بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين ..

فخامة رئيس الجمهورية ..  سيادة رئيس مجلس النواب .. 

أصحاب السيادة والمعالي والسعادة..  السيدات والسادة الحضور ... 

أرحب بكم أجمل ترحيب وأشكر لكم هذا الحضور الواسع المنوع، الذي يعبر عن واقعنا العراقي بكل ألوانه القومية والمذهبية والدينية والمناطقية الكريمة، وهو إن دل على شيء فيدل على أصالة شعبنا وبلادنا التي قدمت نماذج حضارية رائعة للبشرية والإنسانية في الإجتماع والمدنية والتحضر والثقافة والعلوم 

وما زال لديها الكثير لتقدمه للإنسانية والبشرية حاضرا ومستقبلا .

إنَّ ( منظمات المجتمع المدني ) تمثل عنواناً كبيراً ذا دلالات أساسية ثلاث، يجب التوقف عندها، فالعناوين والمفاهيم لم تطلق إعتباطا بل يراد منها أن تُحقَّق المعاني والمضامين والأهداف المرجوّة.

إنَّ المنظمات هي صيغة تعبر عن المجموعات البشرية المنظمة والمنتظمة ضمن هياكل و رؤى وأهداف موحدة يجتمعون بإرادة واعية على إنضاجها وبلورتها وتحقيقها خدمة للمبادئ التي يحملونها والمسؤوليات التي يتحملونها.

إنَّ في هذا التنظيم دلالة كبيرة على ميزة الإنسان وقدرته الفائقة في إدارة نفسه وبيئته بالأشكال المثالية التي تقوده الى حياة أفضل وأكثر إنسجاما ورخاء وتطورا.

إنَّ العمل الفردي مهما يكن منظما ودقيقا فإنه يبقى محدودا ومحددا بمديات قصيرة، ولكن العمل ذاته حين يتم بصورة جماعية ومنظمة فإنَ دائرة تأثيره تكون أكثر إتساعاً في الحياة والآخرين.

هكذا نشأت الأديان الكبرى، بتكليف إلهيٍ لشخوص أتقياء وذوي قدرات قيادية ومبادئ رسالية، تحركوا وسط مجتمعاتهم ونظموا صفوف المؤمنين تنظيما دقيقا وفق رؤى وأهداف وخطاب وسلوك موحد، فبدأت مهمتهم ببضعة أفراد وصولا الى مئات الملايين ومليارات من البشر ضمن مدد زمنية وتراكمية طويلة تصل لآلاف السنين.

وهكذا هي حال التجارب البشرية التي كانت وتكون ثمرة تنظيم وحركة وإنسجام وعمل جمعي هادف ومؤثر.

 أما المجتمع فهو ثمار الطبيعة البشرية التي تميل الى الإجتماع والتجمع، والحياة المشتركة الفاعلة.

فالإنسان إجتماعيٌ بطبيعته، مجبولٌ على ذلك، ميّالٌ الى الشراكة والتعاون مع الآخرين سواء كانوا أسرته أم عشيرته أم شركاءه في الدين والوطن والإنسانية .

 إنّ ميزة الاجتماع البشري الهادف هي التي قادت الإنسان إلى المزيد من التطور والتوسع في الإدارة وإستثمار محيطه وتوسيع إمكانياته، التي وصلت في عصرنا الى حدود بعيدة ومتقدمة جدا.

 الإنسان المتوزع على شكل مجموعات صغيرة متناثرة ومنقطعة عن بعضها البعض، يتحدث اليوم عن مجتمعات كبيرة تشترك في مساحات جغرافية واسعة تمثلها الأوطان، 

ويتحدث عن مجتمع إنساني موحد ومترابط وكوني ضمن مساحة شاسعة تشمل الكرة الأرضية بأكملها.

 ما كان ذلك ليحدث لولا وعي الإنسان بضرورة الإجتماع الهادف والعمل المشترك والتعاون المستمر والمنظم.

 ان المنظمات اليوم تتعدَّد بين منظمات مجتمعية ومحلية ومنظمات إقليمية ودولية، وتتطور لتكون بأهداف وقرارات وتحركات كونيّة، بالغة الأهمية في مسيرتنا الإنسانية نحو الكمال والتكامل .

 إنَّ المجتمعات الصالحة والمتطورة هي القادرة على تنظيم نفسها تنظيما دقيقا واعيا وبأهداف سامية وصالحة ونبيلة.

