وجدت الحكومات العراقية الجديدة نفسها وجها لوجه امام تحد فرضه الواقع العمراني والخدمي المتردي ، يتمثل بلزوم احداث قفزات نوعية وكمية على هذين الصعيدين ، في وقت لم يكن سهلا فيه النهوض باعباء هذا التحدي في ظل استهداف المجاميع الارهابية المدعومة من قبل جهات خارجية والمحتضنة من قبل بعض الجهات الداخلية الطامحة في تحطيم بنية التجربة العراقية الجديدة من خلال زعزعة الامن والاستقرار العراقيين للحيلولة دون تمكن المؤسسات المعنية بالبناء والخدمات من اداء ما عليها من مهام ، ما دعى هذه الحكومات الى جدولة الاولويات فاحتل الملف الامني مركز الصدارة في قائمة الاولويات هذه ، وفعلا خاضت الحكومة صراعها مع الارهاب حتى تمكنت من الحاق الهزائم به وتغيرت الظروف بالمقدار الذي يمكن معه الشروع ببعض المشاريع ذات الطابع الاستراتيجي وبخاصة في المناطق والمحافظات التي لم تشهد تواجدا ارهابيا تكفيريا مكثفا  ، وقدمت لذلك بأن رصدت ميزانيات انفجارية لم يشهدها تأريخ العراق من قبل اذ بلغت ميزانية العام 2007 اكثر من (43) مليار دولار فيما بلغت ميزانية العام 2008 اكثر من (48) مليار دولار ، لكن المؤسف عودة الكثير من الاموال التي خصصت لتنمية الاقاليم والمحافظات نتيجة لعدم قدرة المحافظات على تنفيذ الكثير من المشاريع المرحلية والاستراتيجية بسبب رزوحها تحت هيمنة (فكرة) المركز التي تفرز بطبيعتها قيوداً تؤدي بالنتيجة الى تقليص مساحة الحركة للمسؤولين والكوادر في المحافظات والاقاليم وبالتالي الحؤول دون اعطاء فرصة التخطيط والتنفيذ لابناء المحافظات الذين هم بالتاكيد ادرى بأحتياجاتهم واقدر على تشخيص مصالحهم وهم على هذا اكثر اهلية من غيرهم للتنفيذ ، خاصة و ان هناك الكثير من المشاريع التي يتوجب الشروع بتنفيذها في المجالات العمرانية او الخدمية او الصحية او الصناعية او التجارية او الثقافية و الفنية و هكذا الامر في اي من النواحي التي على الدولة التصدي لها وتلبيتها .وهنا سيمثل امام العيان الحل الذي قدمه الدستور العراقي في اقرار ان العراق بلد اتحادي فدرالي ، والواقع ان هذا الاقرار لم يأت عن فراغ اوعن غير سابق دراسة بل هو نتاج مناقشات وبحوث معمقة بين الفصائل السياسية العراقية الرئيسية ليرسم الاطر العامة للعلاقة بين المركز والاطراف من جهة وليضمن توفير المساحة الواسعة والمناخات الملائمة لحركة منتجة لابناء المحافظات والاقاليم العراقية بما ينسجم مع تطلعاتهم في البناء والاعمار وتلبية جميع احتياجاتهم وبما يتفق مع الاسس والمباديء الديمقراطية من جهة ثانية ، وهو في الواقع يمثل حلا صحيحا خاصة مع ظهور العجز في التنفيذ الناشئ عن القيود البيروقراطية التي ترهن التخطيط والتنفيذ بارادة وموافقة المركز .