بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين.

السادة الأفاضل، الإخوة الأكارم، الأخوات الفاضلات، بدايةً أرحب بكم أجمل ترحيب في مجلسكم هذا مجلس أهل البيت سلام الله عليهم، وكان حديثنا في الأسابيع الماضية في النظرية الإسلامية في القيادة والإدارة وذكرنا إن عهد أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لمالك الأشتر حين ولاه مصر يمثل اختزالاً لهذه النظرية، وانتهينا للحديث عن المقطع التاسع عشر من هذا العهد حين تحدث أمير المؤمنين عن معايير اختيار القضاة، قلنا إن أمير المؤمنين طرح رؤيةً إسلامية في الطبقية في الإسلام.

فالإسلام يعترف بوجود طبقية ولكن لا يعتبرها على أساس اقتصادي كما هي في المدارس الوضعية، فليس الغني والفقير طبقتين وإنما الطبقية في الإسلام على أساس مهني فهو تشكيل إنساني ومهني وحِرفي، لذلك بحسب رؤية الإسلام هناك طبقة القوات المسلحة وطبقة القضاة وطبقة العاملين في الدولة وأجهزتها وطبقة التجار والصناعيين والمزارعين والى غير ذلك، كل مهمةٍ من المهام تمثل طبقة اجتماعية.

وذكرنا إن الطبقية الاقتصادية التي يتحدث عنها تتحدث عنها المدارس الوضعية تؤدي إلى شعور الطبقات الدنيا بالغبن، فالفقير دوما يطمح أن يكون في طبقة أعلى وان يحصل على ثروة الغني ويرى أن الغني تجاوز عليه حينما حصل على هذه الثروة، فالطبقية بذلك المعنى الاقتصادي تؤدي إلى صدام بين الطبقات، ولكن إذا فسرنا الطبقية على أساس مهني ومهما كان الإنسان مهما كانت مهمته فهو بحاجة إلى المهن الأخرى، لان العمل في الواقع الاجتماعي لان الحياة الاجتماعية تحتاج كل هذه المهام وبالتالي الطبقية في الفهم الإسلامي تؤدي إلى تماسك المجتمع وشعور المجتمع بحاجة بعضهم إلى بعض، بخلاف الطبقية بحسب النظرية الوضعية.

تحدثنا عن القوات المسلحة بالتفصيل وانتقلنا للحديث عن القضاة وسماتهم حيث يقول أمير المؤمنين: (ثم اختر للحكم بين الناس يا مالك، حينما تذهب إلى مصر اختر للقضاء وللحكم بين الناس في موارد الاختلاف من تتوفر فيه هذه السمات:

أولاً: أفضل رعيتك في نفسك، مهمة القضاء والحكم بين الناس مهمة خطيرة، فيجب أن تختار لها الأفضل، الأعلم، الأفقه، الأكثر ورعاً ومخافةً لله سبحانه وتعالى حتى يُنصف الناس ويُدافع عن الحقيقة وينحاز إليها وليس إلى شيء آخر مما لا تضيق به الأمور.

السمة الثانية: أن يكون لديه سعة صدر، أن لا تضيق نفسه من الحكم بالحق أيٍ كان وبأي اتجاه كان، أن يكون حليماً وحكيماً ويطلق الأحكام على أساس الحقيقة وليس على اُسس مزاجية أخرى.

ثالثاً: ولا تمحكه الخصوم، الخصومة بين المتخاصمين لا تدفعه للانفعال، لا يخرج عن طوره، لا يخرج عن عدالته، لا يسمح لنفسه أن يكون في موضع يختبره المتخاصمين فيقولوا له: انك عادل أو ليس بعادل أو يستفزوه في قضية ما وما شابه.

رابعاً: ولا يتمادى في الزلة، أن لا يسترسل في الخطأ إذا أتته معطيات خاطئة وحكم على أساسها وعلى ضوئها ثم تبين له الحقيقة أن لا يتماها ولا يسترسل في الاتجاه الخاطئ وتكون له شجاعة أن يقول كلمة الحق وان يُخطأ نفس إذا ما وقع في الخطأ.

خامساً: ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، لا يضيق صدره من التراجع عن مواقفه إذا أتته معطيات جديدة إذا تبين له خطأ في قراراته وفي موقفه السابق، فالمهم يطلب الحقيقة ويبحث عن عنها وليس شيء آخر.

السمة السادسة: ولا تشرف نفسه على طمع، أن لا يكون طماعاً، يكبر على خصيصة الطمع، الطمع لشيء مادي للحصول على أموال، على مواقع، على وجهات، أو لشيء معنوي، يريد أن يكون قاضي القضاة، آو يريد أن يكون مسؤولاً في المنظومة القضائية، لان الطمع هي بداية للضغط عليه لكي لا يكون موضوعياً في قراراته وفي أحكامه، فيجب أن يكون القاضي بعيداً عن الطمع.

سابعاً: ولا يكتفي بأدنى فهمٍ دون أقصاه، أن لا يكتفي بالانطباعات الأولية، هذا تكلم كلام والآخر أيضاً تكلم كلام فرأى القضية وفوراً يصدر الحكم، هذا خطأ، عليك أن اقرأ ما بين السطور، قلب الملف، اطلع على الوثائق، تمحص، تفحص، تدبر، دقق حتى يكون قرارك صحيح وتكون ذمتك بريئة أمام الله حينما تحكم بين الناس بشيء. فالقاضي يجب أن لا يكون سطحياً ولا ينظر للأمور نظرة سطحية يجب أن يكون عميق في رؤيته ويبحث عن الحقيقة ليجدها أينما كانت.

هذه هي السمات السبعة التي تحدثنا عنها في لقاءاتنا السابقة.

السمة الثامنة: و أوقفهم في الشبهات، القاضي عليه ان يقف ويحذر ويتريث ويستكمل البحث والمعلومات حينما تكون القضية فيها شبهة ليس فيها وضوح، الكلمات لا تنسجم مع معطيات الواقع، يوجد خلل في وصف الحقيقة، هذا يقول شيء وذاك يقول شيءً آخر، والوثائق والمعطيات لا تدفع بالكامل باتجاه احد المتخاصمين حتى لو كانت نسبة 60%40، 70%30 لكن لا يوجد وضوح كامل وجزم.

هذه موارد الشبهة عليه أن يتوقف، أن يستمر بالبحث، ان يراجع، أن يدقق وإذا عجز عليه أن يسأل من هو أعلم منه في هذه الأمور، ان يطلب تشكيل لجنة عليا، أن يستعين بقضاة آخرين، أن لا يقول هذا عيب! ماذا يقولون عني الناس؟ كيف أنا قاضي ولا أستطيع أن أحسم الموضوع؟ عليك أن تحكم بما أنزل الله، وان تصل إلى القرار القضائي الحق والصحيح أهم من انطباعات اتجاه شخصك قد تتولد هنا أوهناك فعليك أن تتمحص ولا تقدم إلا حينما يزول كل مكامن الالتباس وتكون أمام صورة واضحة بوضوح الشمس عندما الموقف يتطلب كذا أو كذا.

لاحظوا في نهج البلاغة في الخطبة (38) ماذا يقول أمير المؤمنين: وإنما سميت الشبهة شبهةً لماذا قيل عنها شبهة؟ لأنها تشبه الحق، (شكلها يشبه الحق لذلك سميت شبهة، فيها مكامن إيقاع الإنسان في الالتباس في انه يبحث عن الحقيقة، لديها وجوه تشابه مع الحقيقة)، فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين، (أولياء الله ضياؤهم نورهم اليقين لا يتحركون في الشبهات ولا يقتحمون الشبهات ولا يتخذون موقف في الشبهات إلا إذا وصلوا إلى  مرحلة اليقين والوضوح الكامل في هذه القضية)، ودليلهم سمت الهدى، (دليلهم في الشبهات طريق الهدى يبحثون عن الحق وعن الهداية وعن الوضوح في الموقف)، وأما أعداء الله فدعاءهم فيها الظلال، (داعيتهم هي الظلال والانحراف، ولا يبحث عن الحقيقة يبحث عن المصلحة أين يجدها يُكيف الوثائق والمستندات باتجاه ما يخدم مصلحته وليس ما ينتصر للحقيقة)، ودليلهم العمى، (لأنه يبحث عن مصلحة وليس عن الحقيقة، يغمض عينيه ولا يهمه الدليل ماذا يقول، الوثائق إلى ماذا تُشير، المهم عنده مصلحته بأي اتجاه، من الذي دفع له، من الذي حفزه، القرار باتجاه أيٍ من المتخاصمين سيكسبه احتراماً أو تقديراً أو فرصة أو مال أو جاه أو ما إلى ذلك).

في كتاب الكافي الشريف الجزء الأول صفحة 68 عن الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله، حلالٌ بيّن وحرامٌ بيّن، (يوجد وضوح هذا حلالٌ وهذا حرام، الأمر واضح)، وشبهات بين ذلك (لكن إذا ما كان بيناً غير معروف هل هذا حلال أم حرام؟) ما بين البين من الحلال والحرام هو مساحة الشبهات، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتبك المحرمات وهلك من حيث لا يعلم، لذلك الموقف في الشبهات إذا كان لديك وضوح في الموقف فامضي وإن كان باطل فتجنبه.

أحيانا لا تعلم... من نواحي يبدو هو الحق ومن نواحي أخرى يبدو هو الباطل، القضية فيها شبهة، تريث لا تُقدم ولا تُحجم، تريث، دقق، أبحث، أسأل، تعرف على الحقيقة وتمسك بها حين تتعرف عليها.

في كتاب تهذيب الأحكام الشريف الجزء السادس صفحة 303، عن الصادق عليه السلام: فإن الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحامِ في الهلكات، (أن تقف عند الشبهة خيرٌ من أن تقتحم وتقع في الهلكة، تهلك نفسك وتُضيع مستقبلك وآخرتك حينما تتخذ موقف على غير بصيرة وعلى غير بيّنة.

في نهج البلاغة الرسالة 31 في وصية أمير المؤمنين لأبنه الحسن صلوات الله وسلام عليه يقول أمير المؤمنين لابنه الإمام الحسن المجتبى: وامسك عن طريقٍ إذا خفت ظلالته، (إذا رأيت طريقٌ ظلالي يؤدي بك إلى الظلال أمسك توقف لا تندفع، فان الكف عن حيرة الظلال الاحجام الوقوف عن الوقوع في الهلكات في الطرق المظلمة)، الوقوف خيرٌ من ركوب الأهوال، (أفضل من أن تُقع نفسك في الهلكة).

في روايةٍ أخرى أيضاً في نهج البلاغة، الحكمة 113، يقول أمير المؤمنين: لا ورع كالوقوف عند الشبهات، (لا يوجد ورع بقدر أن يقف الإنسان عند الشبهات، إن كان يرى القضية غير واضحة عليه أن يتريّث ويبحث حتى يكون على بصيرة من أمره ثم يتخذ الموقف الصحيح).

في آمال الشيخ الطوسي الجزء الأول الصفحة السادسة، أيضاً وصية أخرى للإمام الحسن المجتبى صلوات الله وسلام عليه: أوصيك يا حسن وكفى بك وصيا بما أوصاني به رسول الله(ص)، يا أمير المؤمنين بما أوصاك رسول الله؟ الصمت عند الشبهة، (قال لي رسول الله يا علي اصمت عند الشبهات لا تتحدث ولا تتخذ موقف غير واضح وغامض حتى تتضح لك الأمور ثم تتخذ الموقف، فالقاضي عليه أن يقف عند الشبهات.

السمة التاسعة، وآخذهم بالحجج، القاضي عليه أن يبحث عن الدليل ويأخذ به، الحجة، البرهان، الدليل الواضح، أما يترك الدليل إلى استمزاجات واستحسانات أو استهجانات، ما قيمة أن يعجبك أو لا يعجبك أمام الحقيقة؟ فلا تُدار الأمور بالإعجاب وإنما تُدار الأمور بالدليل والبرهان، هذا يروق لي، وهذا يعجبني، وهذا كلامه جميل، وهذا ملابسه جميلة، وهذا احترمني كثيراً، وهذا لم يقدرني، هذا مُبتسم، وذاك عبوس.

ماذا تعني كل هذه الأمور؟ هذه قضايا مزاجية، يجب أن لا يكون لها دور في اتخاذ القرار وحكم القضاء الذي يصدره وإنما يستند إلى الدليل والبرهان، نحن أبناء الدليل أينما ما مال نميل، هكذا هو المنهج الصحيح نميل إلى الحق وإلى ما يُشير إليه الدليل والبرهان وليس إلى الاستمزاج والرأي والذوق والاستهجان أو الاستحسان في قضايا معينة.

كذلك يجب تجنب الاعتماد على أية احتمالات غير منطقية وغير واقعية، يجلب سيناريو ليُثبت حقه غير واقعي.... لا يصح ذلك فلا يمكن الاعتماد على أمور غير واقعية أو التعويل على نظريات وخلفيات علمية متغيرة لا يمكن اعتبارها أساس ودليل لإصدار قرار قضائي وهي متغيرة وغير ثابتة، أو الركون إلى مغالطات وتأويلات وتفسيرات لا تنسجم مع ظواهر الواقع والأمور.

أنت كنت في مسرح الجريمة ما الذي أتى بك بهذه اللحظة ويداك ملطخة  بالدماء، يعطي تبرير غير مقبول وغير مقنع وما ممكن الاستناد إليه كدليل لتجريمه أو تبرئته، الدليل، البرهان، الأمور الواضحة، الحجج الواضحة يجب أن تكون أساساً في اصدار الحكم القضائي.

عاشراً: وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، من سمات القاضي أن لا يضجر ولا ينزعج من كثرة المراجعة، صاحب الحاجة أعمى، إنسان حقه ضائع ولكنه سيجده في المحكمة، القاضي يجب أن يكون لديه سعة صدر، المشتكي في ظرف صعب وعليك أن تتحمل كثرة مراجعته، وعليك أن لا تتأثر بالضغوط، البعض هذه طريقته، من أي عشيرة هذا القاضي؟ قيل له من آل فلان، فيذهب إلى عشيرته، أو يرسل إليه وفد إلى بيته، أو إلى المحكمة، أو يبحث عن أصدقاء للقاضي يؤثرون على قراره لصالحه، أو يهدي له الهدايا، وربما الحق ليس معه وإنما مع ذلك الفقير الذي ليس لديه لا قرابة ولا شفعاء ولا وسطاء ولا مال ويكون الحق معه.

فيجب أن لا تضجر أيها القاضي وتعامل بسعة صدر وتحمل المتخاصمين ولكن لا تتأثر بضغوطهم عليك وإنما تحملهم واستمر في ملاحقة ومتابعة الحقيقة والبحث عن الحقيقة.

الحادي عشر: وأصبرهم على تكشف الأمور، يكون صبور في البحث حتى تنكشف له الحقيقة، ربما هناك قاضي يبحث عن إنجاز ويُريد أن يُنجز الملف بسرعة حتى يُقال عنه هذا القاضي عالج كذا قضية أو كذا معاملة لكي يُحسب له إنجاز ويُسجل في ملف إنجازاته، هذا خطأ، يجب أن يكون القاضي صبور ويبحث عن الحقيقة وكلما بحث أكثر كلما تكشفت له الخيوط أكثر.

 في الغرر والحكم الجزء الأول صفحة (197) عن أمير المؤمنين سلام الله عليه: الصبر أفضل العدد، أفضل الوسائل الصبر، إنسان يكون صبور في البحث عن الحقيقة.

أيضاً عن أمير المؤمنين: بالصبر تُدرك الرغائب، (الأمور التي ترغب بها وتطمح إليها بالصبر والثبات تستطيع أن تحققها)، من لج ولج ومن جدَّ وجدّْ، (بالجد، بالصبر، بالثبات، بالاستقامة، بالإصرار، تستطيع أن تكتشف الحقيقة أيها القاضي)، وهذه طبعا لا تخص القاضي وحده هذا منهاج عمل لنا جميعا.

الثاني عشر: واصرمهم عند إيضاح الحكم، احتياط لا يعني التردد الاحتياط للوصول إلى الحقيقة، في اللحظة التي تتضح الحقيقة مهما كانت مرة، مهما كانت قاسية، عليك أن تكون صارماً و مقداماً في اتخاذ القرار، اتخذ القرار وأمضي بهِ.

من سمات القاضي أن لا يتردد، لا يحسب أي حسابات ثانوية، يحتاط؟ نعم، يصبر؟ نعم، يتكشف ويكتشف عن الحقيقة؟ نعم، يبحث عن الأدلة والبراهين؟ نعم، ولكن حينما اتضحت الصورة لا يتردد لحظة، يُقدم ويُصدر قراره وحكمه أياً كان وينتصر للحقيقة، لذلك شتان بين الاحتياط وبين التردد، الاحتياط لا يعني التردد، الاحتياط يعني استكشاف الحقيقة لكن عند استكشافها القرار والمُضي بقوة بلا تردد، هذه السمة مهمة يجب ان تكون، لأن التردد سيوقع القاضي في مشكلتين:

المشكلة الأولى: تأخير الحق عن صاحبه بعد اتضاحه، تبين بهذا النزاع المالي بان الـ100 مليون لفلان وليست لفلان، الآن توضحت لديك الصورة، إذن أصدر الحكم حتى يحصل صاحب الحق على ماله أو حقه لأنه انتظر طويلاً وتأذى كثيراً، أي تأخير سيعني تأخير الحق عن صاحبه، (وهذا ما لا تقبله يا سيادة القاضي)  أنت مسؤول عن تأخير مصالح الناس وتعطيلها.

المشكلة الثانية: هي عندما تتضح الصورة بأن الحق مع هذا الطرف وليس مع الطرف الآخر... يقوم الطرف الآخر بالضغط على القضاء ويحرك جميع أدواته ويؤثر على الرأي العام ويشوش الصورة، كلما تتأخر في إصدار الحكم كلما تطرأ أشياء جديدة وقنابل موقوتة تتفجر في وجهك، فما دام ان الصورة قد توضحت الصورة اصدر الحكم وامضي حتى لا تعطي مجال ولا فرصة لهذا وذاك أن يتلاعب بمشاعر الناس والرأي العام ويشكك بالحكم القضائي إلى غير ذلك. اليوم جزء كبير من هذا التشكيك الذي نراه في مجتمعنا هو ناتج عن هذا الترديد.

فإذا صدر حكم إعدام بالأدلة القطعية الواضحة لماذا تبقيه كل هذه المدة بالسجن ولا تعدمه، تبقيه في السجن وهو في حالة من القلق وأيضاً المجتمع قلق من وجود هؤلاء..... ربما غداً ستكون ضغوط دولية أو إقليمية أو داخلية أو حملة إرهابية لإطلاق سراح هؤلاء المجرمين، رأينا ماذا حصل في الهجوم الإرهابي على سجن أبو غريب والآلاف الذين هُربوا من السجن وهم كانوا قادة لداعش. لذلك الصرامة مهمة حتى تقطع الطريق على مثل هذه الأمور.

الثالث عشر: ممن لا يزدهيه  إطراء، يجب على القاضي أن يكون لديه ثقة بالنفس، قوي الشخصية، أن لا يتأثر بالكلام المعسول، أنت شجاع، أنت عبقري، هذه الأوصاف وهذه الكلمات لا تؤثر في نفسه، ولا تشعره بالزهو أو الخفة، إذا بدأ تتحرك مشاعره وطرب لمثل هذه الكلمات والإطراء والمديح.... هذا قد يؤثر على صدقية قراره على حيادية قراره على الوضوح في الحق على الانحياز إلى الحق لان صاحب الكلام المعسول قد يكون هو في الطرف الآخر ليس صاحب الحق، فيحاول أن يغطي على باطله بكلام وحديث و مدح  و وإطراءٍ وما إلى ذلك.

والقاضي الذي يستدرج إلى كلمات المديح والإطراء فهو يخضع إلى حالة بهيمية  وكيف له أن يحكم ويتهم أحد الخصمين وهو أصبح المتهم الأول حينما تحركت مشاعره وأصبح ينحاز إلى من يمدحه وليس إلى الحقيقة؟

الأنانية داءٌ كبير يُخرج الإنسان عن الاستقامة، الخضوع للإطراء هو نمط من أنماط الأنانية وغرسها وترسيخها وتنميتها في الوجدان وفي الضمير الإنساني ويجب أن يكون القاضي بعيد كل البعد عن ذلك.

الرابع عشر والأخير: ولا يستميله إغراء، لا يطمع فيه طامع، الإغراء لا يؤثر فيه سواء كان مال، جاه، سيادة القاضي، تخويف، ترعيب، ترهيب، يأتي للقاضي تهديد: لو اتخذت هذا القرار ستكون حياة عائلتك بخطر، حتى يتغير قرار القاضي ويحكم بغير ما تملي عليه الحقيقة للحفاظ على عائلته والعياذ بالله).

على القاضي يجب أن يكون بعيد عن ذلك، لا يستطيع الآخرون استمالته ولو كانت على حساب قطع رقبته، إلا ان يقول الحق هذا الشيء مهم جداً أن يكون عند الإنسان، عند القاضي حينما يحكم، وأولئك قليل. 

َ