ابراهيم الغالبي 

 ليس من غنى في سياق العمل الإنساني وتطور صعده على مستوياته الاجتماعية والسياسية من حصاد التجارب الإنسانية الوافر. وبقدر ما لا تنفك هذه التجارب عن المسار التاريخي وبنيته الفاعلة فهي كذلك تعمل في تأسيس بنية الحاضر والمستقبل. ومن بين ما أفرزته التجارب السياسية للبلدان التي نهضت في مضمار التطور والاستقرار هو أنها قامت على أساس من لحظات تاريخية فاصلة كانت فيها بأمس الحاجة إلى تجاوز الخلاف السياسي ومأزق تضارب المصالح للطبقة السياسية عبر الحفاظ على الالتزامات والاتفاقيات و المواثيق التي أوجدت قاعدة من الثقة المتبادلة أمكن من خلالها حل الكثير من المشاكل، حتى غدت تلك الالتزامات و الاتفاقات بمثابة أعراف سائدة ومرجعيات دستورية وليس ثمة مثال نسوقه هنا كما في التجربة السياسية العريقة للمملكة المتحدة على سبيل المثال التي لا تملك دستورا مكتوبا بل جملة من النقاط المرجعية الأساسية التي حرصت أطراف اللعبة على أهمية الالتزام والخضوع لها فتعززت الثقة بين الأحزاب و الشخصيات السياسية و انعكس ذلك على رسوخ الثقة الشعبية بالسياسة والسياسيين والقدرة على إدارة وبناء دولة مدنية حديثة تعتبر نموذجا رائدا في العالم. 
وفي العراق اليوم يتطلع الجميع لمثل هذه الريادة العراقية في المنطقة العربية، وهو أمر لا يتم عبر الأحلام والتمنيات ما لم يرافق ذلك عمل حقيقي وصادق يجعل من أهدافه الجوهرية تجاوز اختناقات المرحلة القائمة عن طريق تعزيز الثقة بين الأطراف المختلفة والالتزام بالاتفاقات المبرمة فيما بينها. و لا يخفى أن الحكومة العراقية الحالية تشكلت بمقتضى توافق و اتفاق سياسي بين الجميع مبني على تعهدات تلك الأطراف لبعضها البعض، وفق مبدأ الشراكة الوطنية. وهو الاتفاق الذي وضع حدا لمأزق ما بعد الانتخابات واستغرق الكثير من الوقت والجهود المضنية، و نُظِر إليه كونه حلا مثاليا مقابل الانسياق في منحدرات الصراع السياسي واستمرار حالة الشلل التي يدفع المواطن العادي كلفتها الباهظة. حتى أن البعض ذهب إلى أبعد من ذلك بالقول، إنه أنقذ البلاد من عواقب خطيرة للغاية كانت تتهدد الأمن والسلم و إمكانية عودة ما يريد العراقيون وضعه خلف ظهورهم. و انطلاقا من هذه الأهمية البالغة لما جرى ووعيا بخطورة عودة الأمور إلى نقطة الصفر دعا سماحة السيد عمار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي في ملتقاه الأسبوعي إلى أهمية مضاعفة الجهود من  جميع القوى السياسية المؤثرة للالتزام بالاتفاقات التي اتفقت عليها مختلف الأطراف السياسية في ظروف ومبادرات سابقة أفضت إلى تشكيل هذه الحكومة حكومة الشراكة الوطنية.
و بلا شك فإن صعوبة الاتفاق توازيها صعوبة الحفاظ على استمراره و تنفيذه، فالاتفاقات بمثابة الجانب النظري الذي يبقى دون جدوى و بلا معنى من غير تطبيقه على أرض الواقع العملي. و اتفاق الشراكة لم يكن ليهدف إلى مجرد بناء و تشكيل حكومة وحسب، بل يفترض أن أهدافه النهائية تتماهى في تلك الأهداف والأسباب الداعية لأهمية تشكيل نظام يدير الدولة ومؤسساتها، بمعنى تحقيق تقدم على مسار العملية السياسية و تحقيق خطوات ناجحة باتجاه تقدم البلاد و تقديم الخدمة للمواطن وإحداث تطور ملموس في واقعه اليومي، و لهذا يشير سماحة السيد عمار إلى أن مثل هذا التطور والتقدم في العراق لا يمكن أن نلمسه ونحققه إلا من خلال فريق العمل الواحد و تضافر الجهود وتشابك الأيدي بين مختلف القيادات السياسية في هذا البلد والترفع عن المصالح الخاصة و المطالبات من هنا وهناك وجعل خدمة المواطن هي الهدف الأساس الذي نتوحد عليه جميعا، وبذلك يمكن أن نتجاوز هذه المرحلة ونحقق المزيد من التقدم والازدهار للعراق. فمن الواضح إذاً أنه من دون الالتزام بالاتفاقات السياسية يصعب بناء ثقة بين الأطراف و بالتالي فقدان القدرة على العمل الجماعي و ظهور نزعات متباينة لها دورها السلبي في إعاقة إحداث أي تطور وتقدم ملموس على الساحة العراقية، بل لن تنتج سوى المراوحة و الانتكاس إلى الوراء لا سامح الله.