بسم الله الرحمن الرحيم
 

كان حديثنا في الاسابيع الماضية في النظرية الاسلامية في القيادة والإدارة وتحدثنا ان عهد امير المؤمنين (ع) لمالك الاشتر حين ولاه مصر يمثل اختزالا لهذه النظرية وبعد ان انتهينا من المقطع السابع عشر من هذا العهد حيث الحديث عن المعايير في اختيار القادة العسكريين وسرد امير المؤمنين (ع) اثني عشر معيارا استعرضناها في الاسابيع الماضية في اختيار القادة العسكريين ، هنا ننتقل في المقطع الثامن عشر حيث يستعرض امير المؤمنين (ع) مسؤوليات القيادات العليا تجاه القادة الادنى في المؤسسة العسكرية، القائد العام ومسؤولياته تجاه قادة الفرق الذين يرعاهم بشكل مباشر ، قائد الفرقة ومسؤولياته تجاه امراء الالوية، آمر اللواء ومسؤولياته تجاه أمراء الافواج والسرايا وما الى ذلك .

المهام والمسؤوليات للقائد الاعلى تجاه المستويات الادنى في المؤسسة العسكرية (كما ذكرها امير المؤمنين (ع) )

لاحظوا هذه العبارات العميقة ...

" ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما " يا مالك انت ارسلناك قائد اعلى للقوات المسلحة في مصر انت واليا لمصر انت الحاكم هناك القادة العسكريين تفقد من امورهم تفقدهم اطمئن على احوالهم تأكد من توفر احتياجاتهم بالطريقة التي يتفقدها الوالدان لولدهما ، فهم ابنائك القيادات العسكرية ابناء الدولة والحاكم القائد الاعلى عليه ان يرعاهم كما يرعى الاب والأم اولادهم ..

" ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به " لا تستكثر  ان تقدم لهم العون لا تقول هذه زائدة عليهم لا تستكثر شيئا عليهم وعلى توفير الخدمة الملائمة لهم ..

" ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وان قل " وفي الجانب الآخر لا تقلل من قيمة اي رعاية اي اهتمام اي تفقد اي اشارة اهتمام بهؤلاء ، لا تقلل من قيمة الاهتمام او الرعاية ، حاول ان تشعره بالاهتمام هذه القضايا قد يقول البعض انها بسيطة ، لا هذه تقلل من قيمة الجوانب الروحية والمعنوية هذه مهمة ..

" فانه داعية لهم الى بذل النصيحة لك " هذا التفقد في كبائر الامور التجهيز التسليح التدريب توفير الاحتياجات الحياتية الى غير ذلك التفقد في الكبائر الامور المهمة والتفقد في الصغائر في الامور الجزئية التفصيلية هذا التفقد داعية لهم الى بذل النصيحة لك " يدفعهم ويشجعهم ان ينصحوك يقفون معك ، كيف تستطيع ان تقاتل وتنتصر بدون هؤلاء ، انت تنتصر بهم ، هذه العلاقة علاقة المحبة والمودة والتفقد والرعاية والاهتمام تجعلهم ينشدون ويقدمون النصيحة الصحيحة ..

" وحسن الظن بك " يحبوك يحسنون الظن بك يتعلقون بك ..

" ولا تدع تفقد لطيف امورهم اتكالا على جسيمها " لا تترك صغائر ولطائف الامور والاهتمامات الخاصة كتاب شكر هنا اتصال هنا رعاية هنا تفقد طفل مريض شؤونهم الشخصية لا تتركها ..

" ولا تدعها اتكالا على جسيمها " متكلا على كبائر الامور والقضايا الاساسية ..

" فانه لليسر من لطفك موضعا ينتفعون به " هذه القضايا البسيطة التفصيلية فيها مكانة في نفوسهم تنفعهم تشد من عزيمتهم تدفعهم لمزيد من الاصرار والحماس لأداء واجباتهم ..

" وللجزيم موقعا لا يستغنون عنه " ومعالجاتك المهمة في القضايا الاساسية ايضا له موقع لا يمكن الاستغناء عنها لا تترك صغائر الامور لكبائرها ولا تتناسى كبائر الامور باهتمامك بالتفقد في التفاصيل هؤلاء القادة يحتاجون لكلا الحالتين والتفقدين والاهتمامين ..

هذه العبارات الكريمة لأمير المؤمنين (ع) تشير الى ثلاث مهام ...

اولا / " ثم تفقد من امورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما " التفقد الرعاية الاهتمام والتفقد ، تفقد الوالدين لولدهما فيه جانبان ، جانب اجلال ومحبة وشفقة وتعبير عن الاهتمام والاحترام والتقدير والرعاية ، الجانب الآخر رصد وتدقيق تأكد من سلامة السلوك والأخلاق ، كيف يتصرف وكيف يتعامل هذه مسؤولية الآباء والأمهات ان يرعوا ابنائهم بالرصد والتدقيق دون التدخل في شؤونهم وإشعارهم انهم تحت مجهر الرقابة لكن هذا التدقيق والرقابة في افكارهم وسلوكهم وتعاملهم وأقوالهم فيما يذهبون هذا الشيء مطلوب وضمن الحرص من الاب والأم ، ان لا يهمل ويترك ابناءه كيفما يشاءون ولكن يهتم بهم وكذلك القائد الاعلى عليه ان يرعى قادته الميدانيين المستويات الادنى يرعاهم  كيف يفكرون بم يعتقدون ما هي انطباعاتهم ما هو سلوكهم كيف يتعاطون مع الجند والمقاتلين ، وهناك تفقد في البعد المشاعري عواطف وحنان ومحبة علاقة ايمانية قائمة على اساس الرحمة والشفقة واللين الى غير ذلك ، فلابد من الاهتمام بكلا الامرين وهي مسؤولية اساسية من القيادة العليا تجاه القيادات الادنى .

ثانيا / " ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به " المسؤولية الثانية ان يقوم بواجبهم في القضايا الاساسية التي يحتاجون اليها ، الامن شريان الحياة في اي بلد اذا اردنا عملية سياسية مستقرة يجب ان يكون في بيئة آمنة وإذا اردنا اقتصاد منتعش فنحتاج الى امن حتى رجال الاعمال والمقاولون والمشاريع تكون في بيئة آمنة اذا اردنا بيئة ثقافية نامية ومؤثرة في مجتمعها ايضا نحتاج الى امن حتى يستطيع المحاضر ان يحاضر والدورات ان تعقد والمدارس والجامعات والمعاهد والمساجد ولكنائس ودور العبادة الى آخره ، اذا كل المهام والمسؤوليات مرتبطة بالجانب الامني لذلك علينا ان نهتم بالأمن والاهتمام بالأمن يبدأ من الاهتمام برجال الامن وبالقيادات العسكرية والأمنية لا تستكثر عليهم من رعاية لأحوالهم الخاصة رواتبهم سكنهم احتياجاتهم الى احتياجاتهم لنجاح مهمتهم العسكرية السلاح العتاد المؤن التجهيز المواد الغذائية الى غير ذلك مما يحتاجون لا تستكثر على القوات المسلحة في ان ينفق عليها بما يحقق احتياجاتها وما يجعل ابنائها قادرين على اداء واجباتهم مهامهم حتى يمارسوا هذا الامر براحة نفس وطيب خاطر الى غير ذلك .

ثالثا / " ولا تحقرن لطفا تعاهدت به وان قل " الاهتمام بالقضايا الكبيرة لا يمنع من الاهتمام بالقضايا التفصيلية ، اشارة وقفة اهتمام احترام لآمر سرية او آمر فوج امام جنوده ومقاتليه تقدير الموقف البطولي والشجاع ، الانسان بطبعه يحب ان يشكر ويقدر فحينما يكون لأي من القادة انجاز حققه و حينما يأتي القائد الاعلى ويكرم ويكافئ ويشكر ويقدر هذا له تبعات وله تأثيرات نفسية ايجابية وطيبة على روح وعلى نفس هذا القيادي وهذا القائد العسكري ...هناك امرين وهناك جناحين يجب ان نطير بهما في الرعاية وهما .. تلبية الاحتياجات الكبيرة وعدم التغافل عن القضايا البسيطة النفسية ، ينكسر نفسيا في شيء يمكن ان يؤثر عليه في ساحة المعركة وحماسه في القتال فيجب ان تعالج هذه التصدعات والجروح النفسية مهما كانت بسيطة وهي مكمل لذلك الاهتمام والرعاية في القضايا الكبيرة والأساسية .

الاهتمام بهذه المسؤوليات والشؤون الثلاث لها اثار وتبعات ...

" فانه داعية لهم الى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك "هذا من اثار الرعاية ، يصير عندهم حسن ظن بالقائد الاعلى وبقائدهم الكبير ينشدون حوله ، يلتفون حوله يطيعوه وينصحوه ولا يجاملوه وإذا كان مكسور يقول لأسمعه ما يعجبه وأعطيه تقارير كاذبة والحمد لله ساحات المعارك انتصرنا وانتهت لانه اذا قلت له شيء اخر سيسيء وليس هناك حسن ظن وسيسيء الي ويحملني المسؤولية ولا يدري انا بأي حال وكذلك مشاق المعركة العسكرية يصدر تعليمات ويبطش ويفتك ويعاقب وليس عنده الا ثقافة العقوبة وتحميلنا المسؤولية وهو ( النبي المعصوم ) الذي لا يتحمل اي تبعات ، القسوة والشدة والفجوة بين القائد الاعلى والقيادات الادنى توجد مثل هذه الحالات ، ليس هناك حسن ظن وانفتاح وجرأة على بيان الحقائق وبالتالي نتيجة هذه التقارير غير الصحيحة والعلاقة غير الودية نتيجتها الانهزام والانكسار في المعركة بخلاف وجود هذه الرعاية فإنهم سيعشقوه ويحبوه ويصارحوه كاخوهم الكبير ويعتبروه كذلك ويقولون له الحقائق ويطرحون له المعوقات كما هي ولا يجاملوه على حساب المعركة والانتصار في هذه المعركة وتتعمق الثقة والعلاقة وتكون علاقة مودة ومحبة علاقة اخوة تجاه اخيهم الكبير هذه العلاقة ينظر لها امير المؤمنين وهي الرؤية الاسلامية "و لا تدع تفقد لطيف امورهم اتكالا على جسيمها فان لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه " هذه التكاملية ، لا يجب ان يقول انا اعطيتك راتب ووفرت لك عتاد ماذا تريد مني بعد ؟ اريد منك عطف واحترام وأريد منك مشاعر وأريد منك اهتمام هذه اريدها ايضا منك وهي لا تغني عن تلك والراتب بمكانه والسلاح والعتاد والتجهيز والتدريب بمكانه والمشاعر والعواطف وعلاقة المحبة والتراحم هذا ايضا بمكانها وهذا لا يغني عن ذاك هذه تكاملية وتتكامل الادوار حينما يجتمع الامرين مع بعضهما .

ثم ينتقل امير المؤمنين للحديث عن المسؤولية الرابعة ..

 رابعا / " وليكن اثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته " نعم ايها القائد الاعلى فاضل وميز بين قادتك قادة الجنود ومقاتليك وبين امرائك الذين تحت امرتك وميز بينهم على اساس من يقوم بالمواساة لمقاتليه وجنده ويساعدهم ويعينهم ، هذا الاساس يجب ان يكون اكثرهم التصاقا بمقاتليه اكثرهم معونة وإسنادا لجنده ومقاتليه هذا ميزه واشكره امام الاخرين وفضله على الامراء الاخرين ، امر لواء او قائد فرقة ياتي ويرى امر فوج مهتم جدا ومتواضع ميداني يعيش مع مقاتليه ويخدمهم ويساعدهم ويرعاهم ويأتي يفضله على امراء الافواج الاخرين ويشكره ويقدره ويخلق حافز ودافع لأمراء الافواج حتى يلتصقوا ويواسوا حتى يحضوا ايضا بالتفضيل والرعاية من القائد الاعلى ، "افضل عليهم من جدته" يواسيهم ويساعدهم ويعينهم بماذا ؟ بان يفيض عليهم من جدته اذا كان عنده مال يعطيهم واذا كان عنده صلاحيات يستخدمها لتوفير متطلباتهم واحتياجاتهم واذا تتطلب متابعات ، راتب لم يقيد له لا يهتم بها و يقول له اعطيني اياها لأركض لك بها ويركض ويتابع امور مقاتليه وكأنه مشكلته هو ويقول عندي واحد من مقاتلي في فوجي ليس له راتب الحقوا لي وهو يصرخ ، امر الفوج يتابع ويحل مشاكلهم ويستخدم صلاحياته لمعالجة امورهم ويعطيهم بحسب ما يتوفر له من امكانيات "بما يسعهم " بما يلبي حاجتهم ويوسع عليهم " ويسع من ورائهم من خلوف اهليهم " هذا المقاتل الذ جاء له اهل ورائه زوجته وأولاده او امه وأبوه حسب طبيعة الناس المسئول عنهم يوظف صلاحياته لحل مشكلة المقاتل وحل مشكلة اهل المقاتل الذي خلفهم المقاتل وراءه لان المقاتل عندما تكون اموره محلولة وعائلته مستقرة يقاتل بشراسة ليس عنده شيء يؤخره ويأخذ اهتمامه ويشغله عن القتال وباله مرتاح وأموره مؤمنة وأمور عائلته اذن يتفرغ للقتال وواجب الآمر ان يرعى حتى عوائل المقاتلين حسب امكاناته وصلاحياته "حتى يكون همه هما واحدا "في جهاد العدو "فان عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك " يصبح همهم واحد مسؤولية واحدة هي مسؤولية قتال الاعداء وبقدر ما تعطف عليهم يا امر على مقاتليك فان مقاتليك سيعطفون عليك فتحدث العلاقة التكاملية والفريق المنسجم الذي يستعد في ان يدخل الى ساحات الوغى ويقاتل الاعداء بشراسة ويحقق الانتصارات تلو الانتصارات لان الانتصار بالمعركة يراد لها معنويات قوية وهذه العلاقة البينية علاقة الشفقة والمودة والمحبة توجد مثل هذه المعنويات العالية التي تحقق الانتصارات المتلاحقة ، اذاً امير المؤمنين في هذه المسؤولية الرابعة يشير الى مبدأ مهم من مبادي الاسلام وهي ( نظرية القيادة والإدارة المواساتية ) ايها المسؤول ان كنت في قيادة عسكرية او في قيادة ادارية مدنية لا تجلس في برجك العاجي لا تبتعد عن جمهورك لا تبتعد عن مقاتليك كن معهم والى جانبهم اقترب منهم والتصق بهم وتعرف على مشاكلهم وواسيهم اشعرهم بالاهتمام حل مشاكلهم بقدر ما تستطيع ، القيادة المواساتية هو ما يشير اليه الامير ( صلوات الله وسلامه عليه ) هي التي تخلق المعنويات العالية وهذه الادارة المواساتيه تشمل المقاتلين في السلك العسكري وفي الجانب المدني من هو مسؤول عنهم من العاملين وتشمل عوائلهم بما يسعهم ويسع من ورائهم من خلوف اهليهم " ويشمل الجميع.

 في رواية عن علي ( ع) " احسن الاحسان مواساة الاخوان " تواسيه وتشاركه محنته وهذا اعظم الاحسان اليه الاثر المترتب على هذه القيادة المواساتية الادارة المواساتيه ما هو الاثر ؟ "حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو " يصبح همهم هما واحدا ومسؤوليتهم اندفاعاتهم وتحملهم للمسؤولية بمستوى واحد "فان عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك "هذه المشاعر المتبادلة المحبة المتبادلة العلاقة العاطفية والقلبية تحقق الانسجام وتبني الفريق القوي المنسجم وتوجد الانتصارات والانجازات الكبرى .

عن علي (ع) "ما حفظت الاخوة بمثل المواساة " لا تحفظ الاخوة بشيء كما بالمواساة .

نسال الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا ممن يواسي من يعمل معه وفريق عمله وان نكون ممن يداري بعضه البعض ونبني ادارة وقيادة على اساس الرحمة والشفقة والمحبة والتراحم فيما بيننا وهناك مسؤوليات اخرى ياتي الحديث عنها في الحديث لاحقا  .