كان حديثنا في الاسابيع الماضية في النظرية الاسلامية في القيادة والإدارة وتحدثنا ان عهد امير المؤمنين (ع) لمالك الاشتر حين ولاه مصر يمثل اختزالا لهذه النظرية ، وتحدثنا في المقطع الثامن عشر عن مسؤوليات القيادات العليا تجاه القادة الادنى في المؤسسة العسكرية.

مسؤوليات القائد الاعلى تجاه القادة الأدنى في المؤسسة العسكرية ...

أولا / يتفقد ويرصد ويراعي قياداته الادنى في مجمل اوضاعهم .

ثانيا / ان لا يستكثر الخدمات والرعاية والإمكانات والتسهيلات التي يقدمها لهم .

ثالثا / ان لا يستصغر بعض الاشارات المعنوية والتي تكشف عن رعاية واهتمام كتفقد بعض قضاياهم التفصيلية ومعالجة بعض مشاكلهم الخاصة لان مثل هذه الاشارات والرعاية لها تأثيرها النفسي الخاص في نفوس هؤلاء وحينما تكون العلاقة علاقة محبة وتحمل مسؤولية لا شك انها ستؤثر بشكل ايجابي وتجعل القيادات الادنى ينفتحون ويصارحون القائد الاعلى في منظومته العسكرية ولا يضللونه بتقارير كيدية او معلومات كاذبة حتى يحصلوا على رعايته واهتمامه لأنهم يعرفون انه يريد منهم انجاز العمل الصحيح وليس ان يكذبوا عليه ويقولوا ما هو ليس بحق .

رابعا / ان يميز ويفضّل بعضهم على بعض بقدر التصاق هؤلاء القادة بالمقاتلين بالجنود فيما اسميناه بالقيادة المواساتية التي يطرحها امير المؤمنين ، القائد ليس هو الذي يجلس في غرف عمليات ويصدر توجيهات وتعليمات وهو بعيد عن ساحة الميدان ، القائد هو الذي يتقدم المقاتلين ويكون معهم ويواسيهم ويتعرف على ظروفهم واحتياجاتهم ويعالج مشاكلهم بشكل صحيح ، امير المؤمنين يوصي مالك الاشتر يقول أي من القادة العسكريين يكون له اندكاك والتفات اكبر بمقاتليهم وجنودهم مثل هؤلاء اجعلهم قادة على الجيش فان القائد الميداني المواسي لمقاتليه هو الذي يحقق النجاحات الكثيرة .

هنا قبل ان ينتقل امير المؤمنين الى المسؤولية الخامسة في مجال استعراض المسؤوليات والواجبات ..له وقفة ينتقل للحديث عن موضوع هام ثم يعود يستمر بالمهام والمسؤوليات وهي اهمية العدل وإشاعة العدل في المجتمع الاسلامي وانه الركيزة الاساسية وأنها الدعامة المهمة التي يجب ان يستند اليها المسؤول الحاكم المتصدي للإدارة والحكم في المجتمع الاسلامي .

لاحظوا هذه العبارات الكريمة من امير المؤمنين (ع) " وان افضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد " قرة العين افضل الانجازات اهم دعامة للحاكم والمسؤول اهم منتج يمكن ان يفخر به المسؤول في بقاء حكم وإدارة ان يشيع العدل والإنصاف بين الناس " وظهور مودة الرعية " وحينما يكون منصفا عادلا لا يميز بين احد وآخر يعطي الفرص الحقيقية للناس ، المواطنين والشعب يتعلق بهذا المسؤول فيمنحه الثقة وينشد اليه بالعواطف والمشاعر " وانه لا تظهر مودتهم الا بسلامة صدورهم "  كيف يمكن ان يحظى الانسان بثقة شعبه ، الشعب لا يعطر المحبة بالمجان وإنما لمن يزرع فيه الثقة ومن يجد فيه الصدق والوفاء والصراحة والاندفاع في خدمته يعطيها لمن يثق به لمن يستطيع ان يعزز الثقة بقلوب شعبه فلذلك حينما يكون الحاكم المسؤول مهتما بإشاعة العدل والإنصاف فالشعب يبادله ايضا النصيحة والمحبة والمودة والالتفاف حوله بسلامة الصدور حينما تكون قلوب المواطنين بعيدة عن الضغينة والحقد وبعيدة عن ازمة الثقة عن المسؤول حينما يشعر المواطن براحة من المسؤول ويجده انه وفى له بواجباته حينذاك تجد فيه سلامة القلب والانشراح القلبي تجاه المسؤول وبالتالي المودة والمحبة للمسؤول " ولا تصح نصيحتهم الا بشيقتهم " وحينذاك المواطنون ينصحون المسؤول ويلتفون حوله ويتمحورون حوله يتمسكون به يدافعون عنه " الا بشيقتهم على ولاة الامور "  على المسؤولين " وقلة  استثقال دولهم " وحينئذ لا يجدون هذا الحاكم وهذه الحكومة ثقيلة عليهم يتمنون متى تأتي الانتخابات حتى يتخلصوا منه ، لا تكون ثقيلة ينشدون ويرتاحون اليه " وترك استبطاء انقطاع مودتهم " وايضا لا يجدون حكمه طويل الامد لا تمضي ايام هذه الحكومة ببطء شديد وانما تبدو انها تمضي بسرعة لان فيها مودة وثقة واحترام متبادل بين المسؤول والمواطنين الى غير ذلك ، السؤال الذي يطرح نفسه حينما يستعرض واجبات ومسؤوليات القائد العسكري الاعلى تجاه قياداته الدنيا لماذا اختار هذا المقطع ليشير الى قضية العدل وما علاقة العدل في القيادات العسكرية فيما ان العدل ظاهرة مجتمعية يحتاجها الانسان والمسؤول في كل مستوياته ان كان مسؤولا عسكريا او مدنيا ان كان في مستويات عالية من المسؤولية او في مستويات دنيا في كل الاحوال يجب ان يكون عادلا وان يشيع عدلا لماذا ذكر امير المؤمنين هذا الامر في مهام القيادات العسكرية قد يكون السبب في ذلك هو ان الدولة والمجتمع ما لم يتخلص من الاعداء في الداخل والخارج لا يستطيع ان يعيش الاستقرار وان يفشي الانصاف بين الناس ، العدل يحتاج الى بيئة مستقرة والى حالة من الاستقرار النفسي ومادام العدو الداخلي والخارجي يعبث بالبلاد فيكون فرص اشاعة العدل اضعف من الفرص في الظروف العادية ، والعدو الداخلي والخارجي من يقف بوجهه ويعالجه ومن يخلص العباد والبلاد منه هم القوات العسكرية ولذلك جاء امير المؤمنين ليشير وينوه الى اهمية آثار العدل في المجتمع في طيات مسؤوليات ومهام القادة العسكريين قد يكون لهذا الاعتبار ..

الاضاءات والدروس من كلام أمير المؤمنين في العدل ..

الاضاءة الاولى / اهمية العدل في الادارة والقيادة في الحكم من يريد ان ينجح في مواقع التصدي حينما يتصدى الانسان عليه ان يوفر هذه المعايير معايير الادارة والقيادة ان يوفرها في نفسه طبعا كلما كانت المهمة اعظم كلما لزم تحقيق هذه الصفات بشكل اكبر وأوضح ، اهمية العدل وإشاعة الانصاف فيمن هم مسؤول عنهم من الناس هذه من الصفات المهمة في القيادة والإدارة من وجهة نظر الاسلام وكما ذكرنا ان هذه القواعد لا تخص الحكام وحدهم وإنما تشمل كل حالات التصدي وكل المنظومات القيادية مسؤول شركة او جماعة من الناس او مسؤول عن عشيرة او مسؤول حزب او كيان او فريق رياضي وغيرها " ان أفضل قرة عين استقامة العدل في البلاد " الركيزة الاساسية لنجاح المتصدي ان يكون عادلا فالعدل هو المعيار العدل هو المسطرة بها يقاس مستوى النجاح اذا اردنا ان نجد مسؤولا نقيّم مدى نجاحه علينا ان نراجع ونرى في دائرة مسؤوليته كم هو عادل بين الناس المسؤول عنهم ، في رواية لامير المؤمنين يشير " ملاك السياسة العدل " المعيار الملاك في السياسة في الادارة والقيادة هو العدل بقدر تحقق العدل يعني تحقق النجاح المهمة الرئيسية ..

ماذا يعني العدل في الحكم والإدارة ...

اولا /  يعني ان تكون هناك امكانات وفرص متكافئة لجميع من هو مسؤول عنهم في ان يتكاملوا ان يتعلموا ان يأخذوا فرصهم توزيع الفرص بشكل متكافيء ان لا يشعر البعض ان بمحسوبياته ومحاباة المسؤول هو اقرب للوصول الى مواقع وامتيازات من الآخر ، كن قريبا من المسؤول تزلّف للمسؤول حتى تحصل على العطايا والمواقع والامتيازات اذا كنت بعيدا مهما كنت كفوء واذا لم تتزلف لا تحصل على فرصة ، هذا ليس عدلا العدل الفرص المتكافئة في اطار البيئة التي يتحمل المسؤول مسؤوليتها .

ثانيا / حصول الجميع على استحقاقاتهم دون نقيصة كل من يقوم بعمل يحصل على استحقاقه بهذا العمل ، ضابط يعمل بجد لا يرفّع والآخر متكاسل يترفع يوما بعد آخر لماذا عنده قرابة او جسور مع المسؤول فيحظى بالترقيات !! ان يحصل الانسان على استحقاقاته الكاملة دون ان يضطر الى تملق او مواقف مشبوهة كفاءته تشفع له اداءه يشفع له ان يكون في مواقع ويحظى بالامتيازات المستحقة .

ثالثا / شمول الجميع بالقانون وتطبيق القانون على الجميع دون مواربة ، العدل ان يكون هناك قاعدة واحدة معايير وضوابط واحدة تمشي على الجميع دون استثناء .

رابعا / ان يكون هناك تمايز في الامتيازات والإمكانات والفرص مبتني على اساس الكفاءات وليس اكثر من ذلك ،  لماذا يستلم فلان راتب اكثر مني ؟ لان هذا عنده اختصاصا وخبرة وعطاء اكثر منك فيحصل على امتيازات اكثر وليس لانه يعمل في الدائرة الفلانية يمكن مدير عام في وزارة يستلم راتب وموظف بسيط في الرئاسات او في مواقع اخرى يستلم راتب اكثر منه ! وهنا التمايز لا يكون على اساس الكفاءة والقدرة وانما على اعتبارات أخرى ، فالناس تتدافع لتوظف في وزارات محددة ومواقع معينة لان الرواتب والمخصصات في هذه المواقع اكثر من المواقع الاخرى وهذه فرصة ان ندعو فيها لتوحيد سلم الرواتب ليكون عادلا وليبتني على اساس الاحتراف والاختصاص والخبرة وليس على اسس اخرى بعيدة عن العدل والانصاف .

خامسا / العدل في الحكم والإدارة  والسياسة يعني عدم التبعيض والتمييز على كل الاصعدة عدم التمييز على مستوى الافراد والأسرة والعشيرة وما شابه ، عدم التمييز على المستوى الاجتماعي في المجتمع يجب ان لا يشعر احد يطأطئ رأسه لانه من عرق او مذهب او قومية او جماعة او عنوان معين يخجل والناس لا تتعامل معه كما تتعامل مع الآخرين حقوق المواطنة المتكافئة ، عدم التمييز على المستوى السياسي ، يجب ان يكون الجميع يحظى بشكل متساو ومتكافىء في الاحترام والتعاطي والتعامل ، عدم التمييز في الادارة ان لا تكون ادارة تمييزية موظف يتعامل مع البعض بمهانة هذا لا يصح يجب ان يكون التعامل باحترام مع من يعرف ومع من لا يعرف مع الغني مع الفقير كرامة الانسان ليس بالمال الذي يملكه وليس بالانتماء الحزبي او السياسي وكرامة الانسان ليس بقرابته من هذا المدير او ذلك الموظف ، الانسان كريم بحد ذاته سواء كان فقيرا او غنيا وسواء كان منتمي لحزب او غير منتمي ، هذه العدالة في التعاطي الاداري . العدالة في التعاطي الاقتصادي على مستوى الفرص الاقتصادية ، العدالة الثقافية في المستوى الثقافي يجب ان يكون هناك عدالة وانصاف للتعاطي مع هذا الشان العدالة القضائية امير المؤمنين لم يرتضي لنفسه ان ينظر اليه وهو خليفة المسلمين اكثر من ان ينظر الى ذلك اليهودي الذي ترافع عند ذلك القاضي واختلف مع علي على سيف ، علي يقول أملكه والآخر يقول هو ملك لي وبما ان علي يدعي ذلك والسيف بيد الآخر وعلي لم يكن يمتلك وصل شراء ذلك السيف فالقاضي حكم لمصلحة اليهودي وخطّّأ علي وحينما خرجا من المحكمة جاء اليهودي وقال انا أريد أن أسلم قيل له لماذا قال خليفة المسلمين والسيف له وانا ادخل في بلاد الاسلام والقاضي مسلم وأقاضي خليفة المسلمين وأكسب الدعوة بالباطل وأعاد السيف الى علي (ع) هذه العدالة في القضاء ، العدالة في التعامل الامني مع الجميع على حد سواء الاجراءات الامنية تطبق على الجميع بصورة متساوية الى غير ذلك

هذه هي السمات الخمس للعدل في الادارة والحكم وفي القيادة . بهذا يتبين ان العدل هو الذي يحقق النظام في اي مجتمع من المجتمعات وهو ما يعبر عنه امير المؤمنين " العدل نظام الامرة " النظام يتحقق بالعدل حكومة ليس فيها عدل لا تستطيع ان تحقق وتنجز عملها بشكل صحيح ، هذه الاضاءة الاولى .

الاضاءة الثانية / العلاقة الصحيحة والوثيقة للمواطنين تجاه الحكم ، كما ان الحاكم يجب ان يكون عادلا المواطن يجب ان تكون له علاقة وثيقة مع الحاكم والمسؤول والمتصدي ان تكون له مودة وحبة وحسن ظن بالمسؤول فكما ان المسؤول مطالب بالعدل والانصاف ، كذلك المواطن مطالب ان يثق ويتعلق وينصر  ويدافع عن ذلك المسؤول حتى تبتني هذه العلاقة الصحيحة وبالشكل الوثيق " وانه لا تظهر مودتهم الا بسلامة صدورهم " يجب ان تطهر القلوب وتكون نظيفة وطاهرة وبعيدة عن اية تصدعات وضغائن تجاه المسؤول ، فالرؤية الاسلامية تحمل المسؤول مسؤولية مضاعفة في اشاعة العدل وان يغرس الثقة وان يحكم القلوب وليس الاجساد بقوة السلاح والنار وتطلب من المواطن اذا وفى المسؤول بواجباته حينما يكون عادلا ان تشرح لك قلبه تجاه هذا المسؤول ، المواطن الذي يشعر بالغبن يشعر بالظلم والتبعيض يدخل وهو على حق لكنه يدخل خائفا الى دائرة لا يعرف هل سيحكم لصالحه هل ستنجز معاملته وتكون العلاقة بينه وبين المسؤول علاقة خوف علاقة انتهازية وارتشاء وليس علاقة ثقة ومحبة ، الثقة تولد حينما يشيع العدل والإنصاف وبدونها لا قيمة للحكم والإدارة ، حكم يكره فيه الناس حاكمهم يدعون عليه بالزوال ، ما قيمة الحكم اذا لم يكن هناك اشاعة للعدل ما هي قيمة التصدي للمسؤولية اذا لم تقترن بإشاعة العدل والانصاف بين الناس وهذا ما يشير اليه امير المؤمنين (ع) في الخطبة الثالثة في نهج البلاغة " اما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر " لولا وقوف هؤلاء الناس في بيعتهم لي " وقيام الحجة لوجود الناصر " ولولا وجود الامة الواعية المتصدية التي تدافع وتذب عن المشروع " وما أخذ الله على العلماء ان لا يقاروا " لا يوافقوا " ان لا يقاروا على كظة ظالم " الكظة هي الثقل الذي يصيب الانسان حينما  يزيد في الاكل ، طعام لذيذ يكثر الانسان في الاكل وفي اثناء الاكل لذة الطعام تغريه ولكن بعد الانتهاء من الاكل يشعر بالثقل وهذه تسمى في اللغة العربية بالكظة ، " كظة الظالم " اشارة الى استئثار الظالم بحقوق الناس " ان لا يقاروا على كظة ظالم " اخذ الله على العلماء ان لا ينكثوا ان لا يوافقوا ان لا يقروا ويقبلوا باستئثار الظالمين بحقوق الناس " ولا سغب مظلوم " السغب هو شدة الجوع " يعني هضم حقوقه ان لا يقبلوا ان تهضم حقوق المظلومين " لولا ما اخذه الله علينا بأخذ الحق من الظالم والدفاع عن المظلوم ان لا يؤخذ حقه لولا ذلك " لا لقيت حبلها على غاربها " لتركت الامر وتحليت عنه لما كنت تصديت للمسؤولية فالمسؤولية ليست تشريف وانما تكليف  ، العدل وان نعطي حق المظلوم من الظالم ، هذه لولاها : لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز " ما قيمة هذه الدنيا اذا لم يستطيع الانسان ان يفشي فيها العدل والانصاف بين الناس ونسال الله ان يعيننا على ذلك ويجعل كل المتصدين  في بلادنا  وبلدان المسلمين ان يشيع العدل ويقدم الخدمة والرعاية للمواطنين  .