1.     الوضع السياسي العام، صورة من الأعلى ...

في المحور الأول من حديثنا السياسي في ملتقى اليوم نحاول النظر للوضع السياسي العام من الأعلى ... ففي اغلب الأحيان عند الاستغراق في التفاصيل وتحت تأثير الضخ الإعلامي المتواصل ( ونحن نعيش في عصر الاعلام بامتياز ) قد يرى الانسان نفسه في دوامة كبيرة لا تنتهي وقد تبتلعه وتبتلع معه كل الأشياء الكبيرة التي يؤمن بها كالدولة والوطن والمجتمع ، والاستغراق المتزايد في التفاصيل والاطلاع على دقائقها يزيد من حالة التشتت الفكري وعندهاتغيب عنا الصورة  الكاملة وتفقد قراراتنا جامعيتها المطلوبة لأنها تعتمد على لقطات جزئية وعابرة ..

اننا اليوم في العراق نواجه ثلاث تحديات رئيسية .....

الأول هو التحدي الإرهابي الهمجي....

وهو تحدٍ نصارعه منذ 12 سنة ولكن موجته الأخيرة هي الأخطر والاشرس والأكثر بربرية ووحشية منذ قرون وليس بمقاييس الإرهاب الذي حاربناه في العقد المنصرم ....

وهذا الإرهاب قد وصل الى مرحلة احتلال الأرض من اكثر من دولة وإعلان دولته المستقلة المزعومة ، وهو يمثل القمة في التمكين الإرهابي .....

وقد كنا ومنذ سنين نحاول ان نقنع العالم والدول الصديقة إقليميا ودوليا بأن هذا الإرهاب سيتمدد ويتطور ويتخذ اشكالاً جديدة ، وان أهدافه لا تنحصر بالواقع المحلي العراقي وانما يتغذى على البيئة غير المستقرة في العراق مثلما يتغذى الان على مناطق الصراع في اليمن وليبيا وسوريا وحتى في افريقيا الوسطى والفلبين واندونيسيا ... اذاً هو ليس حالة محلية مرتبطة بوضع سياسي محدد ... ولكن تداخل الوضع العراقي المعقد وعمق التحولات التي حدثتفي هذا البلد ، جعله يظهر بشكل بارز هنا بينما هو حالة عالمية وفكر منحرف تكفيري اجرامي ...

ان هذا التحدي الإرهابي وبعد ان وصل الى قمته ، بأي اتجاه سيتحرك؟؟... انه بدأ يتراجع وينحسر واصبح تحدياً للعالم بأسره وليس تحدياً لنا وحدنا، وأصبحت دول العالم تتعامل معه كخطر محلي مثلما نتعامل نحن معه كخطر محلي ... وفقد جزءاً كبيراً من بيئته الحاضنة وسقطت اقنعته الطائفية التي استخدمها للتمدد عبر بعض الطوائف ...

واليوم اصبح العراق يحارب الإرهاب ويستعيد المبادرة ويستخدم سياسة القضم في استرجاع الأرض وسياسة التحطيم في تسديد الضربات الموجعة للإرهاب ومعاقله وأسسه السياسية واللوجستية ...

اذ نحن في هذا المحور نحقق تقدماً كبيراً ...

ثانيا .... التحدي الاقتصادي...

وفي هذا التحدي فان العراق يعيش على مورد واحد وهو النفط وماعدى ذلك فكل شيء ثانوي ومهمل .. وقد ساعدت فورة أسعار النفط التي استمرت لبضع سنوات على زيادة الاعتماد عليه ودخول الدولة العراقية في مرحلة الشلل الاقتصادي البنيوي ، بحيث لم يعد هناك تركيزاً جدياً على تنويع الموارد والخروج من أسر الدولة الريعية وتركز الاهتمام على تحديد كيفية صرف الموارد الضخمةالمتوفرة !!!!

