سعد عطية

 إذا كانت الدبلوماسية تُعرَّف بأنها فن إدارة العلاقات الخارجية للدول أو هي فن التمثيل والتفاوض، وأن عالم اليوم يميل أكثر من أي وقت مضى إلى استبدال الدبلوماسية بأساليب القوة التقليدية لحل النزاعات والصراعات التي يمكن أن تحدث بين الدول والأنظمة السياسية فإن هذا كله يعني أن الدبلوماسية تمثل ركيزة من ركائز القوة و يدل ضعفها على ضعف الأنظمة والحكومات وعجزها عن ضمان مصالح شعوبها.
و لهذا أيضا فلم تعد الدبلوماسية تعني ذلك النمط القديم المتمثل بشخصية سفير و بالبعثة الدبلوماسية التي توجد على أراضي الدول الأجنبية. بل بكونها أداة و وسيلة من الوسائل الفعالة في ضمان المصالح والدفاع عنها و تنبئ بقوة النظام السياسي القائم الذي تمثله، حتى أن هيبة الدبلوماسية للدول في عالم اليوم توازي هيبة القوة العسكرية.
وفي العراق ثمة مؤشرات تطرح على الأداء الدبلوماسي وفاعليته خلال السنوات الماضية، فلا شك أن هذه الدبلوماسية تعاني من مظاهر الضعف و الفوضى وارتباك الأداء، وهو أمر بات يقرأ على أنه انعكاس للواقع السياسي الداخلي وتجاذباته، وغياب الذهنية الكفوءة في التخطيط والتطبيق أكثر من كونه عجزا ذاتيا لها.
لهذا يمثل هذا الضعف تحديا واضحا للحكومة العراقية في ظرف تحاصر العراق ملفات وقضايا إشكالية مع أكثر من دولة من دول الجوار. الأمر الذي يستدعي المزيد من الجهود التي يجب بذلها لمعالجة نواحي الخلل و وضع الخطط والمعالجات المناسبة للخطورة الشديدة التي يمثلها واقع الضعف الدبلوماسي الذي يلقي بتبعاته القاسية على علاقات العراق السياسية مع الخارج وإدارة تلك العلاقات بالطريقة الأمثل والأصوب لضمان مصالحه الوطنية وحقوقه الطبيعية.
إن هذه المشكلة ذات أبعاد مختلفة تتعلق بالوضع السياسي الداخلي و غياب الثقة بين الأطراف السياسية الأمر الذي يجعل الخطاب العراقي متشرذما و متناقضا ما يترك الدبلوماسية العراقية تظهر بمظهر الضعف والخور. وهذه الجدلية في العلاقة بين الصعيدين السياسي داخليا والدبلوماسي خارجيا تتطلب وقفة ومراجعة سريعة و مركزة، ويبدو أن الخطوة الأولى في مسار تقوية الدبلوماسية العراقية ينطلق من احتواء التناقضات الداخلية و تثبيت الاستقرار السياسي والابتعاد عن خيارات المواجهة والتصعيد، والارتكان إلى مبدأ بناء الثقة بين جميع المكونات السياسية في البلاد، بشكل يوحد الخطاب السياسي و يناغمه مع المزاج الشعبي ليخلق دافعا قويا للعمل الدبلوماسي و تجاوز منغصاته المعروفة.
فأي نظام و حكومة إنما تقاس قوتها بمقدار انسجام مكوناتها الداخلية و توافق عناصرها الدبلوماسية لرسم إستراتيجيات سياساتها ضمن إطار علاقاتها الخارجية مع مختلف الدول والحكومات، ولا يمكن بحال من الأحوال تغليب رأي جهة من الجهات السياسية فيما لو امتلكت الجهات الأخرى رؤى وتصورات مخالفة بل يجدر العمل على صهرها في بوتقة واحدة خادمة للمصالح الوطنية ومتسامية على المصالح الأضيق. في حال غياب ذلك كجزء أساسي من معالجة مشكلة الضعف الدبلوماسي العراقي فلا يُعتقَد أنه بالمقدور امتلاك ثقل وتأثير دبلوماسي في سياق تلك العلاقات و ستكون النتائج فادحة لأنها ستنتهي بالتفريط والتضييع لحقوق البلاد و إتاحة المجال للغة التصعيد غير المجدية و ترسيخ مشاعر العداء وعدم الانسجام خاصة في المنظومة الإقليمية.