بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

السلام عليكم ايها السادة والسيدات الحضور ورحمة الله وبركاته.
نجتمع اليوم هنا في مثل هذا اليوم في الذكرى السنوية الثالثة والثلاثون لشهادة المرجع الكبير الشهيد السيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه.
وهي ذكرى تتجدد معها في كل عام مشاعر الحزن على فقدان هذا الرمز الانساني الكبير ، وتتجدد ايضا الرؤى فيما قّدمه خلال حياته الشريفة من عطاءات كبيرة من خلال فكره وقلمه ونتاجه المعرفي ، أو من خلال سلوكه وأخلاقه العملية التي باتت معروفة لدى الجميع.
والبحث في حياة شهيدنا العظيم واسع ومتعدد الجوانب بدون شك ، لكننا هُنا نحاول التركيز على جانبين من سيرته العملية نرى أنهما على غاية كبيرة من الاهمية ، وهما رؤيته من خلال سيرته العملية لبناء الانسان المسلم ، والجانب الثاني رؤيته لدور الشهادة وأثرها في بناء الامّة واخراجها من حالة الصمت والخنوع الى حالة الثورة.
على الصعيد الاول نستخلص من سيرته إيمانه بضرورة التسلّح بالوعي على كل الاصعدة من أجل بناء انسان مسلم قادر على مواكبة العصر ومتغيراته وتقلباته ومتطلباته، وهو وعي يمتّد من فهم الرسالة الاسلامية وتاريخ الرسالة وسيرة الرسول والائمة المعصومين عليهم السلام .الى فهم حركة التاريخ وسير الحضارات والأُمم والشعوب الى فهم الواقع الحاكم في عالم اليوم.
لقد جسد رضوان الله تعالى عليه بسيرته العملية هذا الوعي في بواكير حياته واستمر على هذا المنهج حتى اخر لحظة من حياته الشريفة ، فقد كان على الدوام دائم البحث عن الحقيقة ، يتحّرى الوصول اليها ليبني عليها مواقفه الاجتماعية والسياسية اللاحقة.
وقد كانت كتبه المتعددة العناوين والاغراض تسير لتصبّ في هذا المسعى ، مسعى بناء الوعي في المجتمعات المسلمة ، بعد أن لمس الفراغ الكبير على هذا الصعيد ، فقد كان تأليف كتاب فلسفتنا واقتصادنا والاسس المنطقية للاستقراء وغيرها من الكتب الاخرى بدواعي تلبية احتياجات الامّة وملأ الفراغ الفكري والثقافي الذي كانت تعاني منه أجيال الشباب المسلم في ذلك الحين ، ولم تكن كتاباته من باب الترف الفكري ، ولذلك نجد أن هذه الكتب وجدت صداها الكبير في حينها لانها بحق مثلت في وقتها الجواب الكبير والواضح على الكثير من الاسئلة الفكرية والعقائدية خلال حقبة الستينات من القرن الماضي.
ومن باب نقل الآراء عن كتاب فلسفتنا مثلا نذكر ما قاله الدكتور اكرم زعيتر المفكر اللبناني المعروف حيث قال متحدثا عن الكتاب بعد صدوره : ( هذا كتاب قرأته في تأمل ، بل درسته دراسةً في كدحِ ذهنٍ وجهد فكر..وتساءلت حين شرعت قرائته بل دراسته عن مؤلفه  من ( محمد باقر الصدر) ، ؟ وعلى من يعود ضمير الجمع المتكلم في ( فلسفتنا) ، وانتهيت من الكتاب الى اليقين بأن السيد محمد باقر الصدر علاّمة مدركة غزير الاطّلاع ، يجيد الكرّ على الخصم ويحسن الدفاع، وقد حملني كتابه على أن أصفّه في صفّ الفلاسفة والإسلاميين وفي أئمة المتكلمين، وعلى الإعتقاد أنه بوفرة علمه وقوة حجته ينزل المنزل التي تجيز له أن يجعل عنوان كتابه ( فلسفتنا).
كما نستخلص من سيرته ايضاً إيمانه بتنظيم الجهود والطاقات وضرورة الانفتاح على الامة وتنظيمها والاستفادة من طاقاتها المتعددة والكبيرة  وتجنب الانزواء بعيدا عنها عبر العناوين المختلفة ، وأن تنظيم الجهود والطاقات يساهم بدرجة كبيرة في ترسيخ مفاهيم العمل الجماعي والتعاون على البّر والتقوى وتحمل المسؤليات الاجتماعية التي يتحملها كل إنسان يحمل هموم الاسلام والمسلمين.
لقد كان رضوان الله عليها في أواخر أيام حياته يعبّر عن رغبته في الاستفادة من كل طاقات الامة من شرائح الشباب بعد أن رأى اندفاعهم وتضحياتهم في الدفاع عنه واعلان البيعة والتأييد له وهو في اقامته الاجبارية في منزله بالنجف الأشرف.ايماناً منه بأن الانفتاح على تلك الطاقات وتنظيمها يمثل ركناً مهما من أركان انجاح المشروع التغييري في العراق خلال تلك الحقبة العصيبة.
ونجد أن حركة توزيع وكلائه بعد تصدّيه للمرجعية الدينية ، على مستوى اختيار المناطق وطبيعة الوكلاء ، نجدها حركة نوعية، فقد كان من بين المعايير في الاختيار ان يكون الوكيل مناسبا لطبيعة المنطقة التي يتم ارساله اليها، ووجدنا ان العنصر الشبابي كان متوفرا في اغلب اولئك الوكلاء .
ونستخلص أيضاً ، أن الشهيد الصدر رضوان الله عليه كان يرّكز دائماً على ضرورة الذوبان في هموم الاسلام ، فتلك هي مهمة الرساليين من أبناء الاسلام ، وقد عاش هو نفسه تلك الهموم وعاش المعاناة من أجلها ن وقدم المثل في التضحية من أجل ذلك ، لقد كان وقته كله رضوان الله عليه سعي وتفكير متواصل من أجل المشروع التغييري الذي آمن به منذ بداية حياته ووقفها من أجله.
وقد نقل الكثيرون من مقربيه أنه كان يتمنى لو تمتد ساعات اليوم اكثر مما هو معرف من أجل ان يجد الوقت الكافي للعمل من أجل الاسلام ، وقد زرع من خلال سيرته العملية في مقربيه ومحبيه هذا اللون من الشعور ، وهو شعور الانصراف وبجدية الى خدمة الاسلام والذوبان في مشروعه التغييري العظيم.
لقد كان حمل همّ المشروع التغييري يعني عند الشهيد الصدر من الناحية العملية الذوبان في الاسلام والعمل من اجل المباديء العظيمةن دون النظر الى الموقع الشخصي أو المكاسب والمصالح الشخصية ، لقد كان بقاء الكيان الاسلامي قويا قادرا على مواجهة التحديات هو الذي يعنيه بالدرجة الاولى، ولمن تابع حياته الشريفة يدرك كيف تعامل السيد الشهيد من القضايا الكبيرة التي عصفت بالاسلام ايام حكم البعث الصدامي ، وكيف بذل كل طاقاته وجهوده من أجل الدفاع عن الاسلام والمرجعيات الدينية في مواجة تلك الهجملات الشرسة ، حتى صار هو هدفاً لها وضحية مؤامراتها الدنيئة.
والى جانب الكثير من الملامح الأخرى ، فإننا نجد في الملامح المتقدمة صورة رائعة لبناء الانسان المسلم ، فهو أنسان متسلح بالوعي ، مواكب لحركة العصر ومتطلباته ، منفتح غير منغلق ، منظمٌّ ، مؤمن بالعمل الجماعي العام ، ذائب في الاسلام وهمومه ، ويعمل من أجل المشروع التغييري ومستعد للتضحية من أجله ، والى جانب ذلك يتمتع بالاخلاق السامية للعمل الاسلامي ..
هذه الصفات والمميزات هي التي نرى أن السيد الشهيد كان يسعى من الناحية العملية تنميتها في الاوساط الاجتماعية ، في الحوزة العلمية أو الاوساط الاجتماعية الاخرى.
أمّا على صعيد المحور الثاني ، فأننا لا نجد صعوبة كبيرة في اكتشاف أن الشهيد رضوان عليه كان قد وضع نفسه عمليا مشروعا للتضحية في سبيل المشروع العظيم الذي آمن به .
ففي سيرته التي عرفناها أنه كان يعتبر الشهادة طريقاً لاحياء الامة من غفوتها ، وتحرير ارادتها ، وقد وضع نفسه في مواضع الخطر في مواطن كثيرة ، وهي مواضع كادت تعجل بإنهاء حياته في اوقات مبكرة.
فلا ننسى  العمل الكبير الذيي قام به في لبنان في اواخر الستينات دفاعا عن المرجعية الدينية المتمثلة آنذاك بالامام السيد محسن الحكيم ( رض ) ، فقد كان ذلك العمل يُعّد مخاطرة كبيرة على حياته ، في عهد اشتداد المواجهة بين حزب البعث الصدّامي وبين المرجعية الدينية ، لقد قام بذلك الجهد الكبير والمخاطرة الكبيرة وهو يعلم أنه سيعود الى بلده وأن حزب السلطة سوف لن يتركه وشأنه ، ولكنه كان مقتنعاً أن الدفاع عن المرجعية وحفظ كيانها من الاخطار التي باتت تواجهها تستحق أن يدفع حياته ثمناً لها ، وهذا ما عبّر عنه في احدى رسائله الوجدانية التي بعث بها الى الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم يعزّيه بفقدان الامام الحكيم ورحيله الى بارئه عزّ وجل.
ومرّة اخرى يعود السيد الشهيد الى مشروع الاستشهادفيقرر الخروج الى الصحن الحيدري الشريف في ايام حصار الامام الحكيم ( رض) ليعلن من هنا الى الامّة ضرورة النهوض لمواجهة السلطة الغاشمة ، وكان يعتقد أن قيامه بهذا العمل سيدفع بالسلطة الى قتله في الصحن الشريف وأن دمه الطاهر سيكون محرّكا للامة للخروج من الخوف ولتتحرر ارادتها وتنهض مدافعة عن كرامتها..
وبقي السيد الشهيد في طول مراحل حياته اللاحقة التي استمر عقداً من الزمن بعد رحيل الامام الحكيم رضوان الله تعالى عليهما، يرى في نفسه مشروعاً جاهزاً للاستشهاد ، وكان يعمل على هذا الاساس، فتعرض للاعتقال مرات عديدة ، وفي كل مرّة كان يتمنى ـ كما كان يقول لمقربيه ـ أن يستشهد في سبيل الاسلام والمباديء والمشروع التغييري الذي حلم بتحقيقه في العراق..
لقد تعرّض رضوان الله عليه للاغراءات الكبيرة ، كما تعهرض للضغوط الكبيرة والكثيرة ، ولكنها الاغراءات والضغوط لم تغيّر قناعاته الراسخة بضرورة التضحية في سبيل قضية آمن بها ، لذلك استمرّ في منهجه ، ولم يتراجع عنه، وحتى في اعتقاله الاخير الذي انتهى بتحقيق امنيته في الاستشهاد في سبيل الله فكان مطمئناً في رؤيته ونهاية الطريق الذي سيصل اليه فكان ذلك ادعى للثبات والاستمرار على المنهج.
لقد عبّر رضوان الله عليه في الكثير من المواطن على هذه الحقيقة والرؤية وهي ان الشهادة تُحيي الامم ، وان الدماء المسفوكة في سبيل المباديء.
لقد قال لضابط مخابرات القصر الجمهوري في ىخر لقاء به قبل اعدامه : ( يا ابا علي اخبر صدّام أنه في وقت يريد اعدامي فليفعل ) ، وقال في مناسبة أخرى وهو يرفع وجهه الى السماء مناجيا ربه فيقول : ( اللهم أني أسألك بحق محمد وآل محمد أن ترزقني الشهادة وأنت راضٍ عنّي ،اللهم أنت تعلم أني ما فعلتً ذلك طلباً للدنيا ، وإنما أردت به رضاك وخدمة دينك ، اللهم الحقني بالنبيين والائمة والصديقين والشهداء وأرحني من عناء الدنيا ، ) ويقول في مناسبة أخرى : ( إني اتمنى وأرجو ألله ان يرزقني الشهادة ،فإن الدم لم يعُد له شيء ، متى يتورط هؤلاء بقتلي ..) .
إننا اليوم ايها الحضور الأفاضل نقف هنا لتخليد ذكرى هذا الانسان العظيم ، ومن حقّه علينا أن نخلّده ليس بالاقوال والكلمات فقط وهي بحد ذاتها شيء جميل ومطلوب ، ولكن تخليده بالافعال والاعمال هو الذي يحقق حلمه رضوان الله تعالى عليه ، لذلك علينا أن نعمل بكل ما اوتينا من قوة من أجل حمل المشروع التغييري الذي تبناه واستشهد من اجله ..وهو مشروع تغييري في المجتمع ، واليوم فأن فرص هذه العملية التغييرية باتت في ظل الظروف القائمة اسها بكثير مما كانت عليه في تلك السنوات القاسية..
علينا اليوم ان نتوجه الى الامة .ونعرّفها بالاسلام الحقيقي الصحيح الاسلام المنفتح ،اسلام الرحمة والهدي ، إسلام التواصل والتحابب في الله وفي سبيل الله
علينا ايها السادة أن ننبري وينبري مفكرونا وعلماؤنا لتقديم الاجابات على تساؤلات العصر وتحدياته ، لقد سبقنا الشهيد الصدر وأسس للكثير الكثير مما ينبغي اليوم أن نعمل من أجله .
إن الشهيد الصدر يمثل في تاريخنا المعاصر ليس في العراق فحسب وانمّا في التاريخ العالمي قيمة انسانية عظيمة ن وهذه حقيقة يجب أن ندركها لنعرف كيف نتعامل مع هذه الحقيقة ، ومن هذا المنطلق فإني أنظر بعين الاكبار والتجليل لكل جهد يبذل من أجل اكتشاف جوانب العظمة في هذه الشخصية الفذة .
رحم الله الشهيد العظيم وتغمّده برحمته الواسعة ووفقنا للسير على منهجه وهداه .
وسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً ..والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.