بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

أصحاب الفخامة والسيادة والمعالي والسعادة ..

السيدات والسادة الحضور..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من دواعي السرور والغبطة أن أشارك في هذا المنتدى الهام الذي ينعقد في هذا الصرح العلمي والأكاديمي في مدينة دهوك العزيزة وبرعاية كريمة من سيادة الأخ مسرور البرزاني رئيس وزراء أقليم كردستان في هذا الظرف الحساس والمفصلي من تاريخ بلادنا والمنطقة.

إن التفكير في سبل إرساء الأمن والسلام المستدام في العراق والمنطقة والعمل على ذلك، يمثل جهداً واعياً يستحق التقدير.

لأن شعوب المنطقة لا تزال تعاني من ثلاثية: ( التوتر وعدم الإستقرار الداخلي، والخشية من المستقبل، وعدم الرضا بالحلول والمعالجات المطروحة تجاه الأزمات المتكررة )، وهي تتطلع إلى النخب و أصحاب القرار، لتقديم وصفات أكثر جدية وواقعية وعملية، تضمن لهم حاضراً آمناً ومستقبلاً واضحاً وإستقراراً دائماً وهي عناصر أساسية لأي نهوض وتطور وبناء، كما إنها دوافع ضرورية لإيجاد بيئة مطمئنة وباعثة على الأمل والنشاط.

إن كثرة الأزمات وتراكم التوترات وتراجع الثقة بالحلول تمثل موانع رئيسة في طريق الأمن والسلام المستدام الذي لا يتحقق الا بسلسلة طويلة من الخطط والمشاريع وهو ما يتطلب تعاوناً وتضامناً داخلياً على مستوى الأوطان وخارجياً على مستوى المنطقة ودول الجوار .

بإمكاننا تلخيص الخطوات الداخلية على مستوى الأوطان الى الثنائية التالية لتحقيق الأمن والسلام المطلوبين :

أولا : بناء الهوية الوطنية الجامعة: المعبرة عن طموحات وأحلام ورؤى وإنتماءات أبناء الوطن الواحد نحو تحقيق السلم المجتمعي وتوحيد الجهود والصفوف في مواجهة التحديات وإستثمار الفرص المشتركة من قبل الجميع.

    إننا بحاجة الى مشروع واضح في إدارة التنوع القائم في دولنا و جعله نقطة القوة  للوصول الى إستقرار النفوس والقناعات في إطار عقود إجتماعية وسياسية مطمئنة للجميع.

ونعتقد أن تضارب المشاريع والرؤى التي تقدمها النخب وأصحاب القرار مازالت معرقلة لهذه الولادة الحتمية والمرجوة في مسار الإستقرار .

ثانيا : معالجة جذور الفجوة بين الدول ومواطنيها على صعيد: ( بناء المؤسسات الرصينة والإجراءات العادلة والثقة المتبادلة ) وهي ثلاثية بحاجة الى الكثير من العمل والجهد والمصداقية ولانزال بعيدين عن تحقيقها .

إن المواطن الفاقد للثقة بمؤسسات الدولة وعدالتها وإجراءاتها وقدرتها على حفظ كرامته وحاضره ومستقبله، لا يندفع نحو أي مشاريع طموحة مهما كانت واعدة وضرورية ومفيدة، مما يجعل تحقيق الهدف أمرا مستصعبا .

إن تباطؤ الدول على مستوى المؤسسات او عدالة الإجراءات من الأمور المانعة للتعاون والتضامن الداخلي، وهذه الفجوات بمثابة بيئة عكسية آمنة للإرهاب والتطرف والقلق والإحباط .

ونرى هذا الأمر بوضوح على المستوى الداخلي العراقي اليوم، فالمشاركة الإنتخابية المتدنية، والشكوك الواضحة بمصداقية العملية الإنتخابية، وعدم الرضا الواسع من النتائج والواقع السياسي، والتشكيك بمصداقية مؤسسات الدولة وإجراءاتها، والشعور بغياب العدالة والكرامة والمواطنة، والإحباط المستمر، والقلق الواضح من الحاضر والمستقبل، كلها أمور مقلقة وخطيرة بحاجة الى معالجات جذرية .

إن سياسات فرض الأمر الواقع السياسي على حساب ثقة المواطن ومشروعية النظام ومصداقية الدولة وشرعية الممارسة السياسية في عملية بناء الدولة، هي أمور لا تأتي بخير ولا تطمئن العقلاء والحكماء والنخب .

إن سياسات التعميم والتعويم والتشويش والترهيب والتحبيط ضد المواطن العراقي تجعل جميع النخب وأصحاب القرار أمام مسؤولية تاريخية ثقيلة، طالما حذرنا من عواقبها منذ عشر سنوات وسنبقى نحذر منها، معولين على الوطنيين الشرفاء والنخب الحكيمة لتجاوزها وتوفير البديل الآمن .

نقولها بصراحة، لا أمن ولا سلام ولا دولة ولا نظام ولا مؤسسات مستقرة ومتماسكة من دون مراجعة حقيقية لهذا الواقع المعيب والمشوه، ومن دون إيقاف المشاريع والمحاولات الملتوية التي تحاول أن تدافع عن هذا الواقع المؤسف.

وأما على المستوى الإقليمي فنعتقد أن الثلاثية التي تشكل ملامح الحل للوصول الى آليات لحل الإختلافات والنزاعات الدائرة تتمثل بالآتي:

اولاً: الإنفتاح والحوار الإقليمي البناء :

فلا يمكن أن نتصور سلاماً حقيقياً وأمنا مستداماً للشرق الأوسط من دون إعادة النظر في العلاقات بين دول المنطقة على أساس الإنفتاح والحوار والإحترام المتبادل.

فالخلافات في المصالح والرؤى والمشاريع طبيعية ومعقولة، لكن المبالغة بها  واعتبارها وجودية والعمل على حسمها بأسلوب الكسر والإنقضاض على الآخر هي أمور غير طبيعية وغير واقعية .

فالحوار كالجوار كلاهما أمور قدرية وضرورية للجميع .

إن الإنتقال من صيغ المشاكل المتشابكة والعالقة والمعقدة الى صيغ الفرز والتفكيك للملفات هي الخطوة المطلوبة للتحاور البناء .

وعلى دولنا أن تفكك مشاكلها على صور ملفات تخصصية على سبيل المثال: ( ملف الإرهاب، ملف المياه، ملف الحدود، ملف النفط، ملف التجارة ..) كلا على حدة وتفسح المجال لتغليب المصالح المتبادلة على أساس الرؤية الفنية لا السياسية الصرفة قبل أي حوار او تفاهم او قرار .

وقد أثببت التجارب أن كثيراً من سوء الفهم يعالج بالتفكيك والتأني والنظرة الموضوعية للمصالح المتبادلة .

ثانياً: ايقاف صراعات الزعامة والقيادة الإقليمية المدمرة ذات الطابع الأمني والعسكري والإستخباري وإستبدالها بسياسات التنافس والتسابق الإيجابي نحو عمران الأوطان وتحقيق القفزات العلمية والتكنولوجية والإقتصادية، والثورات الإدارية والمؤسسية التي تدفع بالدول نحو فرض تقدمها بقوة المنطق لا بمنطق القوة .

- إن مثل هذه الخطوات الإيجابية سوف تحسن من موقع الدول التفاوضية في توسيع رقع مصالحها على مستوى المنطقة وإيجاد مناخات آمنة لتبادلها مع الآخرين .

- إن السيادة والزعامة بحاجة الى نماذج ناجحة وراشدة، بعيداً عن استعراض العضلات والإمكانيات المتغيرة الوقتية.

ثالثاً: الشراكات الكبرى على مستوى المنطقة وعلى كافة الصعد العلمية والثقافية والإقتصادية، التي تقرب الشعوب لبعضها البعض وتنمي المصالح وتوسع من رقعها .

- فالشراكات الكبرى، والإستثمارات العملاقة، والمشاريع المشتركة، والمصالح المترابطة، والعلاقات المتبادلة كلها حلول لتحقيق ما نتطلع اليه في حل النزاع وتحويله الى قوة أكبر وفرص أوفر ومستقبل أكثر إزدهارا وأمنا .

السيدات والسادة الحضور ...

على الرغم من النجاحات الملحوظة المتحققة في العراق على الصعيدين الأمني والسياسي، إلا أن التحولات المحيطة في المنطقة من جهة، والتحديات الداخلية من جهة أخرى، ما زالتا تمثلان عقبات كبيرةً أمام عجلة البناء والتغيير المنشود، بما يليق بثقله التاريخي ومكانته الإقليمية والدولية.

ومن جملة هذه التحديات :

أولاً/ السيادة العراقية

إن التوغلَ العسكريَ الأجنبي على الحدود العراقية، والتدخلات السياسيةَ في الشأن الداخلي، ما زالت تهدد وحدة الشعب العراقي، وتؤخرُ حقهُ في السيادة على كامل أرضه ومياهه وسمائه.. ولابد من إيقاف هذا التدخل ضمن أولى أولويات السياسة الخارجية للحكومة العراقية المقبلة عبر إجراءات عملية ورادعة.. والعراق يمتلك الكثير من الأوراق التي تجعله في موقع القوة والقرار.

ثانياً/ التحديات الاقتصادية

ما زال الإقتصاد العراقي اقتصاد ريعياً، وهناك شلل كبير في قطاعات الصناعة والزراعة والتكنلوجيا الحديثة، وهو أمر يهدد العراق ومستقبل أجياله في ظل ما نشهده من إرتفاع كبير في معدلات النمو السكاني وإزدياد نسبة البطالة بين الشباب.. ومن المؤسف  أننا لم نشهد طيلة الفترة الماضية خططاً حقيقية وجادة لمعالجة هذا الخلل الكبير بسبب التحديات الأمنية، والصراعات السياسية الداخلية وضعف التخطيط والإدارة .

وهو ما يجعل المسؤولية مضاعفة وثقيلة على الكتل السياسية والحكومة المقبلة لإيقاف التدهور الإقتصادي الخطير في العراق.. فنحن أمام قنبلة إقتصادية موقوتة لن تقتصر  على العراق فحسب، بل ستشمل المنطقة برمتها.

فالفقر والحرمان وإنعدام الفرص أمام الشباب تمثل أبرز المغريات التي تستغلها الجماعات الإرهابية المتطرفة في كل مكان من العالم.

ثالثاً/ التحديات المناخية

إن أزمة الإحتباس الحراري وشحة الأمطار وغياب السياسات المائية العادلة وما نشهده من تصحر كبير للأراضي الزراعية ولاسيما في العراق، يضعنا أمام كارثة بيئية خطيرة تتطلب إجراءات دولية وإقليمية فاعلة تسهم في إنقاذ الكون .

ولابد ان يكون لدى جميع دول المنطقة أولويات حقيقية لمواجهة هذه التحديات ومنع التصحر المخيف الذي تشهده أراضينا من خلال تبادل الخبرات وتنسيق السياسات المائية العادلة، والإفادة من تعميم تجارب إستخدام الطاقة النظيفة .

والحكومة العراقية معنية بالتشجيع والمشاركة في المبادرات والإجراءات النوعية في مواجهة التحديات المناخية ومنع تداعياتها الخطيرة على بلدان المنطقة وشعوبها .

رابعاً/ التحديات الإقليمية

لابد من تغيير النظرة الدولية تجاه منطقة الشرق الأوسط، ومغادرة المناهج القائمة على إستغلال الإختلافات المجتمعية والسياسية لشعوب المنطقة التي تزخر بالتنوع الديني والفكري والمذهبي .

فقد بات الإستقرار في الشرق الأوسط ضرورة أمنية لكل دول العالم، فالآثار والتداعيات المجتمعية لا يمكن حصرها في نطاق محدود ، فعالمنا اليوم متصل بجميع خصوصياته، مما يجعل بالآخر التأثر حقيقة لا يمكن تجاهلها.

نحن بحاجة الى مجالس إقليمية متعاونة وواعية لخطورة التداعيات المقبلة، فأزمة المناخ والتغييرات الإقتصادية والتحديات المجتمعية والأمنية تجعل من الصعب على أي حكومة أن تحقق نجاحاً وحدها من دون تنسيق وتعاون إقليمي فاعل.

وإننا في العراق نعي ذلك جيدا، ونأمل ان تتعاون معنا الدول المعنية في إجراءات عملية تحقق مصالح الجميع لحماية مستقبل المنطقة وشعوبها من التداعيات والمخاطر المحدقة بالجميع.

خامساً/ التحديات السياسية

مازال النظام السياسي في العراق يعاني من أزمات بنيوية عديدة، فعلى الرغم من التمسك بالمسار الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة، الا أنه ما زال يعاني من التكيف مع المتغيرات الكبيرة مجتمعياً ، ومن الفساد المالي والإداري، ويفتقر إلى البُنى التحتية لمواكبة نهضة الإقتصاد والصناعة والزراعة.

فالعملية السياسية لم تستطع طيلة السنوات الماضية أن تغادر أزمة الثقة أو تتجاوز عقد الماضي، كما أنها لم تنجح في تبني خطط إستراتيجية تنجزها الحكومات المتعاقبة على إدارة الدولة.

يضاف الى ذلك الأزمة المتفاقمة تجاه العملية الإنتخابية التي أفرزت كماً غير مسبوق من الطعون والشكاوى حول مصداقية الإجراءات والمخرجات. 

كنا أولى الكيانات السياسية المهنئة للفائزين في إنتخابات ٢٠٢١، رغم إمتلاكنا العديد من الأدلة والوثائق والتساؤلات التي تطال مجمل العملية الإنتخابية وخروقاتها الواضحة، ولكن ذلك لم يمنعنا من :

-التمسك بالخيار الديمقراطي.

-والإيمان بالتداول السلمي للسلطة.

-ووجوب الركون الى الآليات السلمية والطرق القانونية في الإعتراض.

-وكذلك  إحترام خيار الناخبين والمشاركين في العملية الإنتخابية.

-ان تغيير أعضاء المفوضية والقانون الإنتخابي لم تؤديا الى مشاركة أوسع للناخبين مما جعلنا أمام أقلية مشاركة، أفضت الى أقلية فائزة، وشكل غير الفائزين أكثرية أخرى تنضم الى قائمة الممتنعين عن أصل المشاركة .

وهذه النتيجة ستجعلنا أمام أقلية حاكمة قلقة ذاتيا ومقلقة للأكثرية .

- إن الإنتخابات لم تنتج توازنات سياسية واضحة من حيث أكثرية عددية حاسمة او كتل متقاربة ومتجانسة تشكل أغلبية مريحة ومتفاهمة على منهاج حكومي متين للسنين الأربعة القادمة .

- نرى لزاما في هذه المرحلة ، صناعة حلول و تفاهمات حقيقية على ٣ أصعدة  :

ـ الصعيد الأول: إيجاد صيغة تفاهم وتعاون للخروج من الإنسداد السياسي الحاصل لغرض تشكيل حكومة قوية ومستقرة وقادرة على إدارة مسؤولياتها بشكل صحيح .

ـ الصعيد الثاني: معالجة تبعات العملية الإنتخابية الحالية، بمراجعة جادة للقانون الإنتخابي والمفوضية وإجراءاتها .

ـ الصعيد الثالث: إعادة الثقة بين الجمهور ونظامه الديمقراطي ومؤسسات الدولة والقوى السياسية.

-من هنا ندعو الى مبادرة وطنية سياسية وموسعة تجمع جميع القوى الفائزة ( على مستوى المقاعد او الأصوات ) وعلى مستوى ( المتقبل للنتائج أو المعترض عليها ) وعلى مستوى ( القوى الكبيرة او القوى الناشئة الشبابية والمستقلة )، لوضع صيغة تفاهم تفضي الى إعادة التوازن للعملية السياسية من خلال إتفاق وطني جامع، متبنى من قبل الجميع، بآليات ونقاط وتوقيتات واضحة وعملية .

-لا شك أن مثل هذا الإتفاق بحاجة الى وعي وتضحية من جميع الأطراف، دون الإضرار بحقوق الفائزين ولا القفز على مطاليب المعترضين، للمضي قدما والخروج من عنق الزجاجة، متجاوزين الشد والتوتر وإلاختناق السياسي الحاصل .

-كما نوصي ونحذر من عدة أمور هامة بهذا الصدد :

أولاً: ضرورة إلتزام كافة الأطراف بالآليات القانونية والسلمية في الإعتراض والتفاوض.

ثانياً: إعتبار الدم العراقي خطاً أحمرا لا يجوز تجاوزه من قبل الجميع.

ثالثاً: الإلتزام بالحوار الوطني المستقل بعيدا عن التدخلات الخارجية بكافة أنواعها وأطرافها.

رابعاً: ضرورة معالجة جميع المقدمات والمخرجات الإنتخابية في أي إتفاق قادم .

خامسا : وضع آليات واضحة لحل الخلافات أثناء وبعد تشكيل الحكومة .

سادساً: رفع الفيتوهات المسبقة وعقلنة سقوف التفاوض من قبل جميع الأطراف.

سابعاً: إبداء أعلى درجات المرونة والإحتواء والتطمين لكافة الأطراف المشاركة في التفاوض.

ثامناً: إحترام خيارات الأطراف التي ترغب بالمشاركة او المعارضة او الممانعة حكوميا او برلمانيا .

تاسعاً: تقسيم الأدوار بين الحكومة والبرلمان القادم من حيث تمكين الفائزين في الحكومة كما المعارضين والممتنعين في البرلمان لإيجاد حالة من التوازن السياسي.

عاشراً: إن يتم التصويت على ورقة الإتفاق الوطني كقرار برلماني في اولى جلساته الرسمية.

ختاماً أجدد أمنياتنا بنجاح هذا المؤتمر وتحياتنا الوافرة لأهلنا في إقليم كردستان عموماً ومحافظة دهوك المضيافة على وجه الخصوص .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته