إبراهيم الغالبي

 هكذا فهمت إحدى الأمهات العراقيات اللواتي فجعهن النظام المقبور بسلب حياة فلذات أكبادهن ، فالحكومة العراقية أقدمت في خطوة أثارت الاستغراب على إقراض اليابان مبلغا يقدر بعشرة ملايين دولار لتجاوز آثار كارثة تسونامي، ولأن هذه الأم الثكلى حالها كحال الكثير من أمهات و ذوي الشهداء الذين لم ينالوا بعد التعويضات الموعودة عن قطع الأراضي أو ما يعرف بالبدل، و بعد سماعها أن الحكومة تقرض اليابان 10 ملايين دولار في حين قال لها أحد موظفي مؤسسة الشهداء ألا مبالغ لدى الحكومة لتعويضهم، فلم يكن منها إلا أن قالت بسخرية وعفوية جنوبية تعليقا على الخير: يعني الحكومة أتعوض شهداء اليابان.. وأحنه وين نروح؟
إنها كوميديا الأسى العراقية والجنون الذي لا يعرف معه المرء كيف يفهم ما يحصل حوله في بلد لا شيء فيه سوى الخراب والمال المهدور. الغريب في شأن هذا القرض انه لليابان التي أقرضت العراق 87 مليار ين ياباني صادق عليها البرلمان العراقي مؤخرا. و هذه العشرة ملايين تم صرفها من ميزانية الطوارئ المخصصة كما يتضح من أسمها لتجاوز الملمّات الطارئة التي تحدث في العراق وليس في بقاع أخرى من دول العالم، مع التشكيك بصلاحية قانونية للحكومة في التصرف بها على هذا النحو الغريب.
إنها سياسة لا نعرف كيف يمكن وصفها فمن قرض للصومال إلى 450 مليون دولار لأجل قمة عربية لم تعقد إلى إقراض أحد عمالقة الاقتصاد في العالم ..! في حين يعاني المواطن العراقي من تردي الخدمات والبطالة و مظاهر المدن الخربة وأحياء الصفيح و ..الخ، وهناك شرائح عديدة لم تظفر بأي من حقوقها التي انتهكها النظام البائد كأسر الشهداء و المتضررين من النظام السابق والمعاقين و ضحايا الإرهاب الذين يعوضون بمبالغ تافهة و القائمة تطول.
قد يقال أن مصالح العراق مع اليابان وعلاقاته الدولية والعربية تبرر صرف مثل هذه المبالغ، و نقول نعم إنها مبررة، فالدول في عالم اليوم القائم على العلاقات والمصالح المتبادلة تعمد إلى صرف المليارات من وحي التخطيط لضمان تلك المصالح مع دول أخرى حليفة أو على علاقة جيدة معها، و بعض الدول التي تتمتع باقتصاديات قوية و يعيش مواطنوها حياة باذخة تصرف المليارات أيضا على شكل مساعدات أو قروض ميسرة بفوائد و لمدد زمنية تستغرق عشرات السنين. نؤكد أنها مبررة ولكن في ظروف غير هذه الظروف التي يعيشها العراق حاليا، فلم نسمع أن دولة بحالة رثة عاجزة عن توفير أبسط الخدمات للمواطن و لا تملك بنية تحتية للكثير من مرافقها المؤسساتية تقوم بنواحي صرف كهذه.. إذ أن هذه التصرفات تعتبر بمثابة هدر قياسا للظروف التي تعيشها و المعاناة الاقتصادية التي تعاني منها. و لا أعتقد أن ثمة شعبا يتفوق على معاناة الشعب العراقي اليوم. 
كان من الأجدى و الأجدر بحكومتنا أن تخصص هذه الأموال لأسر الشهداء و المتضررين من النظام السابق الذين يعتبر تجاهلهم فضيحة مدوية بحق العراق الجديد.. فهل هناك فضيحة اكبر من التنكر لتضحيات هؤلاء المنكوبين الذين يذهبون في كل شهر إلى مؤسسة أو دائرة حكومية للاستفسار عن حقوقهم ولا يعودون إلا بخيبة أمل جديدة يضعونها في قلبوهم المثقوبة بالجزع و اليأس و الحرمان؟