وكلما نجحت في ذلك كلما كانت أكثر قوة ومنعة وتأثيرا في العالم بأسره، وهو ما نأمل به في بلادنا أيضا.

 أما المدنيَّة والتطور والحضارة فهي نتاج ذلك التنظيم والإجتماع الإنساني الذي بدأ مصغراً باحثاً عن الإستقرار والتجذر المحدود والآمن، وصولا الى السيطرة والتحكم وإدارة كامل المحيط الجغرافي، بآليات وأدوات وقوانين وقواعد أكثر رصانة وفاعلية.

 كل ما سبق ذكره يجعلنا ننظر بأهمية مضاعفة لمؤتمرنا ومنظماتنا المجتمعية المدنية التي تجتمع تحت سقف واحد لتوسع من مهامها وتأثيرها وحركتها وتنسق عملها وتتبادل تجاربها ومعطياتها بينيا وبشكل سنوي ودوري.

 لقد شهد مجتمعنا العراقي خلال العقدين الماضيين تطورا ملحوظا يكاد يتفرد في المنطقة في هذا المضمار، حيث وفرت الأجواء الديمقراطية والحرة مناخا رحبا للمجتمع أن يبادر وينظم نفسه ويقوي بنيته ويسترد العديد من الصلاحيات 

والخصوصيات القانونية المسلوبة منه، ليكون نداً قوياً للمؤسسات الرسمية، متقاسما معها الأدوار والوظائف والمسؤوليات.

 ان هذا التقاسم الضروري بين المجتمع ومؤسساته الرسمية سيضفي قوة أكبر له ولتلك المؤسسات التي تخرج رويدا رويدا من حالة الإحتكار المثقل لكاهلها، الى حالة التعاون المتوازن بينها وبين قطاعات المجتمع المدني وشرائحه كافة.

 ان التصور التقليدي بأن كل شيء يجب أن يكون مرتبطا بمؤسسات الدولة الرسمية ومحتكرا من قبلها، يتبدد شيئا فشيئا، ومجتمعنا يلتحق بركب الدول المتقدمة في بلورة الصيغ المناسبة لهذه العلاقة.

 نحن نعتقد أن بناء المجتمع القوي مقدمة ضرورية لبناء دولة قوية، ففي التجارب الديمقراطية المتقدمة، تنبثق الدولة ومؤسساتها من إرادة شعبية جماعية حرة، فكلما قوي المجتمع ونضج ضمن هذه الثقافة الحرة، كلما كانت مؤسساته أكثر قوة وصلابة وفاعلية، والعكس صحيح. فكلما كانت مؤسسات الدولة منعزلة عن المجتمع ومنغلقة على نفسها ومحتكرة للقرارات، كلما كانت أكثر عرضة للإستهداف والضعف والهشاشة.

 وإنطلاقا من هذا الفهم فإن تقوية المجتمع، وتنظيمه، وصون حرياته، وتعزيز نضوجه، وقدرته على الإختيار، ومشاركتِه في صنع القرار، وإحترام أدواره وواجباته، تمثل مقدماتٍ أساسية ومبادئ ضرورية للنهوض بالدولة ومؤسساتها.

 كما إننا نعتقد بضرورة الإلتزام بالصيغ المتوازنة في هذه العلاقة، فإذا إختل التوازن لصالح المؤسسات الرسمية فسوف نكون عرضة لمخاطر الإستبداد، وإذا اختل التوازن لصالح التجمعات والجماعات 

فسنكون عرضة للفوضى، وإنما يكمن الحل في العلاقة المتوازنة المبنية على أساس القانون والتعاون المشترك، لنحصن البلاد من الإستبداد والفوضى وندفع بها الى التعاون والتشارك والتقاسم في الأدوار والمهام والمساحات.

 كما ندعو الى عدم الإكتفاء ببناء المنظمات والمؤسسات المدنية بناء منغلقا ومعزولا عن بعضه البعض بل يتوجب الحفاظ على خصوصية هذه المنظمات وتخصصاتها، مع إنفتاحها على بعضها وتكاملها فيما بينها ومعالجة الإشكاليات لا من نوافذ متقاطعة بل من خلال مشاريع هادفةٍ متكاملة.

 إذن نحن أمام رباعية هامة تتمثل في الآتي :

أولا : أهمية منظمات المجتمع المدني في الدول الديمقراطية الحرة والمتقدمة.

ثانيا : تقاسم الأدوار بين المنظمات والمؤسسات الرسمية.

ثالثا : العلاقة المتوازنة والقانونية بين المنظمات والمؤسسات الرسمية.

رابعا : العلاقة التكاملية بين المنظمات نفسها .

السادة والسيدات الأكارم ..

 بلادنا تمر بظرف تاريخي إنتقالي هام، يحمل معه مخاطر كبرى كما يحمل فرصاً عظيمة، في الإنتقال من التجربة الديمقراطية الفتية وتداعياتها نحو خيار ديمقراطي ناضج ومستقر وآمن، من خلال إرادة جماعية واعية في الإنتقال من مرحلة التقاطع وعدم الثقة والفوضى والإنغلاق المكوناتي الى مرحلة التفاهم وبناء الثقة والإستقرار والإنفتاح والتعاون العابر للمكونات.

ولا يحصل ذلك الا ببناء ثلاثية : ( الأمة أي المجتمع الواحد، 

والدولة أي المؤسسة المنسجمة والمستقرة والقوية، والرابط بينهما أي الهوية الوطنية الجامعة ومبدأ المواطنة ).

 إنَّ منظمات المجتمع المدني لها أدوار هامة ومفصلية في عملية بناء الأمة العراقية الموحدة وترسيخ الهوية الوطنية الجامعة وتعزيز مبدأ المواطنة في بلادنا.

 بكم وبمنظماتكم الفاعلة يبنى المجتمع وتتوحد الأمة وتقوى الدولة وتتم تنشئة الأجيال على الهوية الوطنية ضمن مبدأ الحقوق والواجبات.

 ومن هنا أدعو أن تستمر منظماتكم المجتمعية المدنية في تحمل هذه المسؤوليات الجسام والمساعدة في عبور الوطن من مرحلته الإنتقالية الصعبة الى مرحلة أكثر إنتظاما وإستقرارا ونضوجا.

أدعو جميع المنظمات الى العمل على تفعيل النقاط التالية، ولا سيما في المرحلة القادمة :

١- حث الجمهور العراقي على المشاركة الواسعة والفاعلة والواعية في الإنتخابات.

فالإنتخابات حق أساسي لكل مواطن كما إنهُ واجبٌ وطني يتحققُ بالمشاركة في بناء البلد والعمل على إستقراره.

وإنَّ مقاطعة الإنتخابات أو عدمُ الإهتمام بها، ليس تنازلا عن حق أساسي للمواطن فحسب بل هو تراجعٌ عن واجب وطني وجداني يسهم في تجنيب البلاد المخاطر والويلات.

ان الإنزعاج والتذمر لا يكفيان لإصلاح الأمور وتغييرها، والمتفرج غير الفاعل سوف يساق ويقاد من قبل اخرين.

فالحل يكمن في المشاركة الواسعة، على أن تكون واعية وفاعلة وصحيحة، و بذلك يحصل التغيير والإصلاح.

وكما يقال، فإنَّ الديمقراطية تصحح نفسها لأنها مرتبطة أساسا بخيار الشعب نفسه، فإن أحسن الإختيار والمشاركة، حصد الفوائد والثمار، وإن حصل العكس فستكون النتائج سلبية وغير مرضية.

٢- تحليل جميع البرامج والمناهج المطروحة وتفكيكها وفرز الصالح منها عن غيره.

إنَّ عملية فرز المناهج والبرامج باتت ضرورية جدا لمساعدة الناس على حسن الإختيار في الفترة المقبلة والمشهد القادم.

وما أحوجنا اليوم الى مناهج رصينة لبناء الدولة وإرساء مبادئ الحوار والإعتدال في الحياة السياسية والإجتماعية 

والدعوة الى التمسك بالقانون والأُطر السليمة والتعايش السلمي.

وتتحمل منظمات المجتمع المدني مسؤولية إزالة التشويش والتعميم، ومسؤولية التفكيك والتنضيج للمشاريع والمناهج ووضع ذلك أمام المواطنين.

 إعملوا على دراسة ما يطرح وما يُتبنى من جميع الأطراف ومن دون إستثناء، وبشكل محايد وعلمي ومهني، وأخرجوا للمجتمع متسلحين برؤية واضحة، وتبنوا ما ترونه صالحا لمجتمعاتكم وإعملوا على تمكينه وإيصاله الى سدة القرار والخدمة المنشودة.

 نعتقد أن زمن الفوضى والإحتكار والتقاطع والعنف يجب أن ينتهي فوراً، فالتجارب المريرة والمناهج المتشددة لم تجلب لبلادنا إلاّ الخراب والمزيد من الدماء والتعطيل.