فكانت الموازنات تبنى على أساس الانفاق لا الحاجة الفعلية ، وتضخم عدد الموظفين الى مستوى أصبح العراق يحتل الصدارة في العالم بعدد موظفيه نسبة الى عدد سكانه ... وكما هو متوقع فان البذخ والاسراف يخلق بيئة فاسدة،وأصبح الفساد مرافقاً ومشجعاً لسياسة انفاق الموارد واهدار المال العام ...

وقد انتهت فورة الأسعار واصبح الجميع يرى الصورة الحقيقية بدون رتوش .. ويكتشف ان هذه الدولة ارتبط مستقبلها ببضاعة يرتفع او يهبط سعرها في بورصة الأسواق العالمية !!...

ولأول مرة منذ 12 عاماً بدأت الموازنة تدرس بشكل جدي ويتم بنائها على مبدأ الاحتياجات والاولويات ويكون الصرف على أساس الحاجة .. وهو الحالة الطبيعية في بناء اقتصاد البلدان ... وبدأت الدولة تفكر بعقلية الحصول على الموارد لا انفاقها وبدأ المجتمع يفكر بعقلية الإنتاج لا الاستهلاك وبدأ الفرد يفكر بعقلية تنويع المصادر في عمله ودخله وتخلّى عن الطموح بأن يكون موظف دولة ..

وهذا التحول قد بدأ الان ومنذ اقل من سنة وليس من المعقول ان نرى نتائجه اليوم او بعد شهر او شهرين ولكن بالتأكيد اننا لأول مرة أصبحنا نتجه نحو الطريق الصحيح لبناء اقتصاد قوي وفاعل ، وأقول نتجهلأننالا زلنا بحاجة الى تشريع مئات القوانين والتشريعات الضرورية كي نكون على الطريق الصحيح ...

وأسعار النفط ستبقى لبضع سنوات بمعدلات منخفضة ، وهي قد تكون كافية لتوفير الحد الأدنى من احتياجات البلدوتمنحنا الفرصة لنفكر بعمق ونطور الانتاج ونصنع دورة اقتصادية حقيقية...

ثالثا ..... التحدي السياسي ....

وفي هذا التحدي فأننا قد ننسى ونحن نستغرق في التفاصيل ان العراق يعيش حالة الحرب منذ 35 سنة ... وهي حرب متواصلة وعلى جبهات مختلفة وبعناوين متعددة ... ولكنها حرب شرسة ومدمرة ...

فمنذ بداية الثمانينات والى اليوم والعراق في حروب مستمرة بدون توقف ... فالحرب العسكرية هي حرب ... والحصار الاقتصادي هو حرب ، وتغيير النظام السياسي بغزو عسكري هو حرب ، والإرهاب هو حرب ....

وعلى مدى هذه ال 35 سنة لم تتوقف هذه الحروب وهي تستنزف كل شيئ في العراق ..

فالحروب تستهلك الثروة والانسان والمبادئ والقيم والسياسة .... ومن الصعب ان نجد دولة في القرن المنصرم بقيت في حالة حرب وبهذه الشراسة والتنوع على مدى ال 35 سنة الماضية كما مرًّ بالعراق !!

ومع كل هذا فان العراقيين استطاعوا وبألم ان يتجاوزوا الكثير من جروح هذه الحروب وان يبنوا نظاماً سياسياً يتداولون فيه السلطة بشكل سلمي وديمقراطي،وبالتأكيد انه ليس النظام المثالي والكامل ولكنه على الأقل افضل من العديد من الأنظمة في دول المنطقة والعالم وهو بحاجة الى التطوير والتصحيح والعمل المستمر على ترسيخ ثقافة التعددية السياسية، واملنا الكبير بالجيل السياسي الجديد الذي يأخذ الريادة بتنضيج المسارات السياسية وتطويرها ....

هذه هي النظرة الشاملة من الأعلى ومن دون الاستغراق في التفاصيل او الرضوخ لهذا الزخم الإعلامي الصاخب بما فيه من غث وسمين حيث يمكننا ان نكتشف صورة الوضع العام في العراق وأين نحن الان وبأي بوصلة نتجه؟ وكيف نواصل عبور الازمات ومواجهة التحديات ...

ان القرارات الشاملة تحتاج الى نظرة شاملة كي تكون عميقة التأثير وفعالة واستراتيجية ...

2.     تفكيك بيان المجلس الأعلى الأخير

في المحور الثاني من حديث اليوم سأركز على توضيح بيان المجلس الأعلى الذي صدر قبل أسبوع ، وأول ما اود توضيحه هو الطريقة التي نفكر بها في تيار شهيد المحراب والطريقة التي نتخذ بها القرارات ... ان البعض من محبيّنا يلوموننا كثيرا في اننا بطيئون في اتخاذ القرارات ومتحفظون في الغالب في قراراتنا أي اننا لا نتعجل القرار ولا نتخذه بسهولة ... وهذا يعني اننا لم نصدر البيان لمجرد التعبير عن موقف او إلفات نظر الاعلام او الشارع ، ولكننا اصدرنا البيان لأننا وجدنا ان هناك حاجة فعلية وملحة كي نضع النقاط على الحروف .. لان الاحداث تسارعت والأمور اختزلت الى درجة ظن البعض ان أزمة البلد محصورة بالتغيير الوزاري !! فاذا حدث هذا التغيير فان الاوضاع ستكون مثالية وتختفي كل المشاكل والأزمات !!

ولهذا حددنا موقفنا مما يقال وقلنا كلمتنا ... فأيتغييريحتاج الى أسباب وتقييم !، أما ان يشمل الجميع ويتساوى فيه الكفوء وغير الكفوءوالناجح والفاشل فان هذا لا يكون اصلاحا وانما مجرد هروب من ازمة الى أخرى ...

ان أساس الإصلاح هو ان نكون صريحين مع انفسنا وشعبنا وان نحدد مكامن الخطأ بدون مجاملة او حسابات شخصية ضيقة هنا او هناك ...

ولهذا طالبنا بان تشكل لجنة مهنية مختصة لتقييم السادة الوزراء وادائهم في وزاراتهم ومستوى النجاح الذي حققوه في بلوغ اهداف الوزارة ... ولا نتصور ان هذا الطلب يزعج احداً بل بالعكس هذا ما يطالب به الشعب وهو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، وأيضا هذا ما يطالب به اخونا الدكتور العبادي في ان تكون حكومة تكنوقراط أي حكومة مختصين وخبراء ... وقلنا يجب ان تكون اللجنة مستقلة وان تعلن نتائجها للجميع !!، واذا كان هناك من يقول ان هذا سيسبب احراجاً للبعض فنقول وهل تغيير الوزراء بدون سبب لا يسبب احراجاً؟!! وهل نحن ننوي ان نقوم بإصلاح حقيقي ام نراعي خواطر شخصية هنا او هناك ...

ان ما طالبنابه في بيان المجلس الأعلى هو الإصلاح الحقيقي لأنهيؤسس لبداية صحيحة بعيدة عن التشويش والضبابية ...

اذاً المسألة ليست محرجة وليست صعبة ولكن نستغرب ان البعض يطالب بالتغيير ولا يقدم آليات !! هنا تكمن علامات الاستفهام الكبيرة ؟؟!!..

ولما اصدر سماحة السيد مقتدى الصدر بياناً بهذا الخصوص وطالب بتشكيل لجنة فسارعنا الى دعم المبادرة لأنه نفس المنهج الذي نؤمن به ، في العمل المبني على خطوات معروفة ...

لا احد مستعد ان يمشي معصوب العينين او يمنح شيكاً على بياض لاحد !!

كلنا شركاء بتحمل المسؤولية ولن نتخلى عن مسؤولياتنا ولن يرهبنا التشويش والتضليل الذي يصدر من هنا او هناك ولسنا ممن يفقد الرؤية عندما يعلو الغبار ...

الامر الاخر المهم في البيان هو تصورنا للأغلبية السياسية ... وهنا اختلط الامر عند البعض وقالوا لماذا رفضتموها عندما طالب بها الاخرون قبل فترة ... وعلينا ان نوضح الامر .. نحن نؤمن بالأغلبية السياسية من كل المكونات وليس بالأغلبية العددية فقط ...

يعني اننا ندعوالى اغلبية فيها شيعة وسنة وكردوسائر المكونات الاخرى ولتكن هناك معارضة فيها شيعة وسنة وكرد.. المهم ان يكون الجميع ممثل في هذه الأغلبية ، والجميع موجود في المعارضة أيضاً ولسنا ممن يؤمن بتشكيل اغلبية عددية يكون ثقلها الكبير من مكون واحد ويكون وجود الاخرين تشريفياً او شكلياً...

انَّ العراق متنوع ولا يمكن ان يعيش الا بهذا التنوع ولا يمكن للعملية السياسية ان تستمر الا اذا كانت كل المكونات متواجدة فيها ....

3.     استقالات وزرائنا في سبيل الإصلاح الشامل وليس الجزئي ..

في المحور الثالث من حديثنا اليوم فإنني اعلن اننا ارسلنا رسالة رسمية موثقة الى الأخ الدكتور العبادي رئيس مجلس الوزراء وفيها استقالات الاخوة وزراء كتلة المواطن النيابية ... لأننا أصحاب مشروع ولسنا أصحاب مواقع وامتيازات ولن نكون سبباً في إيقاف أي مشروع إصلاحي يقوم بناء الدولة العراقية ولهذا أصبحت استقالات وزرائنا رسميا تحت تصرف اخينا الدكتور العبادي ... وأيضا ان هذه الاستقالات ليست منفصلة عن مشروع اصلاح حقيقي وواضح وشفاف ...

فقبول أي استقالة بناء على السبب الذي تبديه اللجنة المختصة .. وأيضا ان تكون هناك معايير واضحة للبدلاء وان تقوم الجهات السياسية المشاركة بالحكومة بتقديم هؤلاء البدلاء بناء على المواصفات التي يضعها الأخ رئيس مجلس الوزراء وان لا يكون هناك استثناء لأي احد من هذه المواصفات .... وان يكون للبرلمان راي في اختيار الوزراء أيضا لانه بالنهاية لا تكون لهم شرعية الا بقبول البرلمان بهم !!...

و ما دمنا نبحث عن مختصين وخبراء فلا نتصور ان يكون خلافٌ على من تتوفر فيه هذه الصفات بغض النظر عن الجهة التي رشحته او الطريقة التي ترشح بها ...

وهناك خطوة اخرىفي طريق الاصلاح هي المواقع بالوكالة وهي مواقع غير دستورية وغير شرعية وعددها كبير جدا وتشل العمل الحكومي والإصلاحات ، وهنا يجب ان يحسم هذا الملف أيضا وان لا يبقى أي موقع بالوكالة وان لا يكون هناك أي استثناء ...

والخطوة الثالثة هي مواقع الهيئات المستقلة والمواقع الشاغرة في الدولة والتي يجب ان تشغل بملاكات مختصة وخبيرة وان يتم وضع معايير واضحة ويتم اختيارهم من قبل لجان مختصة ومتوازنة تحت اشراف مجلس النواب ...

والخطوة الرابعة من مسيرة الإصلاح هي القوانين والتشريعات التي تكبل العمل وتدمر الاقتصاد وتعقد حياة المواطنين ... وهي تحتاج الى حملة تنقية وإصلاح كبيرة وشاملة ...

اننا داعمون لاي خطوات إصلاحية بشرط ان تتوفر لدينا خارطة طريق ومشروع اصلاحي متكامل  وخطوات وإجراءات واضحة ...

وليس المهم الوقت الذي تستغرقه الاصلاحات وانما المهم ان يكون لدينا خطة نتابع تنفيذها ضمن جدول زمني محدد ...

ولكن لوغيرنا الوزراء بدون خطة واضحة او بدون اكمال الخطوات الأخرى وتركنا المواقع بالوكالة والشواغر بالدولة والهيئات المستقلة كما هي ... و مرَّت عدة اشهر او سنة ماذا ستقول الحكومة حينذاك !! وكيف ستبرّر الاخفاق الحكومي فيها ؟! وهل ستلوم من ينتقد او ينسحب منها ؟!!...