واضحة ومعلنة امام الشعب. فأزمتنا اليوم ليست في تشخيص المشاكل وانما في جدية حسم وعلاج هذه المشاكل، وهو ما يتطلب حزماً وشجاعة وقدرة على الانجاز السريع وهو ما نتفاءل به خيراً في الحكومة المقبلة.

3 ـ الفساد هو آفة المشاكل المستعصية وجذر الأزمة الخدمية التي نعيشها في بلادنا، ولا يمكن التقدم بالوضع الخدمي دون تجفيف وضرب منابع الفساد المالي والاداري داخل جسد الدولة وانهاء التعيينات بالوكالة.

والحكومة المقبلة أمام تحد كبير في هذا الشأن وهي معنية ببيان خطواتها واجراءاتها الحاسمة تجاه هذا الملف الحساس وعدم التهاون بالمطلق تجاه المتورطين به وفضحهم أمام الشعب دون تردد أو مجاملة.

4 ـ تم تشكيل تحالف الأصلاح والأعمار انطلاقاً من وعي قادته واطرافه السياسية تجاه شعبهم وبلدهم.. وانطلاقا من فهمهم السليم لطبيعة الظروف المعقدة التي تحيط بالوطن.. وما تمليه عليهم المسؤولية الشرعية والوطنية والاخلاقية تجاه ذلك.

فنحن وشركاؤنا لم نساهم في تشكيل هذا التحالف لحسابات تكتيكية أو منافع شخصية. بل جاء تفاعلنا واسهامنا انطلاقاً من ايماننا بصحة المسار الذي اختطه هذا التحالف لنفسه اذ يُعتبر اليوم ركيزة القرار العراقي المستقل. ونحن وشركاؤنا سنستمر في تطوير هذا التحالف واقناع الجميع بصحة رؤيته وتوجهه لمستقبل العراق واستقلالية قراره الوطني.

ايها الأحبة..

اسمحوا لي ان استثمر هذه الفرصة لأجدد دعوتنا إلى ضرورة ابعاد العراق عن التجاذبات الاقليمية والدولية، فالعراق فيه ما يكفيه من المشاكل والأزمات وويلات الحروب ومعاناة التخبط والفشل السياسي والخدمي.

وامامنا مهام جسيمة للتخلص من آثار الحرب الطويلة التي خضناها على الأرهاب والتي تتمظهر باشكال وصور متعددة .

فلا يمكن ان نتخيل استقراراً للمنطقة دون استقرار العراق ومخطئ من يظن انه سيكون بمنئى عما يجري في العراق بل الامن القومي لدول الجوار مرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار العراق ونجاح تجربته الديموقراطية. والجغرافيا السياسية والشواهد التاريخية تؤكد هذه الحقيقة.

لذلك نقولها بوضوح... لا يمكن مكافحة الارهاب العالمي

دون توفر الارادة الحقيقية والداعمة لاستقرار العراق وابعاده عن شبح الحروب بالوكالة. وهو ما يستدعي ان تضع الدول الشقيقة والصديقة هذه الحقيقة في اولوياتها السياسية وان تسهم في اعادة اعمار العراق وبنائه.

 سلاماً على شهداء العراق وسلاماً على مرجعيتنا وشعبنا وقواتنا المسلحة وسلاماً للمرأة العراقية الصامدة في كل الساحات والمساحات وتحية لكم جميعاً على حضوركم واهتمامكم وتفاعلكم مع موضوع مناهضة العنف ضد المرأة ...