 ضعوا أيديكم على الجرح وكونوا صريحين مع شعبكم في تبيان مخاطر إستمرار منهج اللادولة والتشدد، وأدعوهم لبناء دولتهم وفق المعايير الصحيحة السليمة البناءة.

 ولتكن منظماتكم منارات مجتمعية للمراقبة والمتابعة ومنصات للتوعية والتثقيف، ومحطات للتحفيز والتنوير، لكي نعالج نقاط الضعف ونطور مكامن القوة في مجتمعنا ودولتنا ووطننا.

3- تحصين المجتمع من الأساليب والوسائل الإنتخابية الملتويةغير المشروعة، كالتسقيط الإنتخابي، والمال السياسي، والسلاح المنفلت، والجيوش الإلكترونية، والوعود الكاذبة، والأجندات المشبوهة، وتسويق العنصرية والطائفية لكسب الصوت، وكل المحاولات التي تبحث عن إثارة المجتمع وتأليب أبنائه ضدّ بعضهم.

 راقبوا الجميع، وشخصوا الملتزم من غيره، وقوموا بتعرية التخلفات والتجاوزات، لتكونوا سدّاً منيعاً أمامها، والحصن الحصين لمجتمعكم.

4- مراقبة الانتخابات : إن الإنتخابات القادمة هي الأهم منذ ما يقارب العقدين من الزمن، فالمتغيرات السياسية والإجتماعية العديدة في ساحتنا، والأزمات والإشكاليات المتراكمة كلها تدفعنا بإتجاه ضرورة تغيير المعادلات والأنماط التقليدية  عبر صناديق الإنتخابات تغييرا حقيقيا.

وهو أمر يستدعي الإصرار على تهيئة المناخ المناسب والآمن لإجراء الإنتخابات لتكون النتائج بأعلى درجات المصداقية والنزاهة والشفافية.

ويتمثل دور منظمات المجتمع المدني في هذا الميدان بالمهام التالية :

- التحفيز والتشجيع على المشاركة الواسعة. 

- التثقيف على الإنتخاب المدروس الواعي. 

- فرز المناهج وتفكيكها وتبني الصالح منها.

- مراقبة ومتابعة سير الإنتخابات و نتائجها.

- وأهمُ ما نتوخاه هو :

- توفير الفرص المتكافئة للجميع.

- وتأمين حق الترشح وإستعراض البرامج.

- ونزاهة التصويت وشفافية فرز الأصوات. 

وتحقيق هذه الأمور بحاجة الى وقفة مجتمعية جادة، تطالب وتدافع عن حقها في ذلك كله.

5_فرز المنظمات الوطنية عن غيرها من ذوات الأجندات الخارجية أو العنفية أو الشكلية، فهناك بعض النفوس الضعيفة التي شوهت وتشوه عمل المنظمات المدنية وتعمل على إستغلالها كغطاء لمآربها الخاصة وأرتباطاتها المشبوهة، للتأثير سلباً على ذهنية المواطنين.

 نحن ممن يفقه أهمية وجود المنظمات المدنية في المجتمع ولنا الشرف أن نكون في مقدمة الداعمين لها ولعملها ومساحاتها، ومدركين تماما لأدوارها ومسؤولياتها ، كما أننا من المدافعين عنها والعاملين على تطويرها ونجاحها.

ومن هذا المنطلق نحرص كثيرا على إبقاء صلاتنا بجميع المنظمات وتدعيمها وتعزيز دورها، كما نحرص على مكانتها وسمعتها وفاعليتها، ولأجل ذلك أطلقنا العديد من المبادرات ومشاريع القوانين الساندة لعمل هذه المنظمات الوطنية الحريصة على إنجاح المجتمع والدولة.

 أدعوكم جميعا أن نقف في صف واحد وموحد لنحكم الرأي ونرصَّ بنيان دولتنا ومؤسساتها ونشيع ثقافة الحوار والإعتدال والتعايش في مجتمعنا.

حفظكم الله جميعا ذخرا و ذخيرة للوطن، وليكن عراقنا الحبيب أولا وأخيراً، وليشمخ عزيزا قويا ومقتدرا في كل حين .. بسواعد أبنائه وبناته البررة. وتحية لمراجعنا العظام وشهدائنا الأبرار و لاسيما شهداء قواتنا المسلحة ومنظمات المجتمع المدني والجيش الأبيض المقاتل في سواتر مواجهة الجائحة وتحية لكل جهد وطني شريف.

والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته