بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبا القاسم المصطفى محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين, ثم الصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ابن علي الجواد, والذي نعيش ذكرى استشهاده في هذه الأيام.

سادتي الأفاضل، أخوتي الكرام، الأخوات الفاضلات, بداية نرحب بكم أجمل ترحيب في مجلسكم هذا مجلس أهل البيت سلام الله عليهم.

وكان حديثنا في الأسابيع الماضية عن النظرية الإسلامية في القيادة والإدارة, وذكرنا أن عهد أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لمالك الأشتر حين ولاه مصر يمثل اختزالاً لهذا النظرية, وانتهينا بالحديث عن الطبقية في الإسلام من وجهة أمير المؤمنين عليه السلام, وقلنا أن الطبقية إذا كان بمعنى الاختلاف والتمايز الاقتصادي بين الناس، فالغني طبقة والفقير طبقة كما هو في المدارس الوضعية, هذا يجعل الإنسان الفقير، الإنسان المتوسط الذي ينتمي إلى طبقات أدنى في المجتمع عينه على الطبقة الأعلى ويشعر أن الآخر بظلمه, بالتجاوز عليه, بأخذ حقوقه, حصل على هذه الأموال ووصل إلى هذه المراحل.

فالطبقية في الرؤية الوضعية تؤدي إلى التنافر، وإلى العداء بين الطبقات, ولكن الطبقية في الرؤية الإسلامية تبتني على الاختلاف في المهن والحرف, كل مهمة من المهام, كل حرفة من الحرف تعتبر طبقة، طبقة القضاة, طبقة القوات المسلحة, طبقة رجال الدولة, طبقة رجال الأعمال, طبقة المحامين, طبقة المهندسين, طبقة المدرسين, إلى غير ذلك كل مهمة من المهام تُعتبر طبقة, وبما أن الإنسان أياً كانت مهمته بحاجة إلى المهام الأخرى, إذا كان طبيب يحتاج إلى مهندس يبني بيته, يحتاج إلى قاضي يترافع عنده, يحتاج إلى قوات مسلحة تحميه, وهكذا من أي طبقة كان يحتاج إلى الطبقات الأخرى إلى المهام الأخرى.

فالطبقية في الإسلام وفي رؤية أمير المؤمنين تجمع وتشد الناس بعضهم إلى بعض, الطبقية في الرؤية الوضعية تنفر الناس بعضهم من بعض، هذا فارق جوهري, وثم يستعرض أمير المؤمنين الطبقات، تحدث عن القوات المسلحة وثم تحدث عن القضاة.

وكان حديثنا عن القضاة في اللقاءات السابقة حيث استعرض أمير المؤمنين أربعة عشر شرطاً, سِمتاً, وصفاً, يجب أن يتوفر في القاضي حتى يمارس ويزاول عمله ومهامه.

بعد الانتهاء من السِمات والمواصفات المطلوبة ينتقل أمير المؤمنين للحديث عن ضمانات النزاهة في القضاء، وهذا ما يتحدث عنه في هذا المقطع بحسب التسلسل سيكون (المقطع العشرين) في عهده لمالك الاشتر، يتحدث عن ضمانات نزاهة القضاء، كيف نضمن أن يكون هذا القضاء نزيهاً، وهذا القاضي عادلاً ومنصفاً.

فيقول صلوات الله وسلامه عليه: ثم أكثر يا مالك أكثر تعاهد قضائه، لا يكفي أن تعيّن القاضي وتتركه وتذهب، وتدقق في صفاته حين تعيينه، فإذا كانت هذه الأوصاف متوفرة فيه تصدر له أمر ديواني يقول:  أنت قاضي أذهب وأجلس في المحكمة واقضي بين الناس، وأنت تنشغل بأمور أخرى، لا يصح ذلك يا مالك, ثم أكثر تعاهد قضائه، بعد أن تعين القاضي عليك أن تراقبه، تشرف عليه، تتابع عداءه، تتأكد من سلوكه، وتضعه دائماً تحت المجهر, ترى هذا القاضي يوم ما تصدى أيضاً سيستمر في نفس السلوك ونفس الآداب ونفس السمات ونفس الشروط بعد سنة وسنتين وثلاثة وخمسة؟ أو لا سيعتاد على القضية! وثم يتجاوز على تلك المواصفات.

إذاً هناك إشراف ورقابه ومتابعة ورصد, يجب على مسؤول السلطة القضائية أن يمارسه تجاه القضاة, فبحسب هذا الفهم الإسلامي الحاكم هو المشرف على القضاء, في زماننا هناك فصل بين السلطات والقضاء خاضع لإدارة تختلف عن الإدارة الحكومية, فرئيس مجلس القضاء الأعلى من هو مسؤول عن هذا القضاء عليه أن يمارس مثل هذا الدور الرقابي.

وأفسح له في البذل, وعليك أن تفسح له، أن تعطيه، أن توسع عليه, أن يكون راتب القاضي راتب مجزي مكفي، يكون في سعة من أمره، ما يزيل علته بالشكل الذي يصحب أي ذريعة, أي سبب, أي حجة من القاضي لعدم مزاولة عمله, يقول القاضي عليك أن تعطيه راتباً مجزياً, حتى يتفرغ يكون شغله الشاغل القضاء والحكم بين الناس وحل مشاكل الناس, لا يأتي للقاضي إلا من لديه مشكلة, من لديه تظلم, من يشعر أن حقه ضائع, وهذا ما يتطلب أن يكون القاضي متفرغاً نفساً, وواقعياً, ووقتاً, وهمومه أن تكون الملفات القضائية المعروضة عليه.

وتقل معه حاجته إلى الناس, وبذلك لا تبقى عينه على أيدي الناس من يعطيه إكرامية ومن يقدم له شيء, لأنه إذا كان محتاج إلى الناس سيطلب منهم, أذا طلب منهم سيفقد الحياد, هذا يعطيه وذاك لم يعطه، إذاً لمن سينحاز القاضي؟ قد ينحاز للشخص الذي يعطيه، أو على الأقل يخجل من الذي أعطاه, فإذا كانت عينه على ما في أيدي الناس لن يكون عادل ومنصف ومحايد, إذا الدولة أكفته وأغنته وأعطته ما يحتاج في حياته...  ذلك الوقت يستطيع, هذا الجانب المادي.

والجانب المعنوي: وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك, قربه, أهتم به, إرعاه, أعطيه منزلة, عندما يدخل القاضي سيجلس عند الحاكم وزراء، أحزاب، مسؤوليين، نافذين في الدولة مقعدهم أبعد من مقعد القاضي, القاضي اقرب للحاكم, أولئك الوزراء، المسؤوليين، المتنفذين، الأحزاب، القوى السياسية لا يضغطون على القاضي ويعتبرون أنفسهم أصحاب موقع أقوى وأهم، فتبتزه أو تهدده أو ترغبه أو ما إلى ذلك للحصول على ما تريد، القاضي يكون أعلى شأناً من أجهزة الدولة ومن القوى السياسية بحيث يشعر الآخرون أنهم الأقرب إلى صاحب القرار، فلا أحد يجرأ أن يبتزه أو يضغط عليه في اتجاه ما.

ليؤمن بذلك اغتيال الرجال له عندك, إذا كان الآخر أقرب للحاكم منه فيكون لديه قلق، إذا لم ينفذ ما يطلبه الوزير الفلاني ممكن أن يرفع تقرير كيدي ويتهمه بأمور باطلة، فيبقى القاضي في قلق دائم حتى يذعن ويسعى إلى إرضاء هذا وذاك للحفاظ على وظيفته ومكانته. أما إذا كان هو الأقرب إلى الحاكم من الآخرين من يجرأ أن يكتب عن القاضي إلى الحاكم.  

فالناس لا تفضل أن تتكلم عن شخص مورد ثقة المسؤول تتجنب الحديث عن سلبيات من هو قريب. يقول: يا حاكم أشعر الآخرين أن القاضي هو أقرب الناس إليك حتى لا أحد يجرأ ويبتز القاضي، فيشعر بالحصانة وهذا ما يدفعه لاتخاذ القرارات الصائبة والصحيحة.

ماذا نفهم من هذا المقطع لأمير المؤمنين أن عملية ضمانات النزاهة تتمثل في أمرين أساسيين:

الأمر الأول: الإشراف والرقابة.

الأمر الثاني: الرعاية والاهتمام والبذل المادي والمعنوي والمكانة المعنوية التي يجب أن يحظى بها القاضي حتى يزاول عمله دون ضغوط ومؤثرات خارجية.

فيما يخص الإشراف والرقابة يتضح من هذا النص أن الرقابة يجب أن لا تكون دورية, فصلية, سنوية, حين تطرأ مشكلة حين يأتي تقرير تُرسل لجنة تحقيق.

النص يقول أمير المؤمنين: أكثر ثم أكثر تعاهد قضائه بكثرة وبديمومة و باستمرار يجب أن تتم عملية الرقابة على القضاة, تكون آلية رتيبة دائما تراقب, دائماً تسأل, تُضع استمارة لكل شاكي عندما يخرج يملئ الاستمارة, يجب أن يكون عملية المراقبة عملية دائمة ومستمرة وكثيرة كما يعبر أمير المؤمنين.

وثانيا هذه الرقابة تسعى أن تتحرى وتتأكد من استمرار توفر المواصفات في القاضي, كما أن هذا القاضي يوم تعيينه كان يجب أن تتوفر فيه تلك المواصفات التي ذكرناها سابقاً وهي أربعة عشر صفة, هذه الصفات يجب أن تستمر ما دام القاضي يزاول مهامه ويمارس هذا العمل، إذاً هي مهما وأوصاف نحتاجها في اختيار القاضي ونحتاجها في استمرار القاضي في مهامه, ويجب أن تكون هناك مراقبة متسمرة في هذا الشأن, ذلك يتطلب أن يكون القاضي تحت المجهر, سلوكه, أدائه, آدابه, طريقة تعاطيه مع المتخاصمين، مع المراجعين, من ناحية أخرى دائما تُرصد أحكامه القضائية، يجب أن تكون هناك لجان تراجع الأحكام والملفات بعد صدورها للتأكد من مدى دقتها وصحتها.

لاحظوا في مستدرك الوسائل/ ج17/ ص359/ الحديث السادس/ روي أن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ولّى (يعني جعله قاضياً) أبو الأسود الدؤلي القضاء, ثم عزله بعد ذلك, وهذا أبو الأسود الدؤلي معروف من الصحابة اللامعين فهيم, عالم, نزيه, فاستغرب أبو الأسود الدؤلي، لمَ عزله أمير المؤمنين؟ فقال لأمير المؤمنين: لما عزلتني؟ وما خنتُ, ولا جنيت, ولا مددت يدي يوماً على مال, ولا أخذت رشوة من أحد, ولا حكمت بغير ما أنزل الله, ولا ظلمت, لماذا يا أمير المؤمنين عزلتني؟ ما الذي فعلته؟ فقال عليه السلام: إني رأيت كلامك يعلو كلام خصمك, بالفعل أنت نزيه لا تسرق, ولا تأخذ الرشوة, وأنت عالم, قضاءك وحكمك صحيح, لكن سلوكك ليس صحيحاً, أنت صوتك يرتفع على صوت المتخاصمين أنت تزجرهم أنت تنهرهم, إذا أردت أن تدعو أحد المتخاصمين للاستماع إلى رأيه, فلان قم وتصرخ في وجهه, فهذا السلوك لا يليق، أنت لا تحترم الناس احترام كافي, نزيه, عالم, حكمه عادل, لكن الكرامة الإنسانية لا يراعيها في تعامله مع المتخاصمين, فلذلك لا تستحق أن تكون قاضياً.

لاحظوا كيف كانت المعايير وكيف هيه المعايير في الإسلام وكم نحن بعيدون عن مثل هذه المعايير.

في كتاب وسائل الشيعة /ج27/ص212/ الحديث الأول/  رواية طويلة يوضح فيها أمير المؤمنين معايير القضاء لشريح القاضي منهج كامل في القضاء هذه الرواية, وأنا أدعو القضاة أن يقفوا عندها ويراجعوها ويقرءوها, تذكر وتستعرض هذه الرواية يستعرض أمير المؤمنين فيها آداب القضاء, أنا أتحدث عن مقطع قصير في هذه الرواية يرتبط بموضوع الحديث.

يقول هناك أمير المؤمنين: يا شريح وإياكَ أن تنفذ قضيةً حكماً في قصاصٍ أو حد من حدود الله أو حق من حقوق المسلمين حتى تعرض ذلك عليَّ إن شاء الله, أنظر المستوى العالي من الإشراف والرقابة التي كان يمارسها علي ابن أبي طالب عليه السلام انتصاراً لحقوق المواطن حتى لا تضيع حقوقهم, حتى لا تنتهك أعراضهم, حتى لا تضيع ممتلكاتهم وأموالهم, كان يراجع بنفسه تلك الأحكام ويدقق فيها, هذه أعلى مستويات الرقابة أن يدقق في كل حكم من الأحكام الصادرة.

في كثير من البلدان اليوم يُقال حكم الإعدام حصراً لأن فيه إزهاق للروح, هذا يجب أن يذهب إلى الرئيس في ذلك البلد والرئيس يصادق, فالقاضي يعرف أن هذا الملف سيعرض على الرئيس, أمير المؤمنين صلوات الله عليه كل الأحكام التي تخص المواطنين كان يطلب أن تعرض عليه, طبعاً المجتمع كان صغير والأحكام كانت محدودة يمكن وتستوعب, اليوم ليس المطلوب من المسؤول أن يراجعها لكن المطلوب منه أن يضع لجان ويدقق, ويتأكد, ويتفحص, حتى لا يكون أحد عرضة للظلم وضياع الحقوق.

ثم أكثر تعاهد قضائه, هذه الدقة هذا التمحيص في القرارات والأحكام القضائية يساعد على عدم ضياع الحقوق على الانتصار للمواطن، أن يكون ظهره مسنود, هل هناك حزب يسنده أم لا؟ لديه واسطة أو لا؟ هل لديه مال ينفقه هنا وهناك أو لا؟ لا تهم هذه الأمور، انه صاحب حق يطرح قضيته ويأخذ حقه بقوة الحق الذي هو عنده وليس بشيء آخر، نتمنى أن نصل إلى ذلك اليوم الذي يأخذ كل مواطن حقه بعيداً عن أي وساطة أو أي جهد يبذل من هناك أو هناك.

أما إن شخصا يذهب إلى السجن ويحكم بتهمة أربعة إرهاب ثم بعد سنين من المعاناة والانتهاكات وضياع وضيفته أو عمله وذهاب سمعته بين أهله وأقربائه يفتحون باب السجن ويقولون له: نرجو المعذرة لقد اشتبهنا بك, ما هذا الكلام؟ هذه الظواهر التي نراها في زماننا ناتجة من عدم التدقيق وعدم الأخذ بهذه السياقات في ضمان نزاهة الحكم القضائي وصحته لكي لا يقع الناس في هذه المحاذير, هذا المدخل الأول في ضمان النزاهة.

المدخل الثاني: هو رعاية القضاة كما اشرنا، يجب أن يكون راتب القاضي مجزي ومكفي حتى يكون قادر على القيام بمهامه على أفضل وجه, عندما يكون كذلك وضعه الأمني مؤمن, وضعه الاقتصادي مؤمن, وضعه المعنوي وموقعه في المجتمع مؤمن, لا أحد يستطيع أن يبتزه, لا أحد يستطيع أن يضغط عليه, لا أحد يستطيع أن يسيء إليه, لا أحد يستطيع أن يطمعه ويغريه, تكون لديه حصانه كافية هذا القاضي ليمارس دوره بعيداً عن كل المؤثرات السلبية في هذا الاتجاه.

هنا يذكر الأمير ثلاث نقاط كما أشرنا:

أولاً: العطاء والبذل الكافي والمجزي للقاضي إعطاء المال للقاضي ليس فيه اصراف, فلا تضطره أن يتعلم سلك الطريق الخاطئ أعطهِ ما يكفيه وان يكون مستغني حتى يمارس العمل بعيداً عن الضغوط وبعيداً عن الابتزاز. وأفسح له في البذل ما يزيل علته, لا تبقى له حجة أو ذريعة.

ثانياً: وتقل معه حاجته إلى الناس, لا يحتاج إلى المواطنين في أن يبتزهم ويأخذ منهم، هو مستكفي مستغني, أما إذا أصبح محتاجاً, وعيناه شاخصة على عطاء الناس لا يستطيع أن يكون عادلاً أو محايداً أو منصفاً وموضوعياً في إصدار الأحكام القضائية.

ثالثاً البعد المعنوي: وأعطهِ من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك, لا أحد يستطيع أن يضغط عليه, لا أحد يستطيع أن يبتزه, لأنه أقرب إلى الرئيس منهم, لا أحد يجرأ أن يبتزه أو يضغط عليه فيقول كلمة الحق دون مواربة.

هذا في الحقيقة هو الضمانات التي يضعها أمير المؤمنين من أجل الوصول إلى القضاء النزيه.

كان بودي أن أتحدث قليلاً عن إمامنا الجواد ولكن أرى أن الوقت قد داهمنا, لذلك اترك الحديث في هذا الموضوع.