السيد عمار الحكيم : حسن الظن يوفر الراحة والاطمئنان القلبي و الاستقرار النفسي ويحافظ على الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
كان حديثنا في الاسابيع الماضية عن النظرية الاسلامية في القيادة والادارة وذكرنا ان عهد امير المؤمنين علي (ع) لمالك الاشتر حين ولاه مصر يمثل اختزالا لهذه النظرية وكان حديثنا في الاسابيع الماضية في المقطع الرابع عشر منهذه الوثيقة التاريخية الكبرى حيث قول علي (ع) " واعلم انه ليس شيء بادعى الى حسن ظن راع برعيته من احسانه اليهم " يامالك اعرف ان افضل الطرق لتزرع الثقة بينك وبين المواطنين وبين الرعية هو ان تحسن اليهم وتنفتح عليهم وتكرمهم ان تتعامل معهم برفق واحسان وبوعي ، " وتخفيفه المؤونات عليهم " وان تقلل الضرائب والجبايات ولا تتعبهم ولا ترهقهم باخذ الاموال بعناوين مختلفة من هؤلاء المواطنين " وترك استكراهه اياهم على ما ليس له قبلهم " يا مالك لا تكرههم ولا تطلب منهم امورا هي خارجة عن واجباتهم كمواطنين لا تثقل عليهم بالطلبات لا تطلب منهم امور هي ليست من واجباتهم لا تستغل سطوة الموقع والسلطة لترغمهم على ما لا يرغبون " فليكن منك في ذلك امر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك " من خلال الاحسان وتقليل الضرائب والجبايات المالية وعدم اكراههم على فعل ما ليس من واجباتهم من خلال هذه المسالك تستطيع ان تزرع الثقة بينك وبين هؤلاء الناس ، والثقة هي المفتاح السحري بين اي حاكم ومواطنيه بين اي مسؤول وبين من هو مسؤول عنهم ، وكما قلنا ان هذه النظرية لا تنحصر بالحكام والقادة وانما تشمل كل من يتصدى لموقع من مواقع المسؤولية ان يكون مسؤولا لاسرة فصاعدا رئيس شركة شيخ لعشيرة وما الى ذلك كل هذه المفاصل والعناوين ، هذه السمات يجب ان تتوفر في كل من يتصدى للمسؤولية ، العلاقة بين المسؤول وبين من هو مسؤول عنهم علاقة رحمة وشفقة واحسان وثقة " فان حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا " اذا صارت العلاقة علاقة حسن ظن سوف يخلصك من الكثير من المتاعب ، الحاكم الذي لا يثق بشعبه يكون غير مرتاح ولا يدري متى يسقطه الشعب ولا يدري متى تخرج الناس عليه ، في وسائل الاعلام توجه الملامة له فيبقى مفزوع وفي حالة استنفار وعينه على هذا وذاك خوفا من سرقة الحكم منه ، لكن الحاكم الذي يثق بشعبه وشعبه يثق به ينام مرتاح وينام رغيد لانه يحب شعبه وشعبه يحبه فلا يكون دائما في مظنة التآمر عليه من هذا وذاك وهذا يخفف الكثير من المتاعب ، في دولنا العربية والشرق اوسطية ولعله في دول اخرى من العالم تكون ميزانية الامن والمخابرات والتنصت والاستخبارات وملاحقة الناس في حياتهم وخصوصياتهم ميزانية كثيرة جدا وهذا دليل على فزع الحكام من شعوبهم فيضطرون الى وضع الاجراءات الاحترازية الكبيرة " وان احق من حسن ظنك به من حسن بلائك عنده " يا مالك حسن الظن يعني ان تتعامل مع المواطنين تعامل صحيح وهذا لا يعني ان تكون مغفل وتغمض عينك ولا ترى الاخطار والاعداء ، افتح عينك وقيّم الناس ، غالبية الناس هم طيبون واهل للثقة ، شخّصهم هؤلاء الاغلبية وانفتح عليهم وتبادل معهم حسن الظن ولا حاجة لان تحذر منهم ولكن هناك قليل من المتآمرين والاعداء هؤلاء ينصبون لك العداء ويجب ان تميزهم تراقبهم " وان احق من ساء ظنك به لمن ساء بلائك عنده " اختبر الناس ومن ينجح بالاختبار ويبرهن على وطنيته مد معه جسورالمودة والثقة ومن يفشل في اختبار الوطنية ويترصد الانقضاض على النظام والاساءة للنظام يجب ان تكون منه على حذر .
هذه الدروس الكبيرة تحدثنا عن الاضاءة الاولى وهو دور حسن الظن في بناء العلاقة القيادية بين المسؤول ومن هو مسؤول عنهم وتحدثنا في الاضاءة الثانية عن الطرق التي تعزز الثقة المتبادلة بين الحاكم والمسؤول عنهم وشرحنا الطرق الثلاث التي تحدث عنها الامام علي (ع) .
الاضاءة الثالثة فهي نتائج ومعطيات حسن الظن بين المسؤول وبين من هومسؤول عنهم ..
" فان حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا " متاعب طويلة وعريضة يخلصك منها حسن الظن ، لا تحتاجها هذه هي المعطى الكبير والنتيجة العظيمة لحسن الظن .
لاحظوا في غرر الحكم عن علي (ع) " حسن الظن من احسن الشيم وافضل القسم " افضل الشيم شيمة الانسان افضل شيمة ان لا يكون رجل مرعوب من الناس بل يحسن الظن بهم يتعامل بايجابية مع الآخرين " الاساس في الناس انهم طيبون شرفاء وطنيون انهم يستحقون الثقة وهذا هو الاساس الا ان يخرج من ذلك بالدليل فيتبين ان فلان غير مؤهل وغير جدير بالثقة ، ولكن ليس الاصل ان اتعامل مع الآخرين بسوء الظن الا اذا احد استثنيته وتعاملت معه تعامل صحيح ، الاساس هو افضل الشيم شيمتك ان تتعامل بحسن الظن مع الآخرين " وافضل القسم " افضل نصيب للانسان ان يكون طريقته ومنهجه حسن الظن بالآخرين واحترامهم ، اذاً حسن الظن يوفر ارضية النجاح لانه يمثل افضل الشيم والمسالك واذا سلكت هذه المسالك سوف يتحقق على يدك النجاح .
في رواية اخرى عن علي (ع) " حسن الظن راحة القلب وسلامة الدين " اذا كنت تريد ان يكون قلبك مرتاح وتريد دينك مستقيم احسن الظن بالناس تعامل معهم على اساس صحيح هذا يوفر الراحة والاطمئنان القلبي ويضعك في موضع الاستقرار النفسي ويحافظ على دينك لان سوء الظن سوف يدفعك الى التجسس والتدخل في شؤون الناس ومحاولتك التعرف على اسرار الناس وهو محرم عليك، ليس لي حق ان اتجسس واتفحص عن الناس ليس هذا واجبي ولا يجوز لي ،لا يجوز التجسس ، من له سوء ظن يبدي يتجسس ولكن من لديه حسن ظن لا يحتاج فيحافظ على دينه ويقوي دينه .
في رواية اخرى " حسن الظن يخفف الهم وينجي من تقلد الاثم " يخلصك من الذنوب ويقلل الهم ، حسن الظن لمن يستحق ، وهذه فوائد عظيمة لحسن الظن .
عن علي (ع) " من حسن ظنه بالناس حاز منهم المحبة " اذا كنت تريد الناس يحبوك يجب عليك حسن الظن بهم فيحبوك ، انظر الى الناس نظرة صحيحة فيحبك الناس ، اذا وجدت الناس لا تحبك فاعرف ان عندك مشكلة مع الناس ويجب ان تعالج المشكلة وتاكد من محبتك لهم فيبادلوك المحبة مشاعر متبادلة .
ما راته عيناك فهو الحق وما سمعته أذناك فأكثره باطل ..
عن ابي جعفر الباقر (ع) قال " سئل امير المؤمنين (ع) كم بين الحق والباطل فقال(ع) اربع اصابع ووضع امير المؤمنين يده على أذنه وعينه " الفاصل بين العين والأذن اربع أصابع ، علي (ع) يقول الفاصل بين ما تراه وما تسمعه اربع اصابع ، كثير من الاخبار التي نسمعها غير صحيحة ومصادرها غير معروفة ، " فقال ما راته عيناك فهو الحق وما سمعته أذناك فأكثره باطل " علي (ع) من البداية قال ان اكثر المسموعات باطلة وقليل منها صحيحة ، يجب عدم التشهير بانسان مؤمن وان على الانسان ان يتاكد من ما يسمعه ، " اكثره باطل " لان الناس بطبيعتها لا تتاكد والكلمة غير الجيدة تاخذ مساحاتها السريعة في الآفاق .
في رواية اخرى عن علي (ع) " من كذّب سوء الظن بأخيه كان ذا عقل صحيح وقلب مستريح " عقلك مرتاح غير مشوش ، اذا كذبت سوء الظن بالآخرين عقلك يكون مرتاح مركز وقلبك مستريح في حالة من الراحة . " من ساء ظنه بمن لا يخون حسن ظنه بما لايكون " الذي يستحق حسن الظن ومن يستحق الثقة لم تثق به واسات الظن فالله يبتليك ولكن من يستحق سوء الظن جعلت يدك بيده ، اذا لم تعط يدك للصلحاء سوف تتورط وتعط يدك للطلحاء والاشرار ، اذا لم تتعامل مع الشرفاء بشكل صحيح فالله تعالى سوف يبليك بان تتعامل وتثق بمن لا يستحق مع الاشرار والفجار ، اذا هناك اخطاء اذا ما احسن الظن ولم اتعامل بشكل صحيح مع من يستحق فالله تعالى يبليني بان اتعامل مع من لا يستحق الثقة واتحمل الكثير من الاشكاليات والمتاعب .
وهذا درس آخر من معطيات حسن الظن ، الانسان يخلص نفسه من كثير من العناء ويستقر نفسيا ويحقق النجاح بالمهمة المناطة به .
في رواية عن الامام الصادق (ع) في بحار الانوار ج 78 " خذ من حسن الظن بطرف " اعتمد حسن الظن " تروّح به قلبك " قلبك يرتاح مشاعرك تستقر ونفسيتك تتحسن " " ويروح به أمرك " وينجز به امرك ، سوف توزع المهام وامرك وعملك ينجز ومهمتك تتحقق ، اما اذا كان لديك سوء ظن لا تستطيع ان تكلف احد وستكون مهامك شاقة ، حسن الظن الثقة بالآخرين يعني اعطاءهم الفرص ، القيادي الناجح ليس من يركض هو ليل نهار ، القيادي الناجح من يركّض الآخرين ليل نهار ويركض معهم ، حتى تتحقق النتائج الباهرة ، وهذه هو منهج علي وهو منهج رسول الله (ص) .
الاضاءة الرابعة ..المعيار في حسن الظن وسوء الظن ، بمن نحسن او نسوء الظن ..
" وان احق من حسن ظنك به لمن حسن بلائك عنده وان احق من ساء ظنك به لمن ساء بلائك عنده " حسن الظن لا يعني ان يتحول الانسان الى مغفل حسن الظن لا يعني ان يغمض الانسان عينه عن الغادرين والمفسدين والفاشلين والمتآمرين وان كانوا هؤلاء قلة قليلة ،الاساس الناس طيبين الا من تبين انه متآمر انه غير منسجم وخائن وما الى ذلك ، هذا التوازن جدا عميق " المؤمن كيّس " حسن الظن دون ان يتحول الى مغفل .
في رواية عن علي (ع) لضباطه مراتب جيش علي (ع) ، يقول " واعرف لكل امرء منهم ما أبلى " انت الضابط والقيادي العسكري افتح عينك وقيّم رجالك وكل واحد اعطه قيمته ، ماذا قدم وما حقق من انتصارات ، في زماننا الجنود يبذلون المجهود ويحققون الانتصار ولكن الوسام ياخذه كبار الضباط ، لماذا لا تقدر جهود هؤلاء الجنود والمراتب ! فيصابون بالاحباط ، فالسمة القيادية تتطلب ان تنظر الى من انت مسؤول عنهم لترى من يعمل اكثر ومن هو اقل كفاءة ومن هو يبذل من وقته وجهده ومن هو المخلص يجب ان تميز بين هؤلاء " ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى ولا تضمن بلاء امرئ الى غيره " لا تسجل انجاز أي منهم الى الآخر فيغبن حقه ، لا تصادر اعمال اللآخرين اعط حق كل واحد له ، المدير العام أخذ كل الانجازات وسجلها باسمه ولكن اين حقوق الآخرين الذي ساعدوك وحققت الانجازات ، ونرى في حالة الفشل سوف يلقي اللائمة على الآخرين ! هذا لايجوز ، القاعدة الفقهية تقول " من له الغنم عليه الغرم " من له الفائدة فان عليه التبعات ، انت مسؤول الانجاز وايضا مسؤول الفشل وكما أنهم معنيون بالفشل فانهم ايضا معنيون بالانجاز ، " ولا تقصرن به دون غاية بلاءه " لا تقصر لا تقلل من قيمة العمل والانجاز للناس قيّم العمل كما هو ، التقليل من قيمة العمل لا يكون اساسا في واقعنا ولكنه مع الاسف موجود ، الرجل يدخل الى البيت ويرى زوجته تعبانة فيقوم بالتقليل والاستهانة من عملها كونه يخرج الى الشارع ويواجه مخاطر الطريق والانفجارات ، ولكنه حينما ينظرنظرة واقعية الى عمل المراة في البيت سيجده صعبا جدا ، يجب ان لا نقلل من عمل الآخرين ، " ولا يدعونك شرف امرئ الى ان تعظم من بلاءه " هذا ابن معالي الوزير يشار له بالبنان والاحترام وابسط قضية يعتبر له انجاز عظيم ، ولكن المواطن البسيط حتى وان كان مجتهدا ومتفوقا فلا يشار له بذلك التقدير لانه لا يملك تلك الوجاهة التي يمتلكها ابناء المسؤولين ! " ولا يدعونك شرف امرئ " انسان له جاه ومرتبة اجتماعية هذا لا يدعونك لان تعظم من بلاءه " لا ترى عمله اكبر من واقع فقط اعطه حقه ، " الى ان تعظم من بلاءه ما كان صغيرا " عمل صغير تكبره لانه من موقع فلاني او عنده مال او جاه او مكانه لا تعمل هذا الشيء ، " ولا ضعة امرئ " المستوى الادنى لشخص آخر " الى ان تصغر من بلاءه ما كان عظيما " انسان بسيط ولكنه ذو انجاز كبير ولانه انسان بسيط ومغمور تنطمر ابداعاته لان المبدع المخترع المبتكر كان انسان بسيط ، وكم ابداعات بسيطة اخذت صدى كبير عبر وسائل الاعلام لان المبدع له وجاهة وتاثير هذه كلها كوابح تسبق الناس عن التقدم والعمل والتطور على ان يقدموا لمجتمعهم . في المنظومة القيادية هذه النقاط مؤثرة ومهمة .
عن علي (ع) " اذا استولى الصلاح على الزمان واهله ثم اساء رجل الظن برجل لم تظهر منه حوبة فقد ظلم " حينما يكون الجو العام جو ايماني ولكن هناك رجل اسات الظن برجل دون ان يصدر منه ما يستحق سوء الظن ، في هذه الحالة سوف تظلم نفسك وتظلم الآخرين " واذا استولى الفساد على الزمان واهله فاحسن رجل الظن برجل" دون ان يجد منه ما يستحق " فقد غراه " غرر نفسه ، كما ان حسن الظن اساس البيئة التي تستحق حسن الظن فان البيئة الملوثة يكون الحذر والاحتياط مطلوب حتى لا يغرر بك ، هذا ايضا تاكيد لهذا المنهج .
في رواية اخرى " اذا كان الزمان زمان جور واهله اهل غدر فالطمانينة الى كل احد عجز " زمان غدر ولا احد يرحم الآخر اذا اعتمدت ووثقت في مثل هذه الظروف فهذا عجز ويجب ان تفتح عينك لان الوضع لا يتحمل حسن الظن .
"من عرّض نفسه للتهمة به فلا يلومن من اساء الظن به " اذا عمل الانسان شيء يتهم من خلاله فلا يزعل اذا الناس اساءت الظن به لان الناس تسيء الظن باناس تصدر منهم مؤشرات غير طيبة وغير صحيحة ، ولذلك قيل " اتقوا من مواضع التهم " فمثلا لايجوز الدخول الى امكنة ينظر اليها انها امكنة فجور وان كانت نيتك طيبة ولكن يجب العزوف عن مثل هذه الامكنة ، " اتقوا من مواضع التهم " الشيء الذي يسبب ان الانظار تتجه اليك ويصعب تبريرها للآخرين عليك ان تبتعد عنها لانه اذا صدر منك ما يثير والناس حذرت منك لا تزعل فانه من حق الناس ان تسيء الظن بمن يصدر منه ما يستحق ان يساء الظن به .