بسم الله الرحمن الرحيم
 

كان حديثنا في الاسابيع الماضية في النظرية الاسلامية في القيادة والادارة وقلنا ان عهد امير المؤمنين عي (ع) لمالك الاشتر حين ولاه مصر يمثل اختزالا لهذه النظرية وانتهينا الى المقطع السابع عشر من هذا العهد وهو المعايير التي ذكرها امير المؤمنين (ع) لاختيار القيادات العسكرية وقلنا ان هذه المعايير والمواصفات على صنفين، الاول ما يرتبط بالجوانب الفنية للقيادة العسكرية التدريب التخطيط الاستراتيجي القدرة على قيادة وإدارة العمليات العسكرية وإدارة الجند الى غير ذلك من الامور .

المواصفات والمعايير المطلوبة في شخصية القائد العسكري .. كما يذكرها امير المؤمنين (ع) ..

اولا / " فول من جنودك أنصحهم من نفسك لله ولرسوله ولإمامك " ان يكون هذا القائد العسكري الذي نصبته مسؤولا أو آمرا في موقع من مواقع القوات العسكرية والجيش والشرطة ان يكون ناصحا ان يلتزم بالمعايير الاخلاقية والشرعية وان يغلب الحق في مواقفه.

ثانيا / " وأنقاهم جيبا " ان يكون قلبه نقيا النقاء الوفاء العفة الامانة هذه السمات اساسية في القائد العسكري حتى يحقق نجاحا في مهمته العسكرية.

ثالثا / " وأفضلهم حلما" ان يكون حليما لا يغضب بسرعة لا ينفعل بسرعة وهذه سمة اخرى اساسية ومهمة من سمات القيادة.
 

رابع / " ممن يبطئ عن الغضب " لا يغضب ولا ينفعل بسرعة يتعاطى بعقلنة وهدوء مع الامور.
 

خامسا / " ويستريح الى العذر " هو ممن يقبل العذر بسرعة يتسامح مع الناس رجل متسامح من سمات القيادة هو التسامح .
 

سادسا / " ويرأف بالضعفاء " يكون لينا مرنا حينما يتعاطى مع الضعفاء مع من ليس لديه وسيط او ظهير ومن لا يمتلك واسطة حتى يتقدم ليس عنده حزب وراءه يتعامل معه هؤلاء الناس الذين لا ظهر لهم يتعامل معهم برأفة ولين .
 

سابعا / " وينبو على الاقوياء " وبنفس الوقت يتعامل بحزم مع الاقوياء الذين يريدون استغلال قوتهم لمصالحهم الخاصة على حساب مصالح الناس .
 

ثامنا / " ممن لا يثيره العنف " الاساءة الشتيمة المواقف المتشددة اتجاهه لا تثيره رجل مبدئي موضوعي / حينما يتطلب الموقف الاقدام فيقدم وحينما يتطلب الموقف الاحجام فيحجم اما ماذا قال هذا شتمه ، العدو احيانا يستخدم تكتيكات لجر خصمه الى ساحة المعركة يجب ان لا يستفز بمثل هذه المواقف المتشددة .
 

تاسعا / " ولا يقعد به الضعف " القائد العسكري يجب ان يكون مرنا متساهلا متسامحا ولكن هذه المرونة والتسامح ليس على حساب الاهداف التي وضعت للمعركة هذا التسامح ليس تساهلا في تحقيق الاهداف هذا التسامح ليس تساهلا في الوصول الى المصالح العليا التي دعت الى المعركة ، المرونة يجب ان لا تحول دون تحقيق الاهداف ، المرونة الخلق الكريم انما هي مدخل حقيقي لبناء قاعدة شعبية واسعة داعمة للقوات المسلحة في اداء واجباتها ، المرونة ناتجة من المنظومة الاخلاقية التي تمنع من استخدام العنف والقوة المفرطة الا عند الضرورة القصوى وبدونها لا حاجة لهذا الامر ، المرونة لتقليل الخسائر المعنوية في المعركة وتحقيق الانجازات بأقل التبعات والخسائر والغضب الشعبي او ما الى ذلك في المناطق التي تدور فيها المعارك ، اذاً الهدف من المرونة ابعاد اخلاقية وسلوكية وأهداف ترتبط بالتواصل مع الناس ولكنها لا تعني بحال من الاحوال التساهل في تحقيق الاهداف والغايات والدفاع عن المصالح العليا التي تطلبت هذه المعارك فيجب ان لا تستغل الشفقة واللين والرأفة لدى لقوات المسلحة لفرض امر واقع على خلاف المصالح وهذا ما يعبر عنه امير المؤمنين (ع) في مواقع اخرى " حزم في لين " هناك لين ومرونة ولكن مرونة الحازم ومرونة من يفكك الملفات ويفرز بين الامور فما يرتبط بالناس فهو متساهل ورحيم وودود تجاههم وما يرتبط بالأهداف فهو صلب في تحقيقها يجب ان لا تتحول حالة المرونة والشفقة الى ذريعة للتقليل من قيمة الحدث وللتساهل في تحقيق الاهداف ويضيع العمل العسكري ، هناك قتال وهناك اهداف نبيلة لتحقيق اغراض معينة هي اقصاء العدو وتمكين الناس واعادة الامن والاستقرار اليهم والعمل العسكري يحتاج الى شدة وحزم ولكن حزم المتسامح حزم اللين مع الناس والحازم مع العدو " اشداء على الكفار رحماء بينهم " هذه ليست ازدواجية لكنها عين التوازن ان يفكك الانسان الامور ان يكون لينا مع من يستحق اللين وهم الابرياء والمواطنين ومن ليس له ذنب في هذه الامور وان يكون شديدا وصلبا مع من يستحق وهم الاعداء والخصوم .

لاحظوا هذه الرواية في نهج البلاغة كتاب 12 وهو كتاب يوجهه علي (ع) الى كل من زياد بن نظر وشريح بن هاني وهم قيادات وسطية في مقدمة الجيش وبعدها اراد ارسال القائد الى المعركة وهو مالك الاشتر فأرسل لهما كتابا امرا عسكريا ماذا يقول علي (ع) في هذا الكتاب " وقد أمّرت عليكما وعلى من في حيزكما مالك بن الحارث الاشتر " اي القوات التابعة لكما " " فاسمعا له وأطيعا " في سلسلة المراتب كل قائد اعلى يجب ان يطاع ويسمع له من قبل المراتب الدنيا " اطيعوا واسمعوا والتزموا بأوامره التي يصدرها واجعلاه درعا و مجننا " اجعلوا هذا القائد درعا ومجننا اي وقاية اي احيطوه يعني التفوا حوله وتمسكوا به هو القائد فيجب ان يطاع والآخرين ينضوون خلفه ومعه " فانه ممن لا يخاف وهنه " مالك القائد القوي الشجاع المقدام ليس به ضعفا ، القائد الضعيف لا يفيدنا في ساحة المعركة " ولا سقطته " لا يخشى من سقطاته وأخطاءه هذا رجل مخضرم لا يرتكب اخطاء ستراتيجية القائد المحنك هو الذي يستطيع ان يضع خطط صحيحة في الحرب ويحقق الانتصارات .
 

عاشرا / " ولا  بطئه  عن ما الاسراع اليه احزم " هذا لا يبطىء ولا يتساهل ولا يضعف بموقع يتطلب الحزم " ولا اسراعه الى ما البطء عنه انبل " لماذا لا نهجم على تكريت بسرعة ونخلص وهم قلة ! المسالة ليست في السرعة المسالة كيف تحقق الانتصار بأقل الخسائر ، نستطيع ان نحقق الهدف بوقت اطول بأقل الخسائر، ليس شجاعة ان يذهب الانسان للتهلكة الشجاعة ان يضحي حينما يتطلب الامر التضحية وفي المقابل ان يكون هادئا ومحتاطا وان يحافظ على الارواح .

ثم يستعرض امير المؤمنين (ع) سمات ثلاث اخرى يقول ...

السمة الاولى / "ثم الصق بذوي المروءات والاحساب واهل البيوتات الصالحات " يا مالك انت القائد العسكري اذا اردت ان تختار قيادات اختر من القيادات العسكرية من ذوي المروءات اناس اصحاب مروءة و( أوادم ) كما نعبر بتعبيراتنا الدارجة , انتخب ( اوادم ) عنده مروءه . "والاحساب من اهل الشرف وأهل البيوتات الصالحة " من ابناء الحمولة ، من ذوي الاسر والعشائر المعروفه ، اختار شخص معروف ابن حمولة هذا تستطيع ان تثق به وتدفعه الى ساحة المعركة ليقاتل ويحقق لك الاهداف الكبرى" والسوابق الحسنه " ان يكون من ذوي السوابق الحسنه وتاريخه ناصع .

السمة الثانية /  " اهل النجده " النخوة والسخاء والسماحة "فانهم جماع من الكرم" : مجموع من الكرم هؤلاء" وشعب من العرف " اي من المعروف.

السمة الثالثة / " ثم الصق بذوي المروءات  ( الاوادم ) ، والحساب ، الشرف ، واهل البيوتات الصالحة " القياده موقع حساس ولاسيما قياده عسكرية وأرواح الناس بأيدي هذا القائد وقد يزج بهم الى التهلكة او يحافظ على ارواحهم وتختلف من حاله الى اخرى ، فمن يكون في موقع القياده يجب ان يتسم بسمات استثنائية على المستوى الشخصي والتربوي ويجب ان يكون كفوءا وقديرا في تحمل هذه المسؤوليات الجسام ، والتجارب الانسانية اثبتت ان الوراثة لها دور كبير والتربية والتنشئة الاسرية لها دور مهم في الاعداد النفسي لهذا الانسان ، هذا لا يعني ان كل ابناء البيوتات والأسر والعشائر الكريمة هم اصحاب شان وأصحاب شجاعة وإقدام ولا يعني اذا كان الشخص لا ينتمي الى اسره او عشيرة كبيرة ومرموقة فهذا لا يمكن ان يكون من ذوي السمات والصفات المميزة لا ليست القاعدة عامة وشامله ولكن القاعدة فيها الكثير من الصدقية يعني في الاعم الاغلب الاسر الشريفة والمعروفة والعشائر الكبيرة وابن الحمولة يمكن التعويل عليه ويمكن الاعتماد عليه في اناطه المهام والواجبات الكبرى، اذن من كان من ابناء الحموله من كانت عينه مملوءة ، الذي راى الحياة ومن اختبر الامور مثل هؤلاء الناس يمكن الاعتماد عليهم والتعويل عليهم وانتخب من القادة العسكريين من يكونوا بهذه السمات .

حادي عشر/ والسوابق الحسنه " ان يكونوا من ذوي السوابق الحسنة يعني اولا ان لا يكون ذوي سابقه سيئة  ان لا يكون ذي سابقه سيئه وتاريخه سيء وتاريخ فيه انحرافات وتاريخ فيه نقاط سوداء ، ليس صحيحا "عفا الله عما سلف ويجب ارجاعهم ", عفا الله عما سلف يعني اعطيه فرصه للحياة اما ان تعطيه قيادة الجيش وتاريخه سيء هذا لا يصح ويؤدي بنا الى ما وصلنا اليه والانهيارات التي نراها اليوم لان الراية سلمت لمن لا يستحق وعدد من القيادات العسكريه لم تكن ذات سابقه حسنه بهذه المعطيات هذه النتائج والمعطيات الكارثيه ان لا يكون ذي سابقه سيئة اولا وثم لا يكتفي ان لا يكون تاريخه سيء بل يجب ان يكون له تاريخ ناصع ويجب ان يكون له تاريخ حافل بالانجازات هذا لا تريد ان تأتي به مقاتل عادي بل ضابط وتريد ان تأمره على قطعات عسكريه وتسلم ارواح الشباب المقاتلين بيده ، من يؤتمن وتسلم له الراية يجب ان تسلم الراية لشخص عنده تاريخ و مواقف مشرفه وقام بادوار كبيره وسجل مواقف خالدة ، حقق ابداعا وتكتيكات عسكريه فذة في ظروف سابقه , اتي بالمجرب وضعه في موقع القياده والإدارة ، تدبير والإبداع وبعد النظر والحكمة والقدرة على التخطيط والقدرة على الادارة والشجاعة والبسالة واتي بأناس لديهم هذه المؤهلات الكبيره في اوضاعهم .
 

ثاني عشر/ " ثم اهل النجده والشجاعة والسخاء والسماحة " السمات الاخلاقية شرط اساس في القائد العسكري اذا اردت نجاحا مضمونا اذا اردت اقداما في المعارك واذا اردت انتصارات متلاحقة عليك ان تاتي بأهل النخوة والشجعان الابطال وليس من يكونوا اول الفارين والجندي يتوسل به ليقاتل والضابط يركب سيارته ويركض خائف ( ويرجف مثل السعفه ) ، العار والشنار لمثل هؤلاء الضباط كل قطره دم نريقها اليوم لاستعادة شبر من الارض وقع تحت هيمنة الدواعش نتيجة الجبن الذي لاحظناه من بعض القادة العسكريين ، هؤلاء يتحملون مسؤولية هذه الدماء ، الشجاعة والنخوة والسماحة والكرم والإقدام هذه السمات الاخلاقيه تعبر عن ملمح مهم من ملامح الشخصية القيادية وعندما نضع شخصا في موقع القيادة العسكريه، "فان جماع من الكرم " مثل هذه السمات وهذه السمات الاخلاقيه هذه مجمع الكرم والإنسان الكريم والإنسان السخي والإنسان الشجاع والإنسان المقدام هذا ما يمكن الاعتماد عليه في قيادة المعركة .

لاحظوا ماذا يقول امير المؤمنين في الخطبه 176 من "نهج البلاغه " ثم وإياكم من تهزيع الاخلاق " احذروا من انكسار الاخلاق والانهيار الخلقي في لحظة معركة، المقاتلين والجنود يقاتلون ويستشهدون وترى الضابط متفرغ للياليه الحمراء او يقوم بانحرافات اخلاقيه او بسلوك مشين ولا يهمه الشباب الشجعان المنتسبين للقوات المسلحة يقتلون وتراق دماءهم، طبعا لا نعمم وطبعا ليس هذه السمه العامة ، وكل هذه الانتصارات التي تتحقق اليوم دليل على وجود قادة بارعين، ولكن هناك ايضا من فيه مثل هذه السمات وكان سببا في انتكاسات كبيره حصلت في الاشهر الماضيه " ثم اياكم و تهزيع الاخلاق " الانكسار الاخلاقي والانهيار الخلقي  وتصريفها " حاله التلون وحالة النفاق وحالة الازدواجية امام الاخرين يظهر بمظهر البسالة والشجاعة وفي لحظة المعركة تجده اجبن من الجبان ولا يتخذ موقف ويهرب من ساحة المعركة ويتخلف عن اداء الواجب وشتان بين هذا وبين هؤلاء الذين نحتاج اليهم ليكونوا بسمات القادة الابطال الذين يقاتلون ويدافعون .

هذه بالحقيقة السمات ألاثني عشرة التي يذكرها امير المؤمنين للقيادات العسكرية الوسطية ولابد ان تكون محط اهتمامنا ونحن نعيد بناء جيشنا ونستعد لبناء قوات مسلحه متنوعة من الحشد الشعبي الى الشرطة الاتحادية الى العشائر الاصيله الى غير ذلك من المسميات وكلها مورد الاشادة والتقدير لما  يبذلونه من جهود ، هذه السمات تضمن لنا قادة عسكريين  يحققون انتصارات متلاحقة.