كوثر رحاب

ماذا تملك الأوطان من ضمان لبناء مستقبلها غير جيلها القادم أي جيل الشباب الذين يمثلون الذخيرة الحية لبناء الأمة و البلاد و النهوض بها في الميادين كافة. فإذا كانت مصادر قوة الدول تتمثل بمواردها الاقتصادية و قدراتها العسكرية و علاقاتها الدبلوماسية مع باقي الدول فهناك مصدر آخر للقوة وهو الطاقات والكفاءات وهذه لا تولد جاهزة و لا تخرج بشكل مفاجئ، بل تبنى و تصقل و تتدرب لتنتج و تبدع وتعطي، والمادة الأساس لهذه القوة هي شريحة الشباب، من هنا تأتي ضرورة الاهتمام و الرعاية التي توفرها الحكومات والأنظمة في عالم اليوم لهذه الشريحة الواسعة ولا ننسى أن العراق كغيره من الدول العربية والشرق أوسطية يتوفر على نسبة عالية جدا من الفئات الشبابية بالمقارنة مع الدول الأخرى في أوروبا و أمريكا بحسب الإحصائيات التي قامت بها بعض المنظمات والهيئات الدولية.
اهتم المجلس الأعلى وقياداته بقضية الشباب طوال مسيرته المكللة بالكثير من الانجازات الوطنية الناصعة، واليوم إذ ينتهي المجلس الأعلى إلى قيادة شابة نشطة متمثلة بالسيد عمار الحكيم فإن قضية الاهتمام بالشباب تأخذ أبعادا إضافية متناغمة مع قدرة على فهم أكثر عمقا لهموم الشباب وأرهف إحساسا بما يعتمل في نفوسهم ورغباتهم وأحلامهم.

 الاهتمام بالشباب.. علامة مميزة
هو تاريخ بقدر ما هو واقع عملي وحراك اجتماعي قام به المجلس الأعلى منذ أن كان العنوان الأبرز في معارضة النظام وحتى اليوم، ذلك هو الاهتمام المنقطع النظير والتركيز الكبير على شريحة الشباب، وقد عرف عن شهيد المحراب اهتمامه ورعايته للشباب العراقي المؤمن و كثيرا ما كان يشيد بطاقاتهم ويحث على تنمية الوعي الرسالي لديهم خدمة لوطنهم و شعبهم وقضيتهم الإسلامية. وقد كان من ثمار عمله الجهادي أن وجه دعوته للشباب العراقي قبل إنشاء المجلس الأعلى لمقاومة نظام الطاغية المقبور فانخرط الكثيرون في التعبئة الإسلامية، و لم يختلف الأمر بعد رحيله المؤلم و تولي عزيز العراق قيادة المجلس، فقد كانت درجة الاهتمام بنفس المستوى في كل توجيهاته الاجتماعية والسياسية لا تكاد تغفل قضايا الشباب وهمومهم و ضرورة رعايتهم وصب الجهود للنهوض بالمرافق والمؤسسات التي تعنى بشؤونهم.

 القيادة الشابة والشباب
القيادة الشابة في السياسة كانت ولا تزال ظاهرة تجذب النظر، ليس على مستوى العراق بل في كل دول العالم. فمن المعتاد النظر إلى السياسي أنه ذلك الرجل ذو الخبرة والتجربة والتاريخ الطويل في العمل السياسي. و حين تثبت قيادة شابة ذاتها في الميدان السياسي فهي تلفت النظر بحق، لأن النهوض بالعبء السياسي و حراكه و سائر ما يرتبط به من مسؤوليات بحاجة إلى همة عالية و مراس و إرادة. ولئن كان المكون الجوهري لشخصية السياسي هي قدراته الذاتية زائدا تجربته وعمق هذه التجربة، فإن تحقيق النجاح والحضور المميز ليس رهنا بحدّيها وطرفيها بشكل لازم ومطلق. فجميعنا يعلم أن الكثير من الشخصيات السياسية ذات الباع الطويل والتاريخ العريض قد لا تثبت جدارتها في العمل السياسي بفعل عجز ذاتي و نقص في بعض الميزات التي تؤهلها لكي تكون جديرة بتحقيق النجاح، سد هذا القصور الذاتي غالبا ما لا يمكن تحقيقه على عكس المقوم الآخر المتمثل بالتجربة التي يمكن أن تكون من الأمور المكتسبة بشكل مستمر أثناء العمل وتأدية المسوؤليات، ولا ننسى أن التجربة نفسها كمقوم تعتبر شيئا نسبيا. والسيد عمار الحكيم واحد من القيادات السياسية التي أثبتت حضورها منذ اللحظة التي دخلت فيها ساحة السياسة. وهنا تتجلى الطاقة الشابة كحركة و فاعلية و حضور مؤثر، و مثل هذه الطاقة الشبابية بطبيعة الحال ستكون منجذبة تلقائيا إلى الشباب متحسسة أكثر من غيرها لهمومهم وقضاياهم. وهذا ما يثبت يوميا عبر الاهتمام والتركيز المتواصل للسيد عمار الحكيم على قضايا الشباب.
ونرغب هنا بالإشارة إلى بعض النقاط ذات الأهمية وردت في كلمات السيد عمار في مناسبات مختلفة:

 مشكلة وطن
لا يخفى وكما تمت الإشارة سابقا إلى أن بناء الأوطان لا يتم إلا عبر استثمار الطاقات الشابة. وقد شخص السيد عمار هذه المشكلة في لقاء سابق أثناء زيارته لجامعة المثنى قبل أكثر شهرين بالقول إن المشكلة التي يواجهها العراق اليوم هي عدم استثماره للطاقات الشبابية. وهذا ما يلمسه الجميع لا سيما الشباب الذين يشعرون بأنهم يعيشون نوعا من التهميش لطاقاتهم وقابلياتهم. وأما بالنسبة للحل فقد أشار السيد عمار إلى انه يكمن في توزيع جميع الحقوق والأدوار بصورة متساوية. إن مفردة توزيع الأدوار كثيرا ما تطالعنا في خطاب سماحة السيد الحكيم وبشكل خاص في حديثه عن الشراكة الوطنية الحقيقية، و هنا يتضح لنا جانب مهم من جوانب مفهوم الشراكة التي تأخذ مديات أبعد في فكر السيد عمار و رؤيته من أن تنحصر بجانب الشراكة على مستوى حصص المناصب الحكومية. بل تتعداه إلى الاستحقاق الأمثل للجميع أدوارا و فاعلية و قرارا، فلا تقتصر على الجوانب السياسية فحسب، وإن اقتصرت مبدئيا عليها فمن الواجب أن تمتد بفعل الممارسة الصحيحة ومنهج السياسات السليم إلى القطاعات والشرائح والنخب المهمة وذات الفاعلية في المجتمع ليصبح الجميع ذا تأثير في القرار والسلطة وهو غاية مثلى للنظام الديمقراطي. إن من المشاكل في العراق اليوم هو غياب و حتى تغييب الدور الشبابي الذي يجب تفعيله للنهوض بالبلاد و الارتقاء بها.  

الثقة بالطاقات الشابة
إن فاعلية الدور و التعويل على العنصر الشبابي في بناء العراق الجديد لا يأتي من فراغ، فإعطاء الشباب أهمية في رسم مستقبل البلاد يعني تمتعهم بقدرات وطاقات خلاقة واعدة تستطيع قلب المعادلات و السير بالتجربة العراقية إلى مرساها الآمن. و هذا يعني بديهيا أنه لا بد من الثقة بطاقات الشباب العراقي، لهذا نرى السيد عمار الحكيم يعرب عن مثل هذه الثقة التي تعتبر ركيزة أساسية في بناء طموحاتنا على الشباب اليوم، حيث قال سماحته في إحدى المناسبات إن لدينا ثقةِ عميقة بأنَّ عزيمةَ الشبابِ الواعي يمكنها ِتقليص الفجوة ِوتجاوز أخطاءِ الماضي للسيرِ بالبلاد قدماً نحوَ مستقبلٍ واعدٍ ومشرق. وهنا لا يرى السيد الحكيم قدرة الشباب على استكمال التجربة والمضي في شوط بناء بلدهم فحسب بل وتصحيح الأخطاء التي ألمت بهذه التجربة. وما دمنا نتحدث عن مفردة الثقة فلا بد من التأكيد أنها تتسم بمسارين مترابطين، الثقة بقدرة الشباب، و ثقة الشباب بقدراتهم، وهذه الأخيرة لا تتأتى إلا من خلال إعراب المسؤولين و تشجعيهم و تنمية روح الأمل والتفاؤل في نفوسهم. و منحهم حقهم و تسجيل مواقفهم التاريخية المشهودة وعدم تجاهلها.  

الدور التاريخي للشباب العراقي
وبالفعل فقد كان للشباب العراقي الواعي جرأته و دوره في مواجهة النظام الدكتاتوري المقبور، وبذل التضحيات الجسيمة في سبيل نيل الحرية التي نالها العراقيون اليوم. فكم من الشباب الواعي لقضية بلاده و عقيدته دفع روحه ثمنا لها، وكم منهم عانى من عذابات الاعتقال والمطاردة، ولهذا يشير سماحة السيد الحكيم على الدور الشبابي قائلا إن الشباب العراقي تصدر طليعة الشباب العربي في التصدي ومقارعة الظلم والدكتاتورية والوقوف بكل شجاعة بوجهها.
ولئن كان هذا مما يحسب لشباب العراق ماضيا كموقف تاريخي و وطني ناصع، فإنه لا يعدم القدرة على الاستمرار في تأدية هذا الدور المناط به، فيؤكد سماحة السيد الحكيم و من خلال خطابه لطلبة جامعة ميسان خلال زيارته للمحافظة بتاريخ 12/5/2011 أن الشباب قادرون على تحقيق الطفرة النوعية والتطورات، و الأحداث التي تشهدها المنطقة إنما بفعل لغة الخطاب للشباب الواعي. 

آمال معلقة
وانطلاقا من كل هذه الأهمية للشريحة الشبابية العراقية فإن المجلس الأعلى كان ولا يزال يدعو إلى ضرورة الاهتمام المتزايد و اللائق بهم، فشبابنا لا زال يعاني من مشكلات كبيرة و على الحكومة وضع خططها الفورية لمعالجة تلك المشكلات بجدية أكبر و بعقلية تدرك أن جزءا من التخطيط لبناء و تنمية البلاد لن يتم بمعزل عن حل مشكلات و معالجة هموم الشباب الذي يعاني اليوم من البطالة و الفقر و غياب الرعاية من الدولة و التشجيع لمواهبه وطاقاته و غيرها الكثير.. لتبقى الآمال معلقة على أن تحين لحظة إيجاد الحلول الكفيلة بإعطاء الشباب العراقي فرصة ممارسة أدواره الطبيعية التي يجدر النهوض بها و احتلال ما يستحقه من مكانة في بناء بلده.