بسم الله الرحمن الرحيم
 

    اعزيكم بذكرى استشهاد سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) حيت نحتفي في هذا الايام بذكرى استشهادها هذه المرأة الاسطورة والقدوة وشاءت الارادة الالهية في مسير الانسانية والبشرية ان نكون امام اسطورات من المرأة والنسوة القادة والقدوة في اشارة واضحة ان التمييز في الكمال في الرقي لا يكون على اساس الجنس فكم من امرأة يمكن ان تكون أكفأ وأطهر وأنقى واعلم واعرف وأقدر على أداء مهامها الرسالية والاجتماعية من الرجل ، لا أفضلية لرجل على امرأة بصنف الجنس، الافضلية والاكرمية بالمعايير الموضوعية " ان أكرمكم عن الله اتقاكم " التقوى " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " العلم معيار من معايير التفاضل بين البشر  " فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما " الجهاد معيار التصدي تحمل المسؤولية اداء الواجب تجاه الامة معيار من معايير التفاضل بين البشر " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " الايمان معيار آخر من معايير التفاضل ، اذاً البشر يتفاضلون فيما بينهم على أساس المعايير الواقعية والموضوعية فيما بينهم، وليس على اساس الجنس او الاعتبارات الاخرى القهرية التي تحصل للانسان ، السيدة الزهراء انموذجا لهذه المرأة الاسطورة وان كان من سيدات أخذن الموقع الكبير والمتميز في رؤية السماء كالسيدة مريم أو آسيا بنت عمران زوجة فرعون أو السيدة خديجة (ع) وكن نساء وسيدات في عالمهن الا ان الزهراء فاطمة هي سيدة نساء العالمين كما ورد في الروايات عن رسول الله (ص) .

سميت الزهراء وسميت فاطمة وسميت المحدثة لان الملائكة كانت تحدثها ومن الخطأ ان نعتقد ان الملائكة لا تحدث الا الانبياء ، القرآن الكريم ينص على حوارات جرت بين الملائكة وبين السيدة زينب (ع) وهكذا كان مع السيدة فاطمة الملائكة تحدثها وسميت بالصديقة وهي مبالغة في الصدق لانها كانت انموذجا للطهارة والنقاء . الحديث طويل في الابعاد الذاتية والشخصية للسيدة الزهراء (ع) وفي الادوار الاجتماعية والسياسية التي مارستها السيدة الزهراء وفي المنهاج السياسي التي اعتمدته في مواجهة الظالمين وفي الدفاع عن حقها وحق الرسالة وطبيعة الظروف التي اكتنفت تلك المرحلة الحساسة والحرجة ، والوقت لا يتسع للحديث في كل هذه الجوانب وسنختصر الحديث بإشارات سريعة على بعض ملامح وسمات شخصية الصديقة الطاهرة الزهراء البتول (ع).

من اهم سمات الزهراء (ع) الشخصية ...

أولا / العلم والمعرفة .. كانت عالمة وملمة بالكثير من العلوم الالهية والإنسانية يمكن ان نتلمس هذا العلم في طبيعة الخطب التي القتها وهي الى اليوم مثار التدقيق والدراسة وهناك الكثير من الدروس العميقة في تلك الخطب المرتجلة ألقتها السيدة الزهراء امام المسلمين في مناسبات عدة ، وفي السنوات الماضية وقفنا عند بعض هذه الخطب وحللناها واستعرضنا جوانب منها ويمكن ان نتلمس هذا العلم الغزير في منهج رسول الله (ص) حينما كان يراجعه البعض ويسأله بعض التساؤلات كان يمكن ان يجيبهم ولكنه كان يرجعهم الى الزهراء فاطمة و يقول اذهبوا الى دار فاطمة واسألوها فكان يأتي المرء ويقف خلف الباب ويطرق الباب ويحيي فاطمة ويسال سؤاله ويأخذ الاجابة  في مسعى الى ثقافة جديدة  الى تربية مجتمعية جديدة المرأة ليست شيء ثانوي وليست شيء يخشى منه والمرأة ليست شيء يتبرأ منه " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر منه أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون " القرآن يستعرض هذه الثقافات الجاهلية في ذلك الوقت ، كان يصاب الانسان بحالة من الوجع والألم حينما يرزق ببنت ويتحير أن يبقيها على مضض ام يدسها في التراب وهي حية ، وأد البنات كان  قضية متداولة ، الاسلام اراد ان يكسر هذه الحواجز ان يعيد للمرأة قيمتها ومن هذا الامر كان يرتبط بإناطة الاجابة على تساؤلات المسلمين بعضها من قبل رسول الله الى السيد الزهراء (ع) .

في كتاب الكافي ج1 عن ابي بصير عن ابي عبدالله الصادق (ع) حيث قال في حديث طويل وان اقتطع هذا المقطع من الحديث " ان عندنا لمصحف فاطمة " المصحف في اللغة هو الكتاب وسمي القرآن مصحفا لأنه كتاب سماوي والبعض من خلال التسمية قال ان الشيعة عندهم غير القرآن الكريم هو مصحف فاطمة ، لا ، المصحف هو الكتاب المعنى اللغوي " ان عندنا لمصحف فاطمة وما يدريهم ما مصحف فاطمة " من يعلم ماذا ورد في هذا الكتاب الشريف " قلت " ابو بصير يسال " وما هو مصحف فاطمة " قال مصحف فيه مثل قرآنكم ثلاث مرات " من حيث السعة والمساحة وحجم الكتاب ثلاث اضعاف القرآن في عدد صفحاته " والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد " هذا ليس بديل عن القرآن وليس مكملا للقرآن " القرآن متكامل " وانما هو شرح وإيضاح وحقائق تفصيلية لم تجدها في القرآن الكريم لان الكتب السماوية تتحدث عن مبادئ عامة وهذه المبادئ تحتاج الى تفصيل والقرآن الكريم فيه مبادئ ولكن كتاب فاطمة مصحف فاطمة يتحدث فيما هو كائن وفيما هو يكون من الامور العامة في هذا المجتمع وفي هذه الحياة " قلت " يعني ابو بصير بعد ان تعرف على سمات مصحف فاطمة " قلت هذا والله العلم " هذا هو العلم ان يستوعب كتاب بإشارة من السماء من الوحي من رسول الله (ص) يقدمه لفاطمة فيه كل هذه الحقائق التفصيلية الكبيرة وهذا دليل على علم فاطمة  (ع) .

في كتاب الكافي ج2 عن زرارة بن أعين عن ابي عبدالله الصادق (ع) قال جاءت فاطمة تشكو الى رسول الله (ص) بعض أمرها فأعطاها رسول الله (ص) كريسة ( وهو مصغر كراس وهو الكتاب او الكتيبة ) ملزمة في زماننا جزء من الصحيفة فصل من الفصول وقال تعلمي ما فيها " رسول الله كان يعلم فاطمة اسرار الكون والحياة ولذلك اصبحت عالمة عظيمة الشأن .

ثانيا / العبادة .. كانت الزهراء (ع) متعبدة ومتهجدة وكثيرة الصلاة والدعاء حتى ورد في تراثنا الاسلامي هناك العديد من الصلوات المندوبة المستحبة ، الصلوات الادعية الاذكار التي وردت باسم فاطمة هذه صلاة فاطمة او دعاء فاطمة وهي الامور التي علمها رسول الله لفاطمة وكانت تلتزم باداءها بالرغم من التزاماتها العائلية والبيتية والأمور الاخرى لكنها كانت ملتزمة بكل هذه الصلوات والأدعية والأذكار . سأل النبي (ص) عليا بعد ان تزوج علي من فاطمة بفترة سأله رسول الله " كيف وجدت أهلك فقال علي (ع) نعم العون على طاعة الله " متعبدة ، الزوجة حينما تكون ملتزمة متدينة تشجع زوجها على طاعة الله .

ثالثا / العفة والحجاب .. كانت عفيفة وكانت مستورة وكانت محجبة ايما حجاب , كان خمار رأسها يمتد الى نصف الذراع يعني يغطي كامل مفاتنها بشكل كامل , يقول الامام  الباقر ( صلوات الله وسلامه عليه  ) بعد ان يصف هذا النمط من الحجاب والخمار الطويل : الخمار هي الربطة التي توضع على الراس وتمتد يقول" فاطمة سيدة نساء اهل الجنة وما كان خمارها الا هكذا ( ويؤشر الى منتصف الذراع ) كان طويلا يستر كامل مفاتنها ", كانت تتحرج وتنزل الحجاب حتى من الاعمى وصادف ان اراد ان يدخل رجل اعمى الى دارها فأوقفته حتى ترتدي حجابها لاحظوا هذه الرواية عن علي ( عليه السلام) ان فاطمة بنت رسول الله استأذن عليها اعمى فحجبته منعته   ، فقال لها النبي (ص) لم حجبتيه وهو لا يراك : لماذا منعتيه وهو اعمى و لا يرى لم منعتيه من الدخول فيما انه حتى لو كنت غير محجبة لا يراك ، فقالت " يا رسول الله ان لم يكن يراني فانا اراه " : انا املك عينين وارى ، كيف ارى نفسي بدون حجاب امام رجل وان كان لا يراني لكن انا اراه ’" وهو يشم الريح " :  صحيح عينه لايرى بها نسال الله ان يحفظ لكم البصيرة ويعين من فقدها ولكن يشم فاذا  تصور ان المراة التي امامه غير محجبة يمكن ان يتمثلها وشكلها الى غير ذلك , وانا  لا أريد ان اضع نفسي في هذا الموقف المحرج , فقال النبي (ص) " اشهد انك بضعة مني " انت جزء مني يا فاطمة لأنك بهذه الطهارة وتفكرين بهذا المنطق.

السمة الرابعة / الكرم والسخاء .. كانت كريمة وسخية لأجواء الفقر المدقع الذي يعيشه رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والمسلمون بشكل عام بضائقة اقتصادية حرجة جدا وفقر شديد " ومن الجود بذل الموجود " كانت تنفق كل ما يتوافر لديها من امكانية , لاحظوا في" اماني الطوسي" هذه الرواية ان رجلا جاء الى النبي فشكا اليه الجوع لم يرد مال بل طعام لأنه جائع فبعث الى بيوت ازواجه  :رسول الله ارسل شخص الى بيوت ازواجه ليسالوا ماذا عندكم لتعطوه لهذا المسكين "فقلن ما عندنا الا الماء " : لم يكن في بيت الرسول قطعه من الطعام والخبز لم يكن الا الماء ،  فعندما رأى انه غير قادر ان يوفر الطعام له ذهب الى  المسجد وخاطب المسلمين قال "من لهذه الليلة " : من صاحب المبادرة لهذه الليله ليأخذ الفقير ويطعمه فقال علي ( عليه السلام ) انا يا رسول الله فأتى فاطمة فاعلمها قبل ان يسال فاطمة اعندنا طعام ام لا , كرمه وحرصه على الجائع ثم جاء الى البيت قال يا فاطمة رسول الله سال وانا تكفلت بإطعامه فهذا جائع ماذا عندك في البيت فقالت "ما عندنا الا قوت الصبية " : قليل من الطعام للاطفال ، "ولكنا نؤثر به ضيفنا" : نعطيه للضيف ولينام الاطفال جياع فقال علي (عليه السلام ) "اجعلي الصبية ينامون لئلا يبقون فيبكون من الجوع" :  فيفضحونا امام الجائع الفقير" اجعليهم ينامون " كيلا يجوعوا ونرفع الطعام ونعطيه  "وأنا اطفي للضيف السراج" :  لكيلا يرى اننا لا نأكل معه فنطفيء الضوء ويعتقد اننا نأكل معه حتى يهنأ  بطعامه ولا يشعر انه اخذ الطعام منا وبقينا جياع وهو يأكل ففعلت وتعشى الضيف فلما اصبحت انزل الله بحقهم على رسولنا  الكريم هذه الاية "ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة " نزلت بحق علي وفاطمة والحسن والحسين .

السمة الخامسة / الصبر على البلاء .. المعاناة العظيمة التي مرت بها الصديقة فاطمة وتعرفون كل حياة الزهراء 18 عاما وهي ولدت في السنة الخامسة للبعثة النبوية الشريفة وقضت ثمان سنين في تلك الظروف الصعبة والحرجة في مكة وعشر سنوات بعد الهجرة وكانت اول من التحق برسول الله(ص) خمسة وسبعين يوما بعد وفاته ، مثل هذا اليوم خمس وسبعين يوما عن وفاة رسول الله(ص) شهرين ونصف بعد وفاة النبي فارقت الحياة بعمر الورود ولكن تحملت من المعاناة والآلام الشيء الكثير والعظيم ويبدو انه  في سُنة السماء ان هناك ارتباط من عظمة الانسان بين كمال الانسان وحجم المعاناة التي يتحملها ، رسولنا الكريم سيد الانبياء والمرسلين يقول "ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت "124 الف نبي شهدتهم البشرية تحملت انا ما لم يتحمل اي من هؤلاء الانبياء من المعاناة , الانبياء اولوا العزم كلهم تحملوا محن عظيمة وكبيرة في حياتهم فهناك علاقة بين الكمال وبين حجم المحنة التي يتحملها الانسان , قال رسول الله (ص) مخاطبا فاطمة" ان جبرائيل اخبرني انه ليس امرأة من نساء المسلمين اعظم رزية منك " انك اشد نساء المسلمين بلاءا وابتلاءا فلا تكوني ادنى امرأة منهن صبرا فلا تكوني اقل صبرا من اي من نساء المسلمين انت اعظمهم مصيبة وعليك ان تكوني اعظمهم صبرا حتى تتحولي الى اسطورة ونموذجا وقدوة للانسان الكامل الذي يتلقى الصدمات والنكبات والمحن في هذه الحياة ولكنه يصبر ويتحمل ويواجه ويتحدى ولا يضعف امام هذه الاشكاليات وهذه التحديات .

في رواية اخرى جاءت فاطمة الى النبي (ص )  فقالت" يا رسول الله انا وابن عمي (علي عليه السلام زوجها ) مالنا فراش الا جلد كبش ننام عليه ": كل ما عندنا من فراش جلد خروف نضعه على الارض وننام عليه , بمعنى يا رسول الله ساعدنا ليس عندنا امكانية مناسبة وننام على جلد خروف فقال (ص)" يا بنيّ اصبري فان موسى بن عمران اقام مع امراته عشر سنين ما لقى فراش الا عباءة قطنية "اذا كنت تملكين جلد خروف موسى وزوجه لم يملك الا صرف عباءة من قطن اخف من جلد الخروف ربما حالك افضل من زوجة موسى اصبري وتحملي ، هذه رسالة الى النازحين ورسالة الى كل من يعيش الظروف الصعبة في هذه الايام التأسي بهؤلاء العظام وتحمل هذا الظرف وان شاء الله نقوى وأهل الشيمة والكرم من ابناء شعبنا ان لا يقصروا بحق هؤلاء الاعزاء .

عن علي (ع) انهما اي علي وفاطمة كانا يتغطيان في قطيفة ( فرشهم وغطائهم ) الفراش جلد خروف والذي يلتحفون به قطيفة اذا غطيا رؤوسهما انكشفت اقدامها واذا غطيا اقدامهما انكشفت رؤوسهما ولم يكن له من الطول استيعاب بدن الانسان كاملا اما يغطي رأسه أو رجله هكذا كانت الحياة التقشفية لعلي والزهراء البتول فاطمة ( صلوات الله وسلامه عليهما  ) طبعا بعد وفاة رسول الله(ص) كانت تعاني معاناة عظيمة وكانت هناك محنة وحينما حضرت وحضر رسول الله الوفاة وكانت الى جواره وفي اشد الالم وهي ترى ان رسول الله يغادر الحياة فلاحظ رسول الله مدى ارتباكها وألمها أومأ اليها بأصبعه واشار اليها فاقتربت اليه في اللحظات الاخيرة من حياته الشريفه همس في اذنها شيئا فبكت ثم همس  في اذنها أشياء أخرى فضحكت فبهت الحاضرون  ، ماذا قال لها لتبكي وماذا قال لها لتضحك وبعد وفاة الرسول (ص) سألوا فاطمة  ( صلوات الله عليها ) ماذا قال لك الرسول قالت الكلمة الاولى "قال اني راحل الى ربي مغادر فبكيت ثم أومأ الي من جديد وقال" انت من اول من يلتحق بي فابتسمت وضحكت لان الحياة بلا رسول الله لا تساوى شيئا وهكذا عاشت ايام البكاء والمحنة والعزاء على رسول الله وما  تعرضت له من المظالم الكبيرة والعظيمة في هذه الخمسة والسبعين يوما ونتيجة الصدمة والألم أدى الى استشهادها في مثل هذا اليوم الخامس والسبعين بعد وفاة رسول الله (ص) فسلام عليها يوم ولدت ويوم ضحت ويوم قدمت ويوم رحلت الى ربها راضية مرضية .