بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين ... والصلاة والسلام على سيدنا وامامنا علي بن محمد الهادي الذي نعيش ذكرى استشهاده في هذا اليوم ... اصحاب الفخامة والدولة والسيادة والسعادة ... اصحاب السماحة والفضيلة والنيافة ... السيدات والسادة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... في هذه اللحظات التاريخية المهمة من مسيرة شعبنا ووطننا نحتفي بيوم الشهيد العراقي عبر الاحتفاء بذكرى رجال حفروا اسمائهم في ذاكرة العراق الحية .... واليوم نتلمس الطريق من خلال النهج الذي خطّوه لنا .. هذا النهج الناطق بالحق والمعزز باليقين ... عندما نقف اليوم في ذكرى شهيد المحراب اية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قدس) .. فاننا نستلهم تاريخ العراق الحديث بكل اشكالياته وتحدياته ومحطاته المصيرية ،وتمر امامنا كل الاسماء الكبيرة التي ضحت من اجل العقيدة والامة والوطن ... وقد تميز شهيدنا الخالد بانه كان دائم التطلّع الى الشهادة تواقا لها ومقبلا عليها ، وكأنه كان يدرك ان شهادته تمثل جزء اساسياً ومكملاً لمنهجه الذي سار عليه منذ البداية.. فقدر الرجال العظماء ان تكون نهاياتهم كبيرة كبداياتهم ... لقد تميز شهيدنا الخالد في انه جمع بين الاضداد في عمله وعلاقاته ومنهجية حياته ... حيث استطاع ان يجمع بين الجهاد والعلم ... فنال صفة المجاهدين في وقت تتجسد فيه سمات العلماء العاملين .. حمل السلاح بيد والقلم باليد الاخرى ... فقاتل ودرس والَّف ... وكما قاد اخوته وابنائه المجاهدين في حرب ضروس مع اعتى دكتاتوريات القرن الماضي ، فانه أرشد طلبته في دروب العلم في مختلف صنوف العلوم العقيدية والتفسيرية والتاريخية والفقهية والاجتماعية ... ورغم كل هذه الانشغالات الا انه كان يرعى ومن موقع الاب والاخ والصديق مجتمعاً كاملاً هجره الطغاة خارج حدود الوطن ، فكان يواسي ويعضد ويدعم ويشجع وينصح ويوجه ... لقد كان شهيد المحراب كبيرا في كل شيئ .. حتى في عواطفه الجياشة ... فكان انسانيا بامتياز وعاطفيا بكل معاني العاطفة ... ولكنه في نفس الوقت كان حاسما وشديدا .... وهذه ثنائية اخرى في شخصية شهيدنا الخالد ... حيث الرحمة والعاطفة التي حملها لشعبه واهله وابنائه ورفاقه والحسم والشدة التي واجه بها اعداء الشعب من الطغاة والمستبدين ... فثنائية الرحمة والشدة كانت ثنائية متلازمة في فكر ومنهج شهيد المحراب .. رحمة بلا ضعف وشدة بلا استبداد او فظاظة اوغلظة... لقد ادرك شهيد المحراب ان قضية الشعب العراقي ليست قضية حاكم وحكومة .. وانما هي قضية وطن وشعب وهوية .... فقد عانى العراق منذ لحظة ولادته الاولى كدولة من الازدواجية في تحديد الهوية والتمييز في اختيار الحاكم !!... وشهيدنا الخالد كان يدرك هذه الحقيقة ويضعها في سلم اولوياته وجعل معالجتها من اساسيات منهجه ... ذلك المنهج المتواصل مع منهج ابيه زعيم الامة الامام السيد محسن الحكيم (قده).. هذا المنهج المتأصل بوجدان كل عراقي مخلص ... فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية وانما شعور بالوطنية والعدل وتكافئ الفرص بين ابنائه ، واحتضان مكوناته على اختلاف دياناتهم وقومياتهم وطوائفهم .... فالدين والايمان هي الخصوصية التي يتمسك بها الانسان في علاقته الخاصة بالله وبالمجتمع .. بينما العيش في وطن مشترك حالة عامة يترابط فيها ابناء الوطن الواحد... لقد مثل شهيدنا الخالد الفقيه المتصدي الذي جمع بين العلم والعمل والتفاعل المباشر مع المحيط الخاص ببعده العقيدي والمحيط العام ببعده الوطني ... واستطاع ان يمنح قضية شعبه ووطنه المساحة المطلوبة اقليميا ودوليا دون ان يفقدها خصوصيتها !!.... انها مهمة شبه مستحيلة عندما يكون العدو بشراسة دكتاتور متهور تجاوز كل حدود الاستبداد واستباح كل قيم الوطن وسحق المواطنة بكل قسوة ، وهي مهمة شبه مستحيلة عندما تكون هناك حرب شرسة على الحدود يمتزج فيها مفهوم الوطن مع مبدأ جر الشعب الى المحارق والاعتداء على الغير ، ويتلاعب الطغاة بمفردة الوطنية كما يتلاعبون بعواطف الشعب المغرر به !!، في وسط كل هذا التداخل والتزييف ، كان شهيد المحراب يخط منهجه بثبات ويفرز القضايا ويصنف المواقف ويثبت قواعد العمل السياسي والعسكري الجهادي ... فقاد مواجهات شرسة مع الدكتاتور وفي نفس الوقت كان يحمي ابناء شعبه حتى المغرر بهم ، لقد كان رجل بناء حتى في اقسى لحظات الاقتتال والدمار ، فرسالته واحدة في كل الظروف ... جسّد صفات القائد وخصال القيادة الحقيقية حيث الرؤية والمشروع والاهداف وترابطها مع شخصية القائد وهوية الوطن. لقد احب شهيد المحراب شعبه بقوة وصدق ، وبادله الشعب هذا الحب واضاف عليه احترام العلماء العاملين ، وعندما سقط الصنم كان الشعب ينتظر القائد الذي ينير له الطريق وسط الفوضى التي خلفتها عقود الدكتاتورية والقمع والاستبداد ... وكان كعادته ... واضحا صريحا واثقا ... فحدد القواعد وفصل المسارات ، فكانت المرجعية هي الموجه لبوصلة الشعب والوطن ، والوحدة هي الضمانة لحقوق الجميع ، والنظر الى المستقبل وعدم الاستغراق في الماضي هو النهج المعتمد ، والبدأ ببناء الانسان المنهك المضطهد هي الاولوية، وبناء دولة المؤسسات وتجسير العلاقة مع الجميع وبين الجميع داخليا وخارجيا هي خارطة الطريق .. ان القادة الكبار دائما ما يكونون اكبر من اللحظة التي يعيشونها ، وهكذا كان شهيدنا الخالد ، اكبر بكثير من اللحظة المضطربة التي كان يمر بها الوطن وتعاني منها الامة حيث كانت الرؤية واضحة والاهداف محددة ، فذاب في شعبه كما ذاب شعبه فيه ... وشعرت الامة بالاطمئنان وهي ترى رجالاً بهمة شهيد المحراب يضبطون مساراتها المرتبكة في لحظة الولادة العسيرة ... لقد كان العراق كله ... ينظر الى شهيد المحراب الحكيم على انه قائد التغيير الجامع للتعدديات والمستوعب للتقاطعات ، و كان الجميع يشعر بالقلق الا شهيد المحراب فقد كان في غاية الاطمئنان لانه يعرف جيدا ماذا يحتاج العراق وماذا يريد العراقيون لانه حمل هم العراق والعراقيين في قلبه عشرات السنين ، واستوعب كل مخاضات الوطن ومشاكله واشكالياته... ان شهيد المحراب في اللحظة التي وطأت قدماه ارض العراق لم يختزل مشروعه بحجم المجلس الاعلى الاسلامي وانما كان مشروعه بحجم العراق كله ، من زاخو الى الفاو .. بكل قومياته وطوائفه واديانه وتلاوينه.. ورجل بهذا الثقل يحمل مشروعا بهذا العمق كان لابد لقوى الظلام في هذا الوطن المنهك ان تتفق على تغييبه، لأن اشد ما يرعب اصحاب المشاريع الظلامية هو ان يكون القادة بين شعوبهم، يحملون مشاعل النور ويرشدون الى الطريق القويم ... لقد ايقن الظلاميون ان الخاسر الاول والاكبر من تغييب شهيد المحراب هو العراق قبل اي عنوان اخر ، من الطائفة او التيار اوغيره ....انهم ادركوا ان مشاريعهم ستبقى مؤجلة مادام شهيد المحراب الحكيم مع شعبه وفي وطنه , ويعمل بهمة على تثبيت مشروعه وهو مشروع العراق الجديد .. ان الاوطان لاتنمو الا بدماء شهدائها ، والشعوب تكبر بقدر التضحيات التي يقدمها قادتها وابنائها ، لقد ادرك الشهيد الحكيم ان معركته مع الطغاة لاتنتهي بسقوط طاغية لانه لم يكن يواجه شخصاً وانما مشاريع منحرفة ، وكذا ادرك اعدائه ان لا امل لمشاريعهم مادام مشروع حكيم العراق قائماً .. فكانت مؤامرة تغييبه واغتياله مؤامرة على العراق لانها استهدفت روح العراق الجديد وعقله وحكمته .. ولكن المشروع القائم على اساس الحق والعدل دائما ينتج قادة ، فما ان ترجل فارس حتى كان عزيز العراق فارساً اخراً يتقدم الصفوف ويدافع عن مشروع العراق وشعبه ومستقبله ، ورغم فداحة الموقف الا ان المهمة كانت اكبر من الالام ... فعمل عزيز العراق واخوانه في المجلس الاعلى والأئتلاف العراقي الموحد والساحة الوطنية على تثبيت الحق العراقي وسط تدافعات اقليمية ودولية كبيرة وفي مرحلة كان العراق مكبلاً بالعقوبات الموروثة من زمن الدكتاتور والتي تقيد حركته كدولة وتسلب اهليته كوطن وبحكومة شبه رمزية ، ووسط ذلك الواقع المعقّد كان لعزيز العراق كلمة وكانت كلمته هي الفصل ، واستطاع ان يعبر بالعراق وبمساعدة كل الوطنيين المخلصين مرحلة مظلمة مليئة بالفتن والمؤامرات ... هؤلاء هم قادتنا وزعمائنا والبوصلة التي نهتدي بها من اجل ضبط مساراتنا .... وهؤلاء هم الذين سجلوا اسمائهم في مستقبل العراق مثلما سجلوه في تأريخه ... فالقادة الكبار يعملون للمستقبل من عمق الماضي ... هؤلاء من تعلمناعلى ايديهم ان الوطن شعور وليس شعاراً ، والعقيدة تنمو وتتكامل مع الوطنية ، والشعوب اساس البناء ، والتضحية تكون بالنفس والمصالح الخاصة لا بالمشروع الذي يمثل آمال الامة ... ايها السيدات والسادة المحترمون .. نحن اليوم في لحظة مفصلية يتحدد على ضوئها مستقبل العراق القريب .. فبالامس انتهت عملية التصويت لأنتخاب اعضاء مجلس النواب في اكبر عملية انتخابية يشهدها العراق في تاريخه الحديث ... لقد عبر شعبنا من خلال مشاركته الواسعة في الانتخابات عن درجة عالية من الوعي ومستوى كبير من النضج الاجتماعي والسياسي ، فتحدى الارهاب والمعوقات , وفي زحمة الاسماء والوجوه والكيانات المتنافسة كان للمواطن العراقي رأي حاسم في منح صوته وثقته لمن يستحقها معلنا عن بدأ مرحلة جديدة وجدية في المسيرة السياسية للعراق والعراقيين والبدء ببناء مشروع الدولة العراقية الناهض ... ونحن في تيار شهيد المحراب وائتلاف المواطن نحيي المرجعيات الدينية على ارشاداتها ونصائحها بالمشاركة الواسعة وحسن الاختيار ... ونحيي ابناء شعبنا على تضحياتهم وصمودهم و وعيهم المشهود في المشاركة الواسعة والواعية في الانتخابات وتسجيل اروع صور المثابرة والوطنية والحرص على مصالح الوطن والمواطن ... ونترحم على ارواح الشهداء الذين سقطوا اثناء تأديتهم لهذا الواجب الوطني النبيل على يد الارهاب الغاشم ... وننحني امام هذه الثقة الكبيرة التي منحها شعبنا لنا ، وانها تضاعف من المسؤولية التي نتحملها امام الوطن والمواطن واجياله القادمة ... ان هذا الانتصار الذي حققته قواعد تيار شهيد المحراب ومرشحو أئتلاف المواطن انما يدل على ان الشعب العراقي يعرف جيدا من يعمل من اجل بناء وطنه وتأمين احتياجاته وضمان مستقبل ابنائه ، وان هذا الانتصار انما جاء تتويجا لسنين من العمل الحقيقي والدؤوب ونتاج عملية تصحيحية واسعة في الاسلوب مع الثبات على المنهج ، وسيبقى التصحيح مستمراً لان التطور قانون الحياة ، وقد اصبحنا نتقن المراجعة والتقدم للامام ، حيث اننا نؤمن وبقوة بمنطق "نراجع ولا نتراجع" ... ومثلما اكدنا في حملتنا الانتخابية وفي برنامجنا الانتخابي ومثلما هو منهجنا دائما فان ايادينا ممدوة للجميع، والمشروع اساس العمل والفريق القوي المتجانس اساس النجاح ، والمؤسساتية اساس منهجنا السياسي ... و قد بدأ زمن التخطيط والعمل المؤسسي والانسجام بين القوى الوطنية التي حازت على ثقة الشعب وحصلت على التفويض الشعبي للمساهمة في ادارة البلاد وتوفير الأمن وتقديم الخدمات وتنفيذ البرامج التي وعدنا بها ابناء شعبنا وتمتين الروابط البينية وطنياً واقليمياً ودولياً والنهوض بالواقع العراقي لبناء الدولة العصرية العادلة المقتدرة .... انَّ امامنا عملاً كبيراً ومهاماً جسيمة وعلينا ان نكون جميعا بحجم العراق وشعبه وعمق تاريخه وان نعمل بسرعة على تشكيل حكومة وطنية حقيقية مبنية على مشروع واضح وخطة عمل متفق عليها وفريق عمل قوي متجانس ... العراقيون قالوا كلمتهم واليوم على القوى السياسية والاجتماعية ان تقول كلمتها وتفي لشعبها ما وعدت به .. العراق يستحق النجاح والشعب العراقي يستحق الرفاه والازدهار والمستقبل مليئ بالآفاق الخيرة لوطن الانبياء والائمة والصحابة .. سلام على شعبنا الابي ومرجعياته الرشيدة وشهدائنا الابرار والمضحين من اجل الوطن ... وسلام على الشهيدين الصدرين وشهيد المحراب وعزيز العراق ... دمتم ودام العراق بخير ...

